في مسار التحقيق في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، وهي الجريمة التي قتلت رجل السياسة صاحب العلاقات الدولية الأكثر عمقاً واتساعاً في التاريخ اللبناني، صاحب مشروع إعادة بناء الوطن بعد الحرب المدمّرة، وأودت معه بحياة العشرات، واخترقت إجراءات أمنية على أعلى المستويات، واستدعت قلقاً محلياً وعالمياً على مصير لبنان، انتقل اهتمام محور "الممانعة" من مسعى تبيّن من استهدف لبنان باستقراره ومستقبله، ومن مَنَعَ لبنان عبر هذه الجريمة من النهوض، إلى مطلق الانشغال والتهويل والتضخيم والاستهجان حول مسألة جانبية مرتبطة بالتحقيق، وهو ما عرف بقضية "شهود الزور"، متعلقة بإفادات كاذبة لبعض من زعم أنه لديه معلومات أدّت إلى توريط قادة أمنيين بين التقصير والفعل، بالجريمة ومن ثم توقيفهم احترازياً.
بدا يومها وكأن قتل رئيس الوزراء ومعه الكثيرين، وجرّ لبنان إلى الهاوية، شأن عَرَضي يمكن المرور عليه مرور الكرام، أما الإفادات الكاذبة، التي بعض من أدلى بها مشبوه بعلاقاته مع أفرقاء محور المقاومة، فهي القضية التي تتطلب التخلي عن كل اهتمام من أجل إيلائها كل الاهتمام، تحت طائلة عظائم الأمور. المفارقة طبعاً أنه بعد أن ارتقى محور الممانعة، عبر الاستقواء والتغلب، إلى موقع الآمر الناهي في الحكومة التالية، تبخّر الاهتمام بمسألة "شهود الزور"، ولم يجرِ العمل على كشف المؤامرة خلفها، رغم أن هذه المؤامرة إلى أمس قريب، كانت تهدد حاضر لبنان وغده، على ما يقال.
واليوم، تبرز في الصدارة حالة مطابقة.
انفجار في مرفأ بيروت هو الأقوى في تاريخ العالم، خارج التفجيرات الذرية، مقتل المئات، جرح الآلاف، تشريد مئات الآلاف، تدمير أحياء واسعة من المدينة، قرائن وأدلة ليس وحسب عن إهمال وفساد من أقبح الأشكال، بل إن هذه الاستباحة هي غطاء لضلوع جهات نافذة في لبنان، وتورّط النظام القاتل في دمشق في استجلاب الشحنة القاتلة واستعمال موادها في إجرام غير محسوب.
كل هذا، على ما يبدو، يهون أمام أخطاء تنفيذية ربما ارتكبها المحقق العدلي السابق (لم يفعل) أو الحالي، وفق منطق يتقصده بالاتهام والإدانة، أولاً ثم يبحث عمّا قد يكون مادة للاتهام أو الإدانة.
يبدو بالتالي أن المحقق العدلي الحالي، القاضي طارق البيطار، قد ارتكب جريمة لا تغتفر في سعيه إلى تبيّن الوقائع. يُشهد لرئيس الوزراء السابق حسّان دياب أنه قد سعى إلى أداء واجبات منصبه رغم التدخل المستمر لذوي النفوذ الرديف. فهو، حين تبلّغ وجود الكمية الضخمة من المتفجرات في المرفأ، أراد الكشف بنفسه عن الأمر من خلال جولة ميدانية، وهذا هو المتوقع منه نظراً إلى أسلوبه المتقن بالعمل ومنهجيته.
ولكنه، رغم جسامة القضية، عاد فألغى الزيارة. التقارير المتداولة، وهي لا شك قد بلغت المحقق العدلي، هي أنه ثمة من طلب منه الامتناع عن الذهاب إلى المرفأ، أمراً لا لطفاً. ربما أن المحقق العدلي، في سياق سعيه الحاسم إلى تبيّن الوقائع، قد أراد استيضاح الأمر رسمياً ومحضرياً، فكان استدعاؤه لحسّان دياب لجلسة استماع. واستدعاءاته شملت أيضاً جملة من الوزراء والمسؤولين السابقين.
أمور التحقيق التي من شأنها كشف المسؤوليات، على ما يظهر، من وجهة نظر "الممانعة"، هامشية في أحسن الأحوال. أما صلب المسألة، وما يستدعي التعبئة والغضب والفزعة، فهو أنه من خلال استدعاء هؤلاء المسؤولين للاستماع، وإن لم يصل الأمر إلى حد اتهامهم، فإن القاضي البيطار، قد أجرم بحقّ الفصل بين السلطات، فكان لا بد لهؤلاء، رغم أنهم قلّ إن كانوا من المدافعين عن النقاء والصفاء الدستوريين، من إبداء مطلق رفضهم للتجني، وإن تطلّب الأمر، كما تطلّب على الفور على ما يبدو، الجنوح إلى التعبئة الطائفية بأشنع أشكالها.
للتأكيد، القاضي البيطار لم ينهِ المرحلة الأولى من عمله، وهي سرّية، والطبيعي بالتالي لأي نقد صادق التروي إلى حين صدور القرار الظني. غير أن النقد هنا ليس صادقاً، والسلوك الطبيعي أمسى الشواذ عن القاعدة في لبنان.
بل الطبيعي الجديد في لبنان، تحت احتلال قوى الأمر الواقع التابعة لإيران، هو أن يصدر المسؤول الأمني في حزب الله تهديداً بـ "قبع" البيطار، أي اقتلاعه، إن لم يرحل طوعاً، ثم أن يجيّش حزب الله الذميين لديه من "علماء المسلمين" وغيرهم لتكرار المطالبة باستبدال البيطار، انطلاقاً من أنه في زعمهم يستهدف المسؤولين المسلمين دون المسيحيين.
ومع فشل هذه الجهود الأولية، وانطلاقاً من أن "حزب الله" وأمينه العام لا يحتملان انكسار كلمتهما، كان التصعيد الكلامي، ثم كان التحضير العلني لتكرار معادلة القوة المفرطة.
حزب الله يقتل دون شك. وقتله الموثّق قضائياً للرئيس رفيق الحريري هو النموذج الأبرز هنا، وليس الوحيد بالتأكيد. ولكن حزب الله لا يحتاج إلى الإفراط بالقتل، بل كان ولا يزال مقتصداً به ليقتصر على الحالات القصوى التي لا بد منها لمصالحه. أما الصيغة الأكثر نجاعة فهي استعراض القوة المفرطة التي تنتفي معها إمكانيات المواجهة، ما يلزم الخصم بالتسليم والاستسلام.
كل الدلائل تشير إلى أن القصد من "غزوة عين الرمانة" كان إظهار فائض القوة بما يدفع الخصوم إلى الانكفاء، وما يلزم السياسيين، موالين ومعارضين، الانصياع لتوجيهات الأمين العام بـ "قبع" البيطار واستبداله بآخر، ثم بآخر إذا لزم الأمر، مع تعديل قواعد التحقيق بما يستثني الحزب صراحة، كما كان في حال المحكمة الدولية. فإن تمخّض التقصي بعد طول بحث عن إدانة البعض، فبصفتهم الشخصية، ولكن دون التنصل منهم. الهدف هنا كما كان في حال المحكمة الدولية ليس تبرئة الحزب مادياً ومعنوياً وأخلاقياً أمام الرأي العام. بل المفيد دائماً أن يبقى الظن المسكوت عنه، لدى الأصدقاء والخصوم، قائماً حول دور ما ومسؤولية ما للحزب.
المطلوب هو تثبيت أصل أن الحزب خارج المساءلة ابتداءً، وأن ما يقدم عليه الحزب، أسرّه أو أعلنه، هو شأنه دون حساب، شاء من شاء وأبى من أبى، وأن رغبته تعلو لا يعلا عليها، وعلى "الشركاء" في الوطن الرضوخ والصغور.
على أن "غزوة عين الرمانة" قد تعثّرت.
في 7 أيار 2008، كان الخروج من التلويح بفائض القوة إلى استعمال هذا الفائض قد استهدف بيئة الزعامات السنية التي أراد حزب الله تدجينها، وكذلك بيئة الزعامة الدرزية. في السياق السني، كان يوم حزب الله "مجيداً" دون تحفّظ. قتل وأحرق وأهان بما يكفي لتلقين الزعامات وأتباعها درساً بالرضوخ لا يزال ساري المفعول إلى اليوم. أما في الجبل "الدرزي" فالمجد لم يتحقق بالكامل. بل كان على الحزب ابتلاع بعض الألم والمواقف المهينة قبل أن تقرر الزعامة الدرزية المستهدفة التراجع في تموضعها السياسي بما يناسب الحزب.
ما جرى ميدانياً في عين الرمانة والطيونة في تشرين الأول 2021 أكثر شبهاً بما جرى في الجبل، منه في بيروت المعتدى عليها عام 2008.
على أن الوجع الذي سكت عنه حزب الله بالأمس على مضض في الجبل كان ثمناً لكسب سياسي هام. أما في عين الرمانة، فالأذى وقع دون أي ربح يقابله. وهو ما لا يمكن لحزب الله القبول به أو التغاضي عنه، لا من باب الدفاع عن ناسه مادياً ومعنوياً، ولا باب الضرار بصورته وهيبته وقدرته على الإكراه.
حزب الله، بالتأكيد، لم يرسل شبابه إلى عين الرمانة لكي يُقتلوا. والأرجح بأن القصد من استعراضهم لقوتهم خارج مناطقهم كان الاستفزاز والترهيب، لا الاشتباك والتخريب. ما جرى لم يكن بالحسبان. على أنه يُشهد لحزب الله سرعة تفاعله مع الوقائع المستجدة، وتدويره الحوادث لمضاعفة المطالبة ما كان يسعى إليه ابتداءً، أي تقويض التحقيق بالمرفأ.
على أن السرعة لا تعني النتائج المضمونة. فالانقضاض على "القوات اللبنانية"، وهو توجه كامن لدى حزب الله منذ أمد، لم يكن هنا موفّقاً، إذ ضاعف من ظهورها ونفوذها. كما أن مسعى الأمين العام لحزب الله استعادة زمام المبادرة، في خطاب مفعم بالحكمة ومطعّم بالترهيب، لم يكن ناجحاً. هو شفا صدور الموالين والمحازبين دون شك، ولكنه كذلك أثار الحفيظة والنفور لدى العديد من الذين كانوا على أقدار من الحياد.
حزب الله لم ينجح، ولكنه لا يقبل بالخسارة. أي أن التصعيد قادم لا محالة، بانتظام أو بخبط عشواء. دروس المراحل الماضية كانت أنه على اللبنانيين التسليم بقوة الأمر الواقع. في ضوء ما جرى في عين الرمانة يبدو أن الأمر لم يعد حكماً كذلك، وإلا لما ظهرت حاجة أمين عام حزب الله إلى التبجح بأعداد مقاتليه وانحداره إلى التهديد الصريح.
حزب الله أخطأ بالغزوة، وضاعف أخطاءه في أعقابها، ولكنه يثابر في مساعيه إلى إيجاد المخارج لكي تكون الحصيلة لصالحه. نجاحه أو فشله هنا يقف على قدرة من يعارضه على منعه من إعادة طرح ما جرى خارج حقيقته الجلية بأنه مواجهة بين احتلال بالوكالة لصالح إيران ومطالبة بالسيادة وحكم العدالة لصالح الوطن والإنسان في لبنان، إلى تصويره، وفق الصيغة الأكثر ابتذالاً والأقرب إلى مصلحة الحزب بشرذمة خصومه بأي ثمن، على أنه صدام بين مسيحيي لبنان ومسلميه.
لم يعد على اللبنانيين التسليم لقوة الأمر الواقع، إلا أن رفضهم التسليم يقتضي منهم عند أدنى حد عدم الوقوع في الأفخاخ التي تنصبها لها قوة الأمر الواقع.

