الإسلام السياسي وصل إلى الحكم في السودان بعد انقلاب عسكري عام 1989
الوطن لا يمثل بالنسبة لجماعة الإخوان السقف النهائي الذي يجب أن تتوجه كافة الجهود لخدمة مصالحه

تصاحب تجارب حكم تيار الإسلام السياسي العديد من المشاكل التي يتسبب فيها المنهج الذي يتبناه ذلك التيار وهو منهج  يستند إلى آيديولجيا زائفة تتسامى على الواقع وتؤمن بقطعيات حتمية الحدوث، ومن أخطر أبعاد ذلك المنهج فكرة الأممية العابرة للحدود و المستندة إلى مبدأ وحدة العقيدة في مواجهة فكرة الوطن.

تسعى مختلف تيارات الإسلام السياسي لتطبيق هذه الفكرة بأولويات مختلفة، وبالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين فإن الإمام حسن البنا طرح طريقة الانتقال من واقع الاستضعاف إلى قوة التمكين عبر ست مراحل، وهى المراحل التي تبدأ بالفرد ثم الأسرة ثم المجتمع ثم الدولة ثم الخلافة الإسلاميَّة وأخيراً "أستاذية" العالم.

من الجلي أن الوطن لا يمثل بالنسبة للجماعة السقف النهائي الذي يجب أن تتوجه كافة جهودها لخدمة مصالحه، بل هناك تقاطعات و مصالح أهم من الوطن تسعى الجماعة لخدمتها من أجل الوصول لهدفها النهائي المتمثل في الخلافة الإسلامية ومن ثم أستاذية العالم.

هذه الأفكار شكلت الخلفية الآيديولوجية والمحرك المنهجي لسياسات حكومة الإخوان في السودان بعد استيلائها على الحكم بانقلاب عسكري عام 1989، وفي إطار مراحل التمكين الست التي قال بها البنا يُمكننا فهم شعار "إعادة صياغة الإنسان والمجتمع السوداني" الذي رفعته الجماعة وأنشأت له وزارة أسمتها التخطيط الاجتماعي، وكذلك يُمكننا من فهم شعار الجهاد الذي صبغت به الحرب الأهلية في جنوب السودان.

أما أخطر أبعاد ذلك المنهج فيتمثل في توظيف الدولة نحو خدمة مصالح أخوة العقيدة ولو تعارضت مع المصلحة الوطنية، وفي هذا الإطار يُمكننا فهم مغزى فتح البلاد على مصراعيها لاستقبال قادة جميع الحركات الإسلامية المتطرفة في تسعينيات القرن الفائت بمن فيهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري، وكذلك استعداء دول الجوار بحجة مناصرة المسلمين المضطهدين فيها.

أدخلت هذه السياسات الوطن في مأزق كبير ومشاكل ما زال الشعب السوداني يدفع ثمنها حتى اليوم، حيث فقدت البلاد ثلث أرضها وشعبها بانفصال جنوب السودان، كما ضُربت عليها عزلة إقليمية ودولية خانقة.

وقد اعترف القيادي في الجماعة ورئيس جهاز المخابرات السوداني الأسبق صلاح قوش أن الأخوان طبقوا سياسات خاطئة منذ اليوم الأول لاستيلائهم وهو الأمر الذي أدخلهم في عداء مع دول الجوار والعالم، وقال :( كان من الممكن أن نأتي ومعنا أصدقاؤنا ونحارب أعداءنا ولكننا أتينا من أول يوم وأعداؤنا في جيبنا ووحدنا أخرجناهم وبدأنا نحاربهم قبل أن يحاربونا وهذا ما أدخلنا في مشاكل ما تزال مستمرة ) .

كان قوش يتحدث عن الجيران أثيوبيا وأرتيريا ومصر، وحديثه هذا هو مربط الفرس في خطأ الفكرة الأممية العابرة للحدود، حيث انصب هم الجماعة في مناصرة أكثرية الأرومو المضطهدة في أثيوبيا، وكذلك دعم حركات الجهاد الأرتري لمناصرة مسلمي المناطق المنخفضة، دون النظر في المصلحة الحقيقية للسودان والأضرار التي يمكن أن تترتب عليه جراء هذه السياسات المدفوعة بفكرة أخوَّة العقيدة.

قد ترتب على هذه السياسات فقدان السودان لأراضيه في حلايب والفشقة بسبب محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسنى مبارك أثناء حضوره قمة الاتحاد الإفريقي في أثيوبيا عام 1995 حيث اتضح أن المحاولة كانت بترتيب من النظام السوداني الذي صمت فيما بعد عن فقدان تلك الأراضي خوفا من تصعيد القضية في أروقة مجلس الأمن الدولي.

إن الفكرة الأساسية الخاطئة التي لا تعترف بمفهوم الوطن، هي ذات الفكرة التي عمدت إلى تصوير الحرب في جنوب السودان على أنها حرب دينية يقاتل فيها المسلمون تحت رايات الجهاد والاستشهاد. وعندما تحرك المجتمع الدولي لوقف الحرب ما كان من حكومة الأخوان إلا أن استدعت نظرية المؤامرة التي ادعت أنها استهدفت السودان.

وعندما سئل قوش في حوار تلفزيوني عن رؤيته لحل الأزمة بين النظام المصري وجماعة الأخوان قال :
(مصر تحتاج لوحدة وطنية فتحدياتها أكبر وتجميع الشعب المصري كله في كيان يجمع كل الناس علمانيين وإسلاميين ومسيحيين وغيرهم، قضية الوحدة الوطنية حسَّاسة ومهمة، القضية الوطنية إذا غابت من برنامج الإسلاميين في مصر فستحدث لهم مشكلة الآن ومستقبلا، وكذلك في السودان). 

معلوم بالضرورة أن الوحدة الوطنية التي يطالب بها قوش لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل دولة مدنية ينص دستورها على مبدأ المواطنة التي لا تميز بين الناس على أساس الدين أو العرق أو النوع أو الطبقة الاجتماعية، وبالتالي فإنه يتوجب معاملة شركاء الوطن من غير المسلمين كمواطنين من الدرجة الأولى لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها المسلمين وعليهم ذات الواجبات التي يقومون بها.

ولا شك أن طرح قضية أخوَّة العقيدة لا يقتصر على جماعة الأخوان فحسب، بل يشمل مختلف تيارات الإسلام السياسي، ومنها حزب التحرير الإسلامي الذي أصدر بيانا حول قضية المواطنة بتوقيع ناطقه الرسمي في ولاية السودان ابراهيم أبوخليل يقول فيه أن (مبدأ الإسلام العظيم قد حكم ببطلان روابط القبيلة والجهة والوطن وجعل الرابطة بين المسلمين هى رابطة الأخوة الإسلامية ... إن الأساس للحقوق والواجبات هو العقيدة الإسلامية وليس المواطنة).

إن النظرة العالمية التي يتبناها تيار الإسلام السياسي تجعل من أخوَّة العقيدة مبدأ كونياً يسمو ويتعالى على  الدولة الوطنية الحديثة، وبالتالي فإن مكانة الوطن تتراجع كثيرا أمام ذلك المبدأ الذي ينبني على مفهوم "الأمة الإسلامية" الواسع ولا يعترف بالحدود الوطنية باعتبارها حواجز مصطنعة الغرض منها هو إضعاف المسلمين وتمزيق صفوفهم.  

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!