إردوغان.. سجال جديد
إردوغان.. سجال جديد

شهد شهر أكتوبر الحالي توتّرا غير مسبوق في علاقات تركيا مع دول الغرب، وبدا ذلك في أوضح صوره في بيان للمفوضية الأوروبية في السادس من هذا الشهر قالت فيه "إن مساعي تركيا للانضمام للاتحاد الأوروبي قد وصلت إلى طريق مسدود فعلا في ظل إخفاقات ديمقراطية شديدة، وإن حكومة الرئيس إردوغان تشرف على التراجع المستمر للديمقراطية وسيادة القانون والحقوق الأساسية واستقلال القضاء في بلادها، كما تجاهلت توصيات الإتحاد الأوروبي في العام الماضي بما يشير إلى أنها لم تعد جادة في القيام بإصلاحات".

وبعد بيان المفوضية الأوروبية بأسبوعين أصدر سفراء 10 دول غربية، بينها الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وكندا، بيانا دعوا فيه إلى تسوية عادلة وسريعة لقضية رجل الأعمال والناشط السياسي التركي عثمان كافالا: "إن التهم الخادعة ضد كافالا واستمرار اعتقاله منذ أربع سنوات والتأخير المستمر في إنهاء محاكمته تقوّض احترام سيادة القانون والديمقراطية، ونحثّ تركيا على الالتزام بالمعايير الأوروبية لحقوق الإنسان بما يتماشى مع قوانينها المحلية والتزاماتها الدولية".

وهددت هذه الدول بفرض عقوبات على تركيا في نهاية نوفمبر المقبل، إذا لم يتم الإفراج عنه، فردّ الرئيس إردوغان بأنه أمر وزير خارجيته باعتبار السفراء العشرة أشخاصا غير مرغوب فيهم، وعلّق بعض المسؤولين الأوروبيين على كلام إردوغان بأن مثل هذه التهديدات لا تخيفهم، لكن الرد الحقيقي أتى على لسان رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داوود أوغلو، الذي قال مخاطبا إردوغان "لقد حلّ خطاب مشاجرات الشوارع محل عقل الدولة، أنت تؤذي البلد، لماذا كل هذا الاندفاع والرغبة في إحداث أكبر أزمة دبلوماسية في تاريخنا مع الدول التي نصدّر لها منتجاتنا أكثر من غيرها".

وفي نفس الوقت، قال الأمين العام لحلف الناتو إنه لا يمكن قبول أن تمتلك دولة عضو في الحلف منظومة إس 400 الروسية، في تأكيد على أن الحلف مازال غير مقتنع بالمبررات التي قدمها إردوغان لشرائه هذه المنظومة، وترافق ذلك مع بعض المؤشرات على احتمال انضمام أوكرانيا للحلف والتي يتصورها البعض كبديل محتمل وأقل إزعاجا من تركيا التي تبتعد في سياساتها تحت قيادة إردوغان باستمرار عن الحلف.

وأكد على ذلك معهد الدفاع عن الديمقراطية الأميركي، عندما اتهم تركيا بأنها تتآمر وتسعى لتخريب حلف الناتو بالتواطؤ مع حليفتها روسيا، واستشهد على ذلك باستخدام تركيا حق النقض داخل الحلف لحماية لوكاشينكو، ديكتاتور بيلاروسيا وحليف بوتين، من عقوبات على خلفية اعتراض طائرة مدنية وإجبارها على الهبوط في مينسك لاعتقال صحفي معارض لحكمه قبل بضعة أشهر.

وفي شهر أكتوبر الحالي نفسه وقّعت مصر وقبرص واليونان اتفاقا لتعزيز التعاون في مجال الطاقة، يتضمّن أن تصبح مصر مصدرا للكهرباء النظيفة المتولدة بشكل رئيسي من الطاقة الشمسية، وأن تقوم اليونان بنقل وتوزيع هذه الكهرباء داخل أوروبا.

وأكدت الدول الثلاث في هذه القمة على تعزيز تعاونها في استكشاف ونقل الغاز الطبيعي بالشراكة مع إسرائيل والأردن وإيطاليا، وقال رئيس الوزراء اليوناني في هذه القمّة، "لسوء الحظ لا تفهم أنقرة رسائل العصر، وتطلعاتها بالتمدد على حساب جيرانها يشكل تهديدا للسلام في المنطقة".

وردّت الخارجية التركية "إن البيان الصادر عن هذه القمة يعد مثالا جديدا على السياسات العدائية ضد تركيا، ولا يمكن أن يكتب النجاح لأي مبادرة في شرق المتوسط لا تساهم فيها تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية".

وهذا يؤكد على أن العلاقات المصرية التركية مازالت تراوح مكانها، وأن ثقة الحكومة المصرية بإردوغان مازالت ضعيفة، وما يقال عن مصر من المرجّح أنه ينطبق كذلك على السعودية والإمارات، بحيث يبدو أن إغلاق محطات المعارضة المصرية في تركيا ربما كان فقط مقابل إسكات زعيم المافيا التركي سادات بكر الذي تحدث من مكان إقامته في إحدى دول الخليج في عدة تسجيلات وبتفاصيل دقيقة عن جرائم وفساد الطبقة السياسية في تركيا، وليس نتيجة تقارب حقيقي بين محور الاعتدال العربي وتركيا.

وعندما وجد إردوغان أن أبواب الكثير من الدول مغلقة في وجهه، ولمواصلة الادعاء بوجود دور دولي كبير له، توجه قبل أيام في جولة أفريقية شملت 3 دول، عارضا عليها التعاون الأمني والعسكري باسم محاربة الإرهاب، ومن هناك هاجم "حفنة من الدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية، ومازالت منذ ذلك الوقت تتحكم بالعالم، وما لم يحصل العالم الإسلامي على حقه في التعبير فمن غير الممكن استمرار النظام العالمي الحالي".

وتأتي تصريحاته تلك ضمن حملة يقوم بها أتباعه، ويهدفون من خلالها للترويج لفكرة أن تركيا يجب أن تصبح الدولة السادسة دائمة العضوية في مجلس الأمن كممثلة عن العالم الإسلامي، بما يعكس حالة من الانفصال عن الواقع فكيف من الممكن أن تكون تركيا عضوا دائما في مجلس الأمن، مع تجاهل الهند ذات الـ1.3 مليار إنسان، أو اليابان ثالث اقتصاد في العالم، أو ألمانيا رابع اقتصاد، أو البرازيل التي تشكل لوحدها نصف أميركا الجنوبية، وجميعها دول ديمقراطية، بينما يقوم النظام التركي الحالي على شخص إردوغان، ثم كيف يمكن أن تكون تركيا ممثلا عن الدول الإسلامية في حين أن علاقاتها سيئة مع أغلب هذه الدول.

وكان من الطبيعي أن تنعكس سياسات إردوغان، والأزمات التي افتعلها مع الكثير من دول العالم، خاصة الغنية منها، على الاقتصاد التركي، فخلال شهر أكتوبر الحالي وصلت الليرة إلى أدنى مستوى في تاريخها وأصبح الدولار يعادل 9.6 ليرة تركية، أي خسرت 28 في المائة من قيمتها منذ بداية العام الحالي، مع ما يعنيه ذلك من انعكاسات على حياة المواطن التركي، ومن ارتفاع في عجز الموازنة التركية التي وصلت إلى 10 مليارات دولار في النصف الأول من العام الحالي.

ولمواجهة الأزمة الاقتصادية تابع إردوغان بعناد اللجوء إلى نفس الحلول الفاشلة التي استخدمها طوال السنوات الماضية متوقعا في كل مرة الحصول على نتائج مختلفة، التي تتلخّص في إجبار البنك المركزي التركي على طبع نقود غير مغطاة وتخفيض سعر الفائدة وإقالة مدراء البنك الذين يعترضون على هذه السياسات حيث أقال في الشهر الحالي 3 منهم، لينضموا إلى زملائهم الذين تمت إقالتهم خلال السنوات الماضية، طبعا مع الاستمرار في الإنفاق من احتياطات البلاد لاحتواء سقوط الليرة.

ففي شهر أبريل الماضي قال الرئيس إردوغان إن البنك المركزي أنفق 185 مليار دولار من الاحتياطات خلال العامين الماضيين لتحقيق الاستقرار النقدي، وعلّق أحد الاقتصاديين على ذلك بالقول، إن معضلة أردوغان هي كيف يمكن تمويل مغامراته السياسية الخارجية مع هذا العجز في الموازنة، لا سيما بالنظر إلى علاقاته السيئة مع سيد النظام المالي العالمي الولايات المتحدة، مما أدّى إلى وجود تساؤل مشروع: هل سيقتل إردوغان الاقتصاد التركي، أم أن هذا الاقتصاد سيقتل إردوغان؟

 كما انعكست الأوضاع الاقتصادية والسياسية التركية على الحالة النفسية للإنسان التركي، فحسب دراسة قامت بها مؤسسة "غالوب" الأميركية تبين أن تركيا هي الدولة الأقل في العالم التي يشعر فيها السكان بمشاعر إيجابية.

كما حلّت في المرتبة الثانية عالميا بعد العراق من ناحية شعور سكانها بالغضب، وعلّق على ذلك أكاديمي تركي مختص بعلم النفس الاجتماعي "إن غضب الأتراك ناجم عن مشاكل بلادهم الاقتصادية والسياسية"، ولكن في الحقيقة يبدو وكأن إردوغان الغاضب، صاحب المواقف الانفعالية على المستوى السياسي وعلى المستوى الشخصي، قد نجح في نقل عدوى هذه الحالة النفسية لنسبة كبيرة من الشعب التركي.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!