الجيش السوداني
الجيش استولى على السلطة في السودان.

الانقلاب العسكري الذي شهده السودان فجر الاثنين يضع البلاد على سكة غامضة وينذر في حال اختارت القيادة منعطفا سلطويا، في أن يأخذ بالخرطوم إلى حالة من عدم الاستقرار والتأرجح الأمني والاقتصادي.

انقلاب عبد الفتاح البرهان، رغم تحفظ بعض الشاشات العربية على تسميته بذلك، يحمل جميع سمات الانقلاب: حل السلطات، احتجاز وجوه مدنية وإعلامية، حظر التجول، قطع الإنترنت، كبح الشاشات، وطبعا إعلان إمساك القيادة العسكرية زمام الأمور. أن يسميه الإعلام والمتجمع الدولي "سيطرة عسكرية" لا يلغي من كونه انقلابا. 

رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك لم يظهر إعلاميا منذ انقلاب الاثنين، وهو في وضع لا يحسد عليه: الصف المدني منقسم، المجتمع الدولي الداعم له لا يحمل ما يكفي من الأوراق لتغيير مجرى الأمور، والشارع الذي خرج لدعمه منذ أسبوع قد يتم قمعه اليوم. 

تجميد جزء من المساعدات الأميركية وتعليق عضوية السودان في الاتحاد الأفريقي، وسائل ضغط على البرهان للعدول عن الانقلاب. إنما معظم المؤشرات تذهب اليوم إلى صعوبة حصول ذلك، أبرزها:

1- البرهان والقيادة العسكرية السودانية يتحركان من ثقة عالية بالنفس وبقناعة بأن لديهما القدرة على الإمساك بالسلطة حتى انتخابات 2023 على الأقل، وفرض نوع وشكل الحكومة التي يعملان معها.

2- هذه الثقة تتزايد بالنظر إلى الانقسامات داخل حكومة حمدوك وبين الأطراف المدنيين، وهو ما سيبني عليه البرهان لإخضاع الجانب المدني.

3- العقوبات وحجز المساعدات غير كافية لتعديل المسار أو الوجهة السياسية: الأمثلة كثيرة على ذلك وعلى الأرجح أن البرهان قام بحساباته السياسية والاقتصادية قبل الانقلاب، وضمن دعما بديلا من قوى إقليمية تحبذ ما قام به.

4-  العسكرلايزال الطرف الأقوى في السودان، نظرا لتاريخ البلاد ويحمل أوراق اقتصادية يمكن أن يضبط فيها الشارع كما هو الحال في مصر.

5- الدعم الإقليمي وخصوصا من مصر والسعودية يرمي بثقله خلف البرهان رغم العلاقة الطيبة مع الحمدوك. إنما المخاوف الإقليمية من عدم الاستقرار أو صعود الإسلاميين ترجح كفة البرهان.

هذا لا يعني أن انقلاب البرهان سينجح أو سيضمن استقرار السودان، فتطورات الواقع على الأرض وحركة الشارع هي التي ستقرر قبل أي عامل خارجي مستقبل الخرطوم. مشكلة السودان اليوم هي في غياب الذهنية الديمقراطية عن قيادته العسكرية التي ترى دورها في تخطي الجانب المدني والأمني وإدارة البلاد. 

في جلسة أمام الكونغرس الشهر الفائت، سأل السناتور توم كوتون كبير الجنرالات، مارك ميلي، لماذا لم يستقيل عندما لم يأخذ الرئيس جو بايدن نصيحته في أفغانستان. رد الجنرال ميلي بالقول "السياسة ليست وظيفتنا"، مشيرا إلى الفصل بين السلطات في الولايات المتحدة، على أهمية الدستور وقدسية عدم تخطي الجيش حدوده ودوره المحصور بتعليمات الحاكم المدني وليس العكس.

هذه القاعدة هي في صلب بناء الديمقراطيات والمجتمعات الحديثة، فالجيش دوره في المعركة والشعب دوره في اختيار قياداته. من دون العودة إلى الشارع، يقف السودان اليوم على حافة عدم الاستقرار وإهدار مرحلة الانتقال إلى الحكم المدني. 

طبعا، يمكن للبرهان أن يفرض حكومة بالقوة وأن يقمع التظاهرات، إنما هكذا استراتيجية لن تقود لا إلى دولة حديثة ومزدهرة ولا إلى انتخابات نزيهة. السودان دفع غاليا تحت عقود من حكم عمر البشير من طاقته البشرية والاقتصادية وعاش عزلة دولية قد تعود في حال فشل قياداته في الداخل من صون المصلحة العليا وتخطي خلافاتهم الضيقة والوصول إلى تسوية تحمي الجانبين العسكري والمدني.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!