مواجهات في الخرطوم بعد سيطرة الجيش
مواجهات في الخرطوم بعد سيطرة الجيش

الانقلاب العسكري في السودان لم يكن مفاجئا، ولم يكن استثناءً، فهذه البلاد ابتليت منذ استقلالها عام 1957 وحتى يومنا هذا بسلسلة من الانقلابات، وحركات التمرد، وفي مواجهتها كانت انتفاضات الشعب تعبيرا عن توقه للديمقراطية.

ما حدث منذ الانتفاضة الأخيرة ضد حكم عمر البشير، بعد ثلاثة عقود من الاستبداد، كان أشبه بمسرحية لعب دورها العسكر بإتقانٍ؛ فقد اتفق العسكر مع المدنيين (قوى الحرية والتغيير) في وثيقة دستورية على إدارة المرحلة الانتقالية، وتسليم السلطة في نهايتها، وكما كان مفترضا، 39 شهرا، إلى حكومة مُنتخبة بعد انتخابات عامة في البلاد.

وقبل انتهاء المرحلة الانتقالية، انقلب العسكر على شركائهم المدنيين، واستفردوا بالسلطة، وزجوا برئيس الوزراء بالسجن قبل إطلاقه.

لا يُعيد التاريخ نفسه، ولكن العسكر لا يقبلون بالشراكة، وهذا ما رسخته التجارب في السودان، وربما كان الاستثناء الوحيد تجربة الجنرال سوار الذهب، العسكري الذي تسلم دفة الحكم، وسلّمها بعد عام مُسجلا موقفا مُشرفا سيبقى خالدا في التاريخ.

استذكر أمين عام اتحاد الصحفيين العرب، الإعلامي الراحل صلاح الدين حافظ، حين قال لي "ما يحكم تغير وتبدل السلطة في العالم العربي قانون الموت والدم، فإما يرحل الزعيم حين يموت، وإما يُطاح به وتُراق الدماء".

الأحداث لا تزال متوالية في الخرطوم حتى الآن، ولا يمكن التنبؤ إن كان انقلاب رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان قد تكلل بالنجاح، أم أن هذا المسار طريق مغلق، والانقلاب ولد ميتا، حيث لا يحظى بشرعية وغطاء دولي؟

الإشارات الدولية تضع "فيتو" على ما حدث في السودان، فوزارة الخارجية الأميركية وصفت ما قام به البرهان بأنه انقلاب عسكري، وأعلنت أنها ستُعلق المساعدات التي تصل قيمتها إلى 700 مليون دولار، وجيفري فيلتمان مبعوث واشنطن للقرن الأفريقي لا يتردد في إعلان قلق واشنطن من سيطرة الجيش، وممثل الأمين العام للأمم المتحدة، فولكر بيرتس، يُندد بتقويض عملية الانتقال السلمي السياسي في السودان، ولم تُخالف مُعارضة الانقلاب بريطانيا وفرنسا.

يمضي جنرالات الجيش في الاستيلاء على السلطة، ويقمعون التظاهرات السلمية لقطع الطريق على العصيان المدني الذي دعت له القوى الديمقراطية لإسقاط الانقلاب، والمُحير: على ماذا يبني العسكر رهانهم للصمود والبقاء إذا كان المجتمع الدولي مُعارضا لما قاموا به؟

الانطباع السائد في الشارع العربي أن رئيس المجلس السيادي البرهان، ومن خلفه نائبه محمد حمدان دقلو المُلقب بـ "حميدتي" يعتقدان أن حماسهما للتطبيع مع إسرائيل بوابتهما لغض النظر عن استيلائهما على السلطة، وأن ما فعلاه -رغم رفض الجمهور السوداني- سيكون مُقدرا دوليا، خاصة في واشنطن، وربما تلوذ بالصمت مكافأة لهما.

واقع الحال أن الانقلاب لم يكن مفاجئا، ورئيس الوزراء عبد الله حمدوك لمّح إلى مؤامرة يتم تدبيرها، وتحدث عن تشظٍ عسكري يحدث في السودان، والصراع لم يكن خافيا على المراقبين بعد اتهامات مُتبادلة بالفساد، وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت الشهر الماضي، ولم تكن سوى محاولة "جس نبض" من تدبير العسكر.

الوضع في السودان كان أشبه بالنار تحت الرماد، فالغليان الشعبي، وحالة الفقر كانت تتصاعد بعد تدهور الوضع المعيشي، وشُّح السيولة، والوقود، وحتى الخبز.

اتفاق السلطة كان هشا منذ لحظة ولادته، ولولا الضغوط الدولية، والتظاهرات الشعبية المليونية لما سلّم العسكر، وما قبلوا الشراكة في الحكم.

الجنرال البرهان حل مجلس السيادة، والحكومة، وأعلن حالة الطوارئ، وعلّق الوثيقة الدستورية، وانقض على خصومه بزجهم في السجن، مُعلنا أنه المُنقذ للبلاد من "انقسامات تُنذر بخطر وشيك يُهدد الأمن الوطني".

سيُراوغ البرهان لتخفيف الضغوط الدولية، وربما يقوم بخطوات استباقية بتشكيل حكومة انتقالية، مُراهنا على أن لعبة المصالح تتقدم في العلاقات الدولية على المبادئ، والنتيجة التي لا تتغير أن انتفاضة السودان قد سقطت، والمسار الديمقراطي قد أغلق رغم الدماء التي سالت في كل الشوارع والمدن السودانية.

السودان ينتظر مخاضا عسيرا، والمواجهة بين العسكر والقوى الشعبية مفتوحة، ولم تضع أوزارها، وإذا ما قُيّض لدعوات العصيان المدني النجاح، فإن كلفة إراقة الدماء والبطش بالمتظاهرين والمحتجين السلميين ستكون مُكلفة لجنرالات الانقلاب، ومثلما يُلاحق الرئيس عمر البشير الذي أسقطته انتفاضة الشعب السوداني، فإن مصير قادة الانقلاب قد يكون مثله.

تاريخ السودان تطبعه الانقلابات، فجنرال يُسقط جنرال، وما بينهما محاولات لصناعة تاريخ مختلف عناوينه "إرادة الناس الباحثة عن الحرية، والكرامة، والعدالة".

يتناوب العسكر على مر العقود على حكم السودان، تتغير أشكالهم، وأسماؤهم، ويحاولون تثبيت سرديتهم للتاريخ، لكنهم يرحلون عاجلا أم آجلا، ويبقى السودان فهو لا يموت.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!