الانفجار السكاني.. أزمة مستمرة في مصر
الانفجار السكاني.. أزمة مستمرة في مصر

لا تعيش مصر اليوم بعيدا عن تهديدات استراتيجية عدة، بدءًا من عدم الاستقرار الناجم عن الأزمة المستمرة في الجوار الليبي، إلى الصراع المتصاعد مع إثيوبيا بشأن مياه نهر النيل، إلا أن التحدي الأكبر، على المدى البعيد، يبقى متمثلا في معضلة محلية واضحة: الوتيرة المتسارعة للتزايد السكاني.

في وقت سابق من هذا الشهر، قال حسين عبد العزيز، المستشار بمكتب الإحصاء الرسمي في مصر، الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء(CAPMAS) ، إن ارتفاع معدل المواليد يضع البلاد على مسار سيؤدي إلى حدوث انفجار سكاني، من جراء نسب زيادة غير مسبوقة خلال العقد المقبل.

ووفقًا لعبد العزيز، يبلغ عدد سكان مصر حاليا حوالي 102.5 مليون نسمة، بينما يبلغ معدل الخصوبة الحالي 3.2 مولود لكل امرأة، وهو بين أعلى المعدلات في المنطقة.

وحذر عبد العزيز من أنه إذا استمر معدل المواليد في الارتفاع، فقد يزداد عدد سكان مصر بأكثر من 20 في المئة، ليبلغ 130 مليونًا بحلول العقد الثالث من القرن.

وحتى لو انخفض المعدل بشكل ملحوظ، وفقا لمسؤول الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فلا يزال من المتوقع أن يرتفع عدد السكان بمقدار 20 مليون نسمة، وصولا إلى 123 مليونًا بحلول عام 2032.

هذه الإحصاءات ليست مفاجأة، فمنذ ما يقرب من 5 سنوات، يحذر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء من تضخم عدد السكان. وقد كشفت نتائج التعداد الوطني عام 2017 أن مصر تعيش خضم طفرة سكانية مستمرة، حيث تضاعف عدد المواطنين تقريبا بين عامي 1986 و2016، وهذه الزيادة مستمرة بما يهدد بتقويض الاستقرار السياسي والاقتصادي للبلاد.

وبالنسبة لحكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي، يمثل ذلك تحديًا خطيرًا، ففي أعقاب عثرات مبكرة، تمكنت إدارة السيسي من تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية خلال السنوات الأخيرة، إذ انخفض معدل البطالة حاليا إلى أقل من 8 بالمئة، من نحو 12 بالمئة قبل 4 سنوات، وذلك رغم الاضطراب الاقتصادي الناجم عن فيروس كورونا.

كما تراجع التضخم إيضا إلى مستويات يمكن التحكم فيها، وبلغ الشهر الماضي نسبة أقل من 7 بالمئة، بعدما كان وصل إلى ذروة بلغت 35% في منتصف عام 2017.

هذه التطورات مكنت السيسي، إلى جانب التهميش السياسي لخصمه الداخلي الرئيسي جماعة الإخوان المسلمين، من الوقوف على أرضية صلبة أكثر من أي وقت مضى.

لكن كل هذا قد يتغير قريبًا بسبب الزيادة السكانية المستمرة، ووفق ما أشار عبد العزيز، فإن الاتجاهات السكانية الحالية في البلاد تعني أن مصر ستحتاج إلى توفير ما يقرب من مليون وظيفة جديدة كل عام، وهو أمر لا يستطيع السيسي وحكومته ببساطة القيام به، وفي حال عجزا عن ذلك، سترتفع نسب البطالة والفقر، وتشتد التوترات الاجتماعية، ومن ثم تجد البلاد نفسها في مواجهة صراع داخلي كبير.

لا عجب إذا أن يصبح تحديد النسل أولوية سياسية في القاهرة، وفي عام 2017 أطلقت وزارة الصحة رسميًا خطة تهدف لخفض معدل المواليد في البلاد إلى 2.4% بحلول عام 2030. وسعت إلى تنفيذ ذلك عبر آليات عدة، بينها توفير شبكة وطنية من العيادات، ووسائل منع الحمل المدعومة.

وحظيت الخطة لاحقا بموافقة مؤسسة الأزهر ذات النفوذ في البلاد، مما منحها إقرارًا دينيًا.

ثم تبع ذلك مبادرات تكميلية، ففي وقت سابق من هذا العام، دعمت دار الإفتاء، وهي هيئة دينية وطنية، استخدام موانع الحمل، ملقية بثقلها وراء أولويات الحكومة.

وأوضحت الهيئة في بيان رسمي أن "الإسلام يفرق بين منع الحمل والإجهاض"، ويبيح الأول إذا كان هناك خوف من عدم إمكانية رعاية عدد كبير من الأطفال".

وبالتزامن مع ذلك، لجأ السيسي إلى الاقتباس من التجربة الصينية، متبنياً فكرة "سياسة الطفلين" كوسيلة للسيطرة على الانفجار السكاني في بلده، وتبدو أسباب الرئيس عملية، فكلما يزداد عدد المواطنين الذين تتكفل الدولة بتوفير الرعاية لهم، يتراجع ازدهار البلد ككل.

وقدر السيسي أن الزيادة السكانية المتوقعة قد تكلف الدولة ما يصل إلى تريليون دولار. وإذا لم تستطع مصر تحمل هذه التكلفة، فستضطر إلى دفع الثمن بطرق أخرى، إذ سيصبح سكانها أكثر فقرًا ويأسا وعرضة لإغراء الأيديولوجيات المتطرفة.. وكل ذلك يجعل زيادة معدلات المواليد في مصر قنبلة سكانية محتملة، وتهديدًا للاستقرار في المستقبل.

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.