هادي العامري
انتخابات أكتوبر كانت لها ملامح جديدة يمكن القول أنها دقَّت جرسَ الإنذار لدى القوى والأحزاب التقليدية

يبدو أن علاقة ساسة العراق لا يقتصر سوءها مع الشعب فقط، إذ هي أكثر سوءاً بالتاريخ، فهم لم يقرؤوا عن أحد أعظم رؤساء الحكومات البريطانية "ونستون تشرشل" الذي يكفيه فخراً أنه خلال الحرب العالمية الثانية نقل بلدَه من حافة الهزيمة إلى النصر، ورغم إنجازاته العظيمة في النصر على النازية والفاشية، فإنه هُزِمَ في الانتخابات العامة في يوليو 1945.

وأيضاً لم يقرؤوا عن شارل ديغول الزعيم السياسي والقائد العسكري الفرنسي الذي قاد مقاومة بلاده للاحتلال الألماني في أربعينيات القرن الماضي، ومؤسس الجمهورية الخامسة، ورغم كلّ هذه الإنجازات فضَّل ديغول الاستقالة من رئاسة الجمهورية عام 1969 بعد تصويت أغلبية الفرنسيين ضدّ مشروعه الحكومي لإصلاح نظام الحكم والإدارة في البلاد. 

هذان النموذجان لقادةٍ كبار حفروا في ذاكرة التاريخ والأجيال أسماءَهم من خلال منجزاتهم التي قدّموها لبلدانهم، ودافعوا عن مصالحها، لكنّهم لم يعيّروا شعوبَهم بمنجزاتهم عندما لم تنتخبهم، واكتفوا بانسحاب هادئ من العمل السياسي.

أما ساستنا الأشاوس فهم لا يعرفون عن الانتخابات غير اعتبارها مواسم احتفالية لتجديد بقائهم في الحكم، لأنَّ مخيلتهم لا تريد مغادرة مفاهيم البَيعة والطاعة لهم من قبل الشعب. فالعامة- وهو مصطلح لوصف عامة الناس ويتداول كثيراً على ألسُن النخب السياسية ورجال الدين والمثقفين- لا يعرفون مصلحتَهم ولا يجيدون اختيار مَن يحكمهم! 

وهنا تكمن مفارقة مؤلمة؛ إذ بدلاً من العمل على مراجعة المواقف والسياسات وحتّى الخطابات، يحاولون المكابرة ويلجؤون إلى الطعن بالعملية الانتخابية، ويحركون جيوشَهم الإلكترونية وماكنتهم الإعلامية للترويج بأن الانتخابات مزوّرة، وهناك تلاعب بالنتائج وتدخلات خارجية وراء سرقة أصواتهم! أيُّ بؤسٍ هذا الذي يعيشه العراقيون مع هكذا نخبة سياسية فشلت حتّى في تقديم مبررات مقنعة يمكن أن تطعن بالانتخابات!

انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول، كانت لها ملامح جديدة يمكن القول أنها دقَّت جرسَ الإنذار لدى القوى والأحزاب التقليدية، إن كانت تقرأ رسائلها جيّداً. فإن فوز الشخصيات المستقلّة التي حصلت على أعلى الأصوات يقدّم رسالة تأكيد على انعدام الثقة بالوجوه السياسية التقليدية التي ترشحها أحزاب السلطة، والتصويت لنساء تجاوزن نسبة الكوتا وحصلن على أعلى الأصوات في دوائرهن الانتخابية، ولعلَّ ذلك الفوز أصدق تعبير عن رغبة الناس بتغيير الشخصيات التي انتهت مدة صلاحيتها السياسية، وتعبر عن ثقتهم بشخصيات تعتقد أنها قادرة على الدفاع عن مصالح ومتطلبات جمهورها. 

ولم تكن رسائل الانتخابات التي تفرض وجوب المراجعة وإعادة الحسابات مقتصرةً على منطقة محددة من مناطق العراق. ففي كردستان كانت النتائج تؤشر صعود قوى جديدة ومنح الثقة لبعض السياسيين كعقوبة للقوى السياسية المهيمنة، وفي المناطق الغربية كانت النتائج رسالة بمنح الثقة لمن يقدّم منجزاً خدمياً، حتى وإن كان بسيطاً ولا يلبي الطموح، وليس لِمَن يرفع شعارات سياسية فقط، ولعلَّ العقوبة الأكبر كانت لقوى أحزاب الإسلام السياسي في تلك المناطق الذي لم يعد لهم حضور ولا فاعلية في المشهد السياسي. 

نعم، قد تكون الرسالة الأبرز والأهم في المناطق الوسطى والجنوبية التي يجب أن تعنى بها الطبقة السياسية الشيعية، كونها معنيّة بالنظر والتمعن بنتائج الانتخابات التي خسرها من أراد الإبقاء على خطاب خنادق الحرب وتخندقات السلطة السياسية، وعجز عن تقديم خطاب يؤشّر مرحلةً جديدةً توثق العلاقة بين المواطن والقوى الحاكمة والمتنفذة. خصوصاً بعد أن تم استهلاك العناوين السياسية في التحالفات التي ترفع شعارات ولافتات باسمِ المواطن في الانتخابات السابقة ولم يجن منها المواطنُ إلا زيادة في أعداد العاطلين عن العمل، وخرابَ الطرقات ودمار البُنى التحتية. ولذك عندما رفعت هذه القوى شعارَ "الدولة" في الانتخابات كان مثاراً للسخرية والاستهزاء؛ لأنَّ مَن رفعه هو من ساهم ورسَّخ خرابَ الدولة وضياعها. 

وكعادتها تعيش القوى السياسيةُ الخاسرةُ في انتخابات أكتوبر/ تشرين الأول على أوهامِ الزعامة والتأثير بالشارع، كما صوّرت لها حاشيتُها والمقربون منها، ولذلك تجدها تخرج في مناسبة أو ومِن دون مناسبة تكرر خطابات سياسية مملّة إلى درجة الغثيان، ولا تقيس ردودَ الأفعال بشأنها إلا بالقدرِ الذي تثيره من مهاترات سياسية لا أكثر ولا أقل.

وهذه الخطابات غالباً ما تناقض الأفعال والمواقف السياسية، ولعلَّ دليل ذلك موقف الكتل السياسية من رفع سعر صرف الدولار أمام الدينار العراقي، إذ جرى بموافقة جميع الكتل السياسية وتم تمريره داخل مجلس النوّاب، ولكنّها تخرج للإعلام وتدّعي أنها لم تكن مواقفة على هذا القرار، وهذا نوع من النفاق السياسي لا يتم حساب تبعاته على الثقة السياسية بين الشارع ومَن يدّعي أنّه زعيم سياسي!

الآن حان وقت المراجعة التي يجب أن تبدأ بإعادة الحسابات السياسية، لا سيما بعد تشرين الاحتجاجات وتشرين الانتخابات، فمَن كان يعوّل على فوزه بالانتخابات أو بقائه ضمن منظومة السلطة على أساس توظيف الخطاب الطائفي، أو إثارة المخاوف من عودة البعث، أصبح اليوم خارج معادلة التأثير السياسي بعد أن رفضه الشارع.

ومَن كان يتعكّز على خطاب المقاومة والجهاد ضدّ تنظيم داعش وحصد ثمارها في انتخابات 2018، هو الآن مُطالَب بأن يعيد النظرَ في حساباته ومواقفه السياسية، فخنادق القتال وميدان المعارك هو ليس ميدان العمل السياسي، الذي يحتاج بالدرجة الأولى توثيق العلاقة مع الجمهور على أساس المنجَز الذي يقدّم له وليس خطابات ماضوية تريد إشعار المواطنِ بالذُّل. 

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.