الاحتباس الحراري.. مستقبل قاتم
الاحتباس الحراري.. مستقبل قاتم

الصور قاتمة، والإحصاءات مقلقة، والنزاعات المتوقعة مخيفة: أعاصير وطوفانات دورية، وأقوى من أي وقت مضى، حرائق وموجات حرّ تقضي على المحاصيل، وجفاف يهدد الأنهار التي برزت على ضفافها الحضارات الكبيرة، وموت بطيء للأرياف يلحقه عادة موجات من المهاجرين الجدد داخل البلدان، وعبر الحدود الدولية.

والتنافس بين الدول على الموارد الطبيعية والثروات المائية والنقص في المواد الغذائية سوف يتفاقم، ويؤدي إلى خلق نزاعات عسكرية جديدة. المستقبل قاتم على الأخص لعدد من الدول من بينها دول نفطية مثل العراق والجزائر، لأن انحسار عائداتها النفطية في المستقبل سوف يهدد قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية.

قد يبدو هذا السيناريو الداكن كأنه مكتوب لفيلم خيال علمي، Science fiction، ولكنه يمثل في الواقع التقويم الرئيسي للوزارات والأجهزة الأميركية، من بينها وزارتا الدفاع والأمن الوطني ومكتب مدير الاستخبارات الوطنية الذي ينسق عمل جميع أجهزة الاستخبارات الأميركية.

هذه الأجهزة أصدرت خلال الأيام الماضية سلسلة من التقارير المفصلة بشأن الأخطار المتنامية لتغيّر المناخ، الذي قال الرئيس جوزف بايدن يوم الخميس إنه يمثّل "الخطر الوجودي على الإنسانية".

توقيت إصدار هذه التقارير يعكس رغبة إدارة الرئيس بايدن بالتأكيد للأميركيين، وللعالم، أن التصدي لهذا الخطر الوجودي من أبرز أولوياتها الملحة، وذلك قبل أيام من مشاركة بايدن في القمة الدولية حول التغيّر المناخي التي ستشرف عليها الأمم المتحدة في مدينة غلاسكو في المملكة المتحدة في نهاية الشهر الجاري.

ولكن الرئيس بايدن لن يستطيع إعادة وضع الولايات المتحدة في مركز متقدم بين الدول الصناعية في مجال وقف الاحتباس الحراري في العالم بسبب معارضة الجمهوريين لخططه المتعلقة بمكافحة التغيير المناخي. هذه الخطط لم يوافق عليها الكونغرس حتى الآن.

وللمرة الأولى يصدر عن وزارة الخزانة تقرير يتطرق إلى "الخطر المتنامي" للتغير المناخي على استقرار النظام المالي الأميركي، وخاصة الأخطار التي تمثلها الحرارة العالية والأعاصير والحرائق والفيضانات التي تؤدي إلى إصرار مادية كبيرة وانحسار العائدات وعرقلة الأنشطة الاقتصادية وكيفية تقويم الأملاك والعقارات.

يشير تقرير وزارة الدفاع عن التغير المناخي إلى أن ارتفاع المياه في المحيطات، بسبب ازدياد وتيرة ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي، ألحق أضرارا مادية بالقواعد العسكرية الأميركية الساحلية. كما أن التغير المناخي في القطب الشمالي بدأ يغير، وبشكل جذري، المناخ في تلك المنطقة الاستراتيجية، مما أدى إلى خلق حدود وطرق بحرية جديدة مع ذوبان الجليد ومنافسة جيو-استراتيجية مع روسيا الاتحادية التي ستستفيد تجاريا من قدرة السفن على الإبحار بين آسيا وأوروبا قرب حدودها، متجاهلة بذلك قناة السويس.

وفي منطقة المحيطين الهندي والهادئ سيؤدي ارتفاع مياه المحيطات إلى الإضرار بقدرة الولايات المتحدة على الدفاع عن قواعدها العسكرية في مناطق مثل غوام وجزر المارشال، وبالوا، مما يعني زيادة التنافس مع الصين.

وسوف تؤدي التغييرات في أنماط الإنتاج الزراعي بين منطقة جغرافية وأخرى إلى التأثير على أسعار الأغذية وتوفرها، مما سيؤدي إلى نقص الأغذية، والاضطرابات الناجمة عن ذلك في مناطق أخرى من العالم. كما أن التأثير السلبي على النظم البيئية البحرية سيؤثر بدوره على صناعة صيد الأسماك والأمن الغذائي في العالم، مما يزيد من احتمالات التوتر السياسي بين الدول. وحتى نمط انتشار الأمراض عبر الحدود مثل الملاريا سوف يتغير مع التغير المناخي.

القحط والجفاف وارتفاع الحرارة الناتجة عن التغير المناخي أدت إلى تغيير في أنماط هطول الأمطار، الأمر الذي سيزيد من صعوبة حل النزاعات بين الدول التي تعبرها أنهار كبيرة مثل النيل ودجلة والفرات والميكونغ. وإذا أضيف إلى هذه التحديات المناخية سوء إدارة الموارد المائية في هذه الدول والتلوث وتمسك بعض الدول بمواقف متشددة بشأن تحديد وحماية حصصها، وخاصة الدول التي تنبع منها هذه الأنهار، من المرجح أن يؤدي التغير المناخي في المستقبل القريب إلى نزاعات أكثر حدة بين هذه الدول، كما يتبين من التوتر الراهن بين إثيوبيا ومصر حول مياه نهر النيل.

ويتطرق تقرير أجهزة الاستخبارات الأميركية إلى المستقبل القاتم لإحدى عشرة دولة من بينها العراق والهند وباكستان تفتقر إلى الموارد المالية والقدرات الحكومية للتأقلم مع التغير المناخي، مما سيؤثر سلبا على معدلات الهجرة من هذه الدول، ومضاعفاتها على الدول المحيطة بها. المجتمع الدولي والمؤسسات المالية يمكن أن تقدم الدعم المادي والمالي لهذه الدول، ولكن ضعف المؤسسات في هذه الدول، والفساد المستشري فيها والفقر الذي يعاني منه سكانها، وضعف بناها التحتية كلها عوامل تعرقل التأقلم الفعال مع التغير المناخي.

ويشير تقرير الاستخبارات إلى أن السعودية سوف تتعرض إلى تحد متوسط الخطورة بسبب التغير المناخي وسوف تتوفر لديها قدرة محدودة للتأقلم معه، ولكن من المحتمل أن تواجه إيران موجات جفاف وحرارة مرتفعة ومتكررة واتساع رقعة التصحر التي يضاف إليها سوء إدارة المياه وانحسار معدلات الإنتاج الغذائي وازدياد كلفة المستوردات في العقود المقبلة، مع ما يعنيه ذلك من ارتفاع خطر الاضطرابات والنزاعات المحلية واقتلاع السكان من أماكن إقامتهم.

المؤتمرون في غلاسكو سيواجهون المعضلة ذاتها التي واجهوها في مؤتمراتهم السابقة، أي صعوبة التوفيق بين تعهداتهم وفق بنود مؤتمر باريس للتغير المناخي بتخفيض نسب الاحتباس الحراري الناجم عن استخدامهم للطاقة التقليدية (نفط، فحم حجري وغاز)، والاعتماد أكثر على مصادر الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية والرياح)، وبين خططهم لزيادة معدلات إنتاج النفط والغاز والفحم الحجري للحفاظ على تقدمهم الصناعي.

الدول الصناعية، مثل الولايات المتحدة وكندا وأوروبا واليابان، لديها القدرات التقنية والتنظيمية للتأقلم مع التغير المناخي ومواصلة تنويع مصادر الطاقة والاعتماد التدريجي على الطاقة البديلة بما في ذلك تطوير بطاريات كبيرة قادرة على تخزين الطاقة الشمسية لأكثر من أسبوع، وإنتاج المزيد من السيارات التي تعتمد على الطاقة الكهربائية والبطاريات المتطورة.

ولكن إذا بقي العالم النامي بعيدا عن هذه التقنيات، وبقيت دول كبيرة مثل الهند وروسيا وباكستان وحتى الصين تساهم في تأزيم حدة الاحتباس الحراري، فان التغير المناخي، بفيضاناته وحرائقه وموجات الحر والهجرة البشرية التي سيواصل خلقها، والتي لا تحترم الحدود السياسية أو سيادة الدول، يعني بالفعل أنه الخطر الوجودي الأكبر والآني الذي يهدد الإنسانية بكاملها.

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.