من متحف الفن الحديث في طهران
من متحف الفن الحديث في طهران

ما الذي يُتداول في العالم حول إيران راهناً؟

فيض من الأخبار عن القنبلة النووية والفصائل المُسلحة الموالية لها في كُل حدب، ما تقوم به من تدخل سياسي ونشاطات عسكرية وتحطيم للاستقرار وأسس الحياة لبحر من المُجتمعات خارج أراضيها، من صنعاء إلى بغداد، مروراً ببيروت وكابل ودمشق.

يقابل ذلك فشل مُريع في كُل ملف داخلي، شح عمومي في الطاقة والمياه والأدوية والكهرباء والمواد الغذائية، إلى هشاشة في مواجهة وباء كورونا، انغلاق تام للحياة السياسية، واضمحلال واهتراء متقادم لكل مستويات وأشكال الحياة اليومية والحريات العامة للمواطنين الإيرانيين.

مقابل ذلك، بماذا ينشغل الشُبان الإيرانيون في نفس هذا الوقت؟

راهناً، فإن عشرات الآلاف من شُبان وشابات إيران، بالذات من أبناء الطبقة الوسطى والعُليا والأفضل تعليماً، غارقون في الانشغال بمعروضات متحف الفن المُعاصر. تلك المنشأة التي أُعيد افتتاحها مُنذ ثلاث أشهر فحسب، في جنبات حديقة "لالا"، وسط العاصمة الإيرانية طهران، وتضم مئات اللوحات والمواد الفنية والثقافية لأبرز نجوم وفناني العالم الأكثر شهرة، أمثال كلود مونيه وبابلو بيكاسو وآندي وارهول، حيث تُقدر قيمة الأعمال المعروضة في المتحف بأكثر من ملياري دولار. حتى أن تلك الشعبية الهائلة للمتحف صارت تُثير حفيظة طبقة المُتشددين الحاكمين، وغدوا يُهددون بإعادة إغلاقه، لأنهم يعتبرونه مساً بالأمن القومي للبلاد/السُلطة الحاكمة.

صحيح أن الفضائيين ينتميان إلى برزخين مختلفين من العوالم، لكنهما يجريان في المكان والمجتمع والدولة نفسها، وهو بالذات ما يخلق بيئية مناسبة لأن يكونا متصارعين ومتصادمين بالضرورة، فاقدين لإمكانية التعايش في أي زمن منظور، أياً كانت التحولات المتوقعة.

ثمة عالم سلطوي، متمركز حول القوة والعنف والصِدام مع العالم والمُحيط الإقليمي، محمل بإرث ثقيل وخشن من الخطابات والرؤى والاستراتيجيات التي تعتبر الآخر مُجرد "عدو"، وإن لم يكن راهناً ففي مستقبل ما، سيأتي دون شك حسب مُعتقدات هذا العالم السلطوي. العالم الذي ينتمي إلى بُنى عقلية ووجدانية تقليدية للغاية، لا تخلو من كثافة الأساطير والخرافات وجموح أمجاد الذات التاريخية المُتخيلة.

في المُقابل، ثمة ما هو نقيض لذلك تماماً. ملايين الشُبان الإيرانيين التواقين لروح وفضاء تواصلي مع العالم، مع منجزاته ولغته وقصصه واهتماماته، للقول إن المساحة المُشتركة المبنية على إرث ونزعة إنسانية قد تتبناها وتبني عليها مُختلف المُجتمعات تطلعاتها المُستقبلية، أكثر رسوخاً وفاعلية وجدارة من بعض التفاصيل والخلافات السياسية والإيديولوجية بين الدول والأنظمة الحاكمة.

بالقنبلة النووية وأمثالها، تسير النُخبة السُلطوية الحاكمة لإيران باستراتيجية للحفاظ على النفس، على السُلطة والأيديولوجيا والمُعتقدات. وبمُتحف الفن المُعاصر وأمثاله، يحاول مئات الآلاف من الشابات والشُبان الإيرانيين القول إن حياة وإيران أخرى ممكنة وموجودة، وإن كانت مُضمرة ومكبوتة ومقصية لأبعد حد.

لكن.. هل هذان العالمان منفصلان إلى هذا الحد، وليس من علاقة ديناميكية تداخلية بينهما؟

حسبما يذكر المؤرخ المُختص بتاريخ إيران، هوما كاتوزيان، في كتابه الموسوعي الشهير "الفرس-إيران في العصور القديمة والوسطى والحديثة"، فإن تاريخ تلك البلاد، ولأكثر من خمسة آلاف عام، يكاد أن يكون سلسلة من الدورات التاريخية الخلدونية المُتطابقة. فما أن تستقر طبقة حاكمة لسنوات طويلة، حتى تُنتج أنماطاً من الرفاه والعُزلة والطيش والفوقية تجاه المُجتمع الإيراني. حيث تصل تلك الحالة لأن تتفكك وتضمحل فيه سُلطة الحاكمين، لتلك الأسباب بالضبط، في لحظة يكون فيه المُجتمع الإيراني قد وصل لحالة مُريعة من الهشاشة، بسبب تلك السلوكيات السُلطوية.

هذا الأمر بالضبط يؤدي لأن تلي المرحلة السُلطوية الفوقية المُرفهة، مرحلة مُريعة من هيمنة القوى الشعبوية العنيفة، التي تكون أقصر من سابقاتها، لكن أفظع أثراً ودوراً على تاريخ إيران، وهكذا تتالى الدورات السلطوية في تاريخ إيران.

في كُل تفصيل من العلاقة العضوية بين عالمي إيران الراهنين، ثمة شيء كثير وأصيل من ذلك المنطق والارتباط المنطقي.

فمُتحف الفن الحديث هذا، الذي أُفتتح لأول مرة عام 1977، إنما كان نتيجة لإرث واستراتيجية الرفاه الإمبراطورية التي كانت تسلكها الأسرة والطبقة الإيرانية الحاكمة في زمن حُكم الشاه محمد رضا بهلوي، وبإشراف وتوق مُباشر من زوجته فرح ديبا التي كانت تجوب عواصم ومعارض العالم، تشتري اللوحات والمجوهرات والأزياء بعشرات ملايين الدولارات، هي وطبقة صغيرة من المحيطيين بدوائر الحُكم، بينما كان الملايين من أبناء إيران يغرقون في الفقر وسوء القدرة على الوصول إلى خيرات البلاد المادية وثرواتها الرمزية.

لأجل ذلك بالضبط، تفجرت إيران بعد سنوات قليلة، وأخرجت أسوأ ما بداخلها من ديناميكيات، مزيج من الدين الطائفي والعسكرة العدوانية تجاه الخارج. وبالضبط لنفس المنطقة، فإن السلطوية المُريعة لطبقة الملالي، إنما تُنتج طبقة من الشُبان الأفضل تعليماً وحداثة، لكنهم إما مُهاجرون أو معزولون عن مُجتمعاتهم المحلية.

لكن الأكثر اشتراكاً بين العالمين، هو إنتاجهما لما يُحطم سُلطتهما، وبشكل قدري مُريع، لا فِكاك منه قط.

فمثلما أنتجت التحديثية الفوقية والنرجسية المعزولة لطبقة البرجوازيين الحاكمين في زمن حُكم الشاه طبقات من الشُبان الإيرانيين المرتبطين والموالين لقطبي الشعبوية في البلاد وقتئذ، الملالي ورجال الدين من طرف، والأحزاب الشيوعية من طرف آخر، الذين حطموا ودفنوا نظام الشاه في المحصلة، فإن خطابات واستراتيجيات القُنبلة النووية للسُلطة الحالية تفعل شيئاً مُطابقاً لذلك، تُنتج طبقة كُبرى ومتنامية من الشابات والشُبان الإيرانيين، التواقين لكسر هذا العزلة وكل أشكال وخطابات معاداة العالم ومعاندة منجزاته الإنسانية.

هذه الطبقة التي ترفض السُلطة الحاكمة أي شراكة أو تواصل لها، أو مساحة مشتركة معها. وتالياً تستمر هذه القطيعة بين عالمي إيران المستقطبين، وحيث أن الأقطاب لا تُنتج إلا أمراً واحداً، الراديكالية.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.