المفكر الراحل حسن حنفي

قبل بضعة أيام، وتحديدا في الحادي والعشرين من هذا الشهر، رَحَل عن عالمنا أحدُ أهم أعلام الفكر العربي المعاصر، رَحَل المفكرُ العربي الموسوعي/ حسن حنفي، مُخَلِّفًا وراءه إرثًا عظيمًا من البحوث والمراجعات الاستقصائية في التراث والمعاصرة، وعَددًا غير قليل من التنظيرات الرُّؤْيَويّة ذات النَّفَس التنويري، التي تُحَاول النفاذ إلى الواقع من خلال التاريخ/ التراث، وصولًا إلى المستقبل، إلى غَدٍ عربي/ إسلامي أفضل، إلى اسْتِئنافٍ حضاري كان يَتَوقّعه ويَأمله ويُرَاهن عليه، وقد أحرق عمره حتى آخر قطرة منه ـ وفي رَهْبانية فكريّة استثنائية ـ كإسهام فردي من قِبَلِه في دفع الثمن المطلوب للوصول إلى ذلك الهدف المنشود.

يقف الراحل/ حنفي في الصف الأول من المفكرين العرب الكبار في القرن العشرين وأوائل هذا القرن/ الواحد والعشرين. هو ـ في تقديري ـ من رجال الطبقة الفكرية الأولى التي يحتلّها بجدارة كُلٌّ مِن: محمد عابد الجابري، حسن حنفي، الطيب تيزيني، جورج طرابيشي، عبد الجبار الرفاعي، عبد الله العروي، محمد أركون، عبد الوهاب المسيري، أدونيس، رضوان السيد. وفي طبقة تالية: مطاع صفدي، صادق جلال العظم، محمد جابر الأنصاري، عبد الإله بلقزيز، فهمي جدعان، نصيف نصار، نصر حامد أبو زيد، خليل أحمد خليل. وطبقة ثالثة: هاشم صالح، وجيه كوثراني، برهان غليون، يحي محمد، مصطفى حجازي، كمال عبد اللطيف، علي أومليل، هشام جعيط، محمد الحداد، جابر عصفور...إلخ الأسماء الكبيرة في عالم الفكر العربي التي قد يختلف معي بعض بالباحثين في تحديد قيمتها الاعتبارية والعملية في إثراء ساحة الفكر العربي.

لا يخفي أن لكل واحد من هؤلاء مساره الفكري الخاص (المتباين في درجة اختصاصه/ فرادته). بعضهم تتقدم أهميته من خلال كونه ارتاد حقولا معرفية لم تكن على قائمة اهتمام المفكرين/ الباحثين، فأسس لها، ودعمها بإسهامات مُتفرِّدة، واستقطب لها شواغلَ الفكر وهمومَ المفكرين. وبعضهم الآخر اشتغل على مُنْجَزات سابقة في حقول مركزية، ولكنه تجاوز السابق، وحَقّق ـ بفعل استثمار التراكم البحثي/ المعرفي ـ ما يمكن اعتباره علامات فارقة في الحقل المعرفي الخاص، وفي الشأن المعرفي العام. ومن هؤلاء بلا شك، الراحل الكبير حسن حنفي.

لم يكن حنفي مجرد مفكر/ باحث استثنائي في ترهبه الفكري، بل كان مناضلا بفكره، ولفكره. كان ـ كما يقول ـ يريد أن يربط عالم الفكر بالواقع، أو أن يجعل الواقع يتحدث بلسان الفكر، الفكر الذي هو هنا: "التراث"، ولكن بعد تثويره بالانتقال به من "العقيدة" إلى "الثورة"، بتحويل "اللاهوت" وتمثّلاته في عالم الأذهان، إلى "تحرير" في عالم الأعيان. إنها قراءة تأويلية جديدة، وعابرة/ مُتَجاوِزة للتراث. ومن حيث هي كذلك، فهي صادمة لمجمل التصورات السائدة عن التراث، وعن كيفية التعامل مع التراث (= فهم التراث)، وعن موقع التراث من الواقع.

كان حنفي يبدو ـ في نظر المُوغِلين في الاستقطاب الفكري/ الأيديولوجي ـ مُرَاوغا، أو غير حاسم في خياراته الأساسية، خاصة في تبنيه لمشروع اليسار الإسلامي. أي أنه إذْ يستعصي على التصنيف الأحادي، يبدو ـ في نظر المُصَنِّفِين الأحاديين ـ مُرَاوِغا أو مُخَادِعا، وربما منافقا. يقول حنفي: كان الإسلاميون يرون أنني شيوعي في ثوب إسلامي، فيما كان الشيوعيون يرون أنني إخواني يُخْفِي إخوانيّته. كان اليسار الماركسي، وربما الليبراليون أيضا، يرونه إسلامويًّا في العمق؛ لعدم حسمه/ قطيعته مع التراث؛ وربما لانتمائه إلى الإخوان في مراهقته الأولى.

لقد أثّر حنفي في جيل كامل من الباحثين في العالمين: العربي والإسلامي على وجه العموم، وفي مصر على وجه الخصوص. وكان يرى أن دوره الأهم ـ والأكثر تأثيرا وَحَسْما على المدى البعيد ـ هو تأسيس هذا "الجيل التنويري" داخل أروقة الجامعات وفي مراكز البحوث والندوات المُتخصّصة؛ لا في فتح الجبهة الجماهيرية الواسعة المنحازة بقوة إلى نمط التفكير السلفي السائد؛ لأن فتح مثل هذه الجبهة من شأنه أن يُعَجِّل بالصدام مع الوعي الجماهيري ومع مؤسساته الراسخة، وذلك في معركة محسومة نتائجها لصالح خطاب التقليد والتبليد المتوارث ـ بوصفه خطاب السلطة ـ منذ القرن الهجري الأول، وتحديدا، منذ مفتتح العصر الأموي.

في المقابل، كان كثيرٌ من هؤلاء التلاميذ المباشرين له، المُتَحَمِّسين لخطه الفكري (وأبرزهم: نصر حامد أبو زيد الذي جادل أستاذه/ حنفي كثيرا في هذا الأمر)، يرون ضرورة الانخراط في الخطاب الجماهيري الذي ينتهبه وعاظ السلفية التقليدية بالكامل، وأن لا وقت للانتظار لتكوين عدة أجيال من الباحثين المستنيرين؛ لأن "الماكينة السلفية الهائلة" لن تترك الساحة إلا قاعًا صَفْصَفًا مقفرة من كل رؤى التنوير، أي أن الانتظار سَيُعَقِّد الوضع، وسيجعل التغيير أشدَّ؛ هذا إن لم تصل عواصفُ المَدِّ السلفي الرجعي إلى الجامعات ومراكز البحوث ذاتها، فتَنفي وتُقْصِي وتُلْغي المعتصمين بها من رهبان الفكر المستنير.

أعتقد أن تبادل الأدوار كان مُهما في هذا المسار الخطير: مسار التنوير في بيئة رافضة للتنوير، بل معادية للتنوير. لا بد من بقاء بعض رموز الفكر المستنير داخل أروقة الجامعات ومراكز البحوث؛ لصناعة أجيال مستنيرة متعاقبة، فتكون هذه الرموز بعيدة عن الصدام المباشر مع الوعي الجماهير السلفي الماضوي. وبهذا تتجنّب احتمال التصفية النهائية (التصفية المادية أو المعنوية). ولكن ـ وفي الوقت نفسه ـ لا بد من نزول بعض رموز الفكر المستنير إلى معترك ساحة الوعي الجماهيري، والاصطدام معه في خطوط التمايز الفاصلة بين تراث عصور الانحطاط والتخلف وتراث عصر التنوير التقدمي؛ حتى لا يَتَسيَّد ـ بالكُلّية ـ تراثُ الانحطاط/ الأثري السلفي على مجمل الوعي العام.  

وعلى أي حال، يجب علينا، ونحن نتحدث عن حنفي ـ أو حتى غيره من رموز الفكر العربي ـ أن نتذكّر جيدا ودائما "أزمة حرية التعبير"، أي أنه كان يُفَكِّر في وسط عربي إسلامي. فحتى وإن كانت كتاباته تُخَاطب طبقة راقية من المفكرين والباحثين والمهتمين بالشأن العام، فقد كان يعي أنه يُلامِس خطوطا حمراء صاعقة أحيانا، كما كان يعي أنه لا يستطيع الاندراج في خط منطقي مستقيم إبان تقريره لكثير من أفكاره الراديكالية فيما يخص التراث الإسلامي، بل لابد ـ كجزء من تكتيك الحرب الفكرية ـ من الكر والفر، من الظهور والاختفاء، من إشعال فتيل الفكرة والتظاهر بإطفائها في الوقت نفسه، من النفي في سياق الاثبات ومن الاثبات في سياق النفي؛ ما دام كل هذا مفهوما/ مُتَفَهَّمًا من قبل المُتَعاطين ـ بإرادة وعي ـ مع هذا النمط من الأطروحات.

نعم، وبسبب من "أزمة حرية التعبير"، نستطيع التأكيد على أن حنفي قال ـ في شأن علاقتنا بالتراث ـ كلَّ شيء يريد قوله؛ ولم يقل شيئا! وهذا ما جعل المفكر العربي الكبير/ جورج طرابيشي ينتقده في "ازدواجية العقل"؛ من حيث حجم التناقضات التي تزخر بها كتابات الراحل/ حنفي. كان طرابيشي يُفكّر ويكتب وهو متكئ على أريكته/ على حريته وأمنه وأمانه في "باريس"، منتقدا تناقضات حنفي الذي كان يُفكّر ويكتب وهو متكئ على قلقه/ قيده ورعبه في "القاهرة"!

يذكر المفكر والمترجم السوري/ هاشم صالح (المعني بترجمة تراث محمد أركون) أنه التقى بحسن حنفي، فقال له حنفي: أنا لست مثل صاحبك (= أركون) ولا أمتلك ترفه الفكري، فهو يستطيع أن يُشَرِّح التراث الفكري ويُفكُّكه كما يشاء ويشتهي؛ لأنه جالس على ضفاف "نهر السين"، حيث لا يخشى أي شيء، وأمّا أنا فجالس على ضفاف "نهر النيل" حيث يحاصرني الشارع والتقليديون الأصوليون.

ردّ هاشم صالح على حسن حنفي: "معك حق، وأنا شخصياً لو ذهبتُ إلى العالَم العربي وعشت فيه، لما تجاسرت على كتابة نصف أو حتى ربع ما أكتبه في "باريس" بل لما تجاسرت على ترجمة ما ترجمته، فما بالك بالكتابة؟! فالمثقف مشروط بالوضع التاريخي والبيئة التي يعيش فيها، ولهذا السبب يهرب المثقفون العرب إلى الخارج لكي يفكروا بحرية".

من هنا، يجب أن نأخذ في الاعتبار ـ ونحن نقرأ حنفي أو غيره من المفكرين العرب ـ أنه كان يقول ما يقوله في "ظرف زمكاني" خاص، وأن تكون لدينا القدرة على قراءة اللاَّمسطور في المسطور، علينا أن نمتلك القدرة على قراءة/ تشكيل "المنطق" مُتَأوَّلا لحساب التنوير، في خضم "اللاَّمنطق، المُفتّت المراوغ"، وأن نحاول تقريب النقاط من مواضعها على الحروف، إن لم نستطع وَضْع النقاط على الحروف.

عموما، بين المَقول صراحة والمقول ضِمْنا، بين ما قاله حنفي على حين رغبة وأمل، وما قاله على حين يأس وخوف ووَجَل، يبقى حنفي رائدا كبيرا من رُوّاد التنوير العربي، يبقى الابن البار، والحفيد المُسْتَثار، لأجيال متواصلة من الكبار، كعباس العقاد، وطه حسين، وأحمد أمين...إلخ. لكن، ومع ثراء مشروعه وإيجابيته في العموم؛ إلا أن أشد ما يعيبه هو ذاك "الجرح النرجسي" الذي يظهر أثره في علاقته بالغرب والتراث الغربي، حيث يبقى هذا الجرح خيطا ناظما لتصوراته الفكرية، ليس في كتابه "مقدمة في علم الاستغراب"، أو ما شابهه من بحوثه، فحسب، وإنما في مجمل أعماله. فموقفه الضّدي من الغرب يكاد يكون هاجسا مُقْلقا، بل هاجسًا مَرضيًّا؛ حتى لَتَجِده ـ في بعض الأحيان ـ ينحدر إلى مستوى الحديث الشعبوي المبتذل عن الغزو الفكري.

أخيرا، وأنا استعرض مُتَأملا كُلَّ هذا التاريخ الطويل من النضال الفكري الذي استنزف حياة عبقري بأكملها، أتساءل بحزن وغضب ويأس وإحباط: هل تعرف هذه الأمة قيمة ما قدّمه هؤلاء في سبيل انتشالها من قاع انحطاطها؟ هل تُقَدِّر ـ بوعي ـ تضحياتهم اللاَّمحدودة؟ وإذا كانت الإجابات سالبة هنا، هل تستحق هي مثل هذه التضحيات؟ بل هل تستحق أصلا أن تظفر بمثل هؤلاء العباقرة العاشقين له حَدَّ الوَلَهِ المجنون؟!

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.