الكنيسة الكاثوليكية تسعى لتطوير نفسها لمواكبة العلم
الكنيسة الكاثوليكية تسعى لتطوير نفسها لمواكبة العصر

أحد أكثر الأسئلة أهمية التي تطرح اليوم هو: هل يمكن للدين أن يقدم شيئا مفيدا في مواجهة التحديات التي يفرضها عصرنا، وهل يستطيع المساعدة في حل القضايا التي تواجه الجنس البشري بصورة عامة؟ 

الإجابة ببساطة هي كلا. وسواء تعلق الأمر بقضايا المناخ أو ثورة التكنولوجيا أو الذكاء الاصطناعي أو مسائل الخصوصية أو الانفجار السكاني أو الأوبئة.. الخ، فإن قدرة الأديان تبدوا ضئيلة إلى معدومة في تقديم أي شيء يفيد الإنسان المعاصر. وما يوجد في خزائن الأديان من معلومات ومعارف وكتب يبدو جميعه غير ذي صلة أو منتهي الصلاحية أو غير مهم عندما يتعلق الأمر بالقضايا المعاصرة.

ويمكن لأي إنسان أن يتوصل إلى ذلك بمجرد أن يسأل نفسه سؤالا بسيطا وهو: ماذا قدمت الأديان من انجاز حضاري - من أي نوع – يمكننا أن نتذكره خلال المائتي عام الماضية مثلا؟ 

لن يجد أي انجاز يذكر، سواء تعلق الأمر بالعلوم التطبيقية أو العلوم النظرية أو أي ميدان آخر ساهم في تقدم الحضارة البشرية أو بالأحرى ساعد العالم على الانتقال خطوة إلى الأمام.

جميع الإنجازات، بدءا من وضع جغرافية العالم إلى الثورة الصناعية والاكتشافات الكبيرة مثل طاقة البخار ثم الفحم والبترول وقوانين الفيزياء والاكتشافات في مجال الكيمياء والطب والأدوية وغيرها، مرورا بعلوم النفس والاجتماع والتاريخ، جميعها لم يكن للدين أي دور فيها.

الحقيقة أن الدين (وينبغي أن نقول أتباع الدين) وقف دائما عاجزا أمام هذه الإنجازات، وفي أحيان أخرى حاول أن يلعب دور المعرقل أو المشكك، وفي الأحيان التي لم يستطع فيها أن يغير من مجرى الحديث، فقد حاول التماهي وإطلاق الادعاء بأنه قد اكتشف كل ذلك من قبل!!

ورغم أن هذا الادعاء في حد ذاته يكشف مقدار العجز وانعدام الحيلة، فإن ذلك لم يمنع من اتخاذه كنوع من التعويض النفسي الذي بلغ عند هؤلاء وخاصة بعض المسلمين حد الهوس والانفصام العقلي والهذيان.  
أما السؤال الآخر الأكثر ثورية فهو: هل يحتاج الإنسان المعاصر إلى دين؟

والإجابة هنا أيضا كما في السؤال أعلاه قد تكون سلبية. الدين مجرد خيار يتخذه الفرد لنفسه وليس أمرا مرتبطا بوجوده أو بوجود العالم من حوله. بمعنى أن الإنسان عاش وهو يعيش من دون دين، فليس هناك أي أمر مميز يتعلق بالأديان. والواقع أنه حان الوقت للنظر إلى الانتماءات الدينية وغير الدينية بوصفها مجرد خيارات متعددة يلجأ إليها البشر ولا يجب أن ترتب أفضلية من أية نوع.

فالاعتقاد بدين أو عدم الاعتقاد بدين ليس وصفة تؤهل صاحبها أو تمنعه من الفوز بجوائز معينة. وحتى إذا كان الحديث عن النار والجنة يبدو معقولا في نظر المؤمن بها، فإن هذا الأمر لا يمكن أن يعمم على جميع الناس. 
بمعنى آخر فإن أمر هذه النار وتلك الجنة مثله مثل أمر الدين نفسه، هي أمور تعتبر خيارا فرديا لمن يؤمن بها، ولا تصلح أن تكون معيارا لقياس قيمة الإنسان أو صلاحه من عدمه. 

الواقع أنه لم يثبت في أي مكان في العالم أن التدين أو عدم التدين كانا سببا في وجود الأخلاق أو انعدامها أو في سلامة الجماعة البشرية من عدمها.   

بالطبع هناك من يجادل ويقول: ماذا بشأن الأعداد الكبيرة التي تتبع الأديان؟ وبماذا نفسر ذلك؟ 

يمكن تشبيه الأمر هنا بالزي المدرسي الموحد لتلاميذ المرحلة الابتدائية. هذا الزي يلبسه التلميذ من دون أن يكون له فيه خيار أو رأي، وهو لا يعرف ما إذا كان مناسبا له أم لا. لكنه مع الوقت يلتزم به ويحافظ عليه طوال هذه المرحلة.
من وجهة النظر التاريخية فإن البشرية لا تزال في مرحلة الطفولة. لكن منذ القرون القليلة الماضية وبفضل الطفرة العلمية المتسارعة بدأت البشرية تغادر مرحلة الطفولة تدريجيا وتدخل إلى مرحلة المراهقة.

ولأن الأمر يحدث بصورة تدريجية فيمكننا ملاحظة التفاوت في النضح العقلي والنفسي والمعرفي بين البشر من مختلف الجناس والقارات، وكذلك في الموقف من الدين. وحتى في الحالات التي لا يتخلى فيها الناس عن الدين فإنهم يطورون نماذج منه أكثر تصالحا مع العصر وقضاياه، كما هو الحال مثلا مع الكاثوليكية.

أما بقدر ما يتعلق الأمر بموضوعنا هنا يمكن القول إن التغيرات الكبيرة التي غيرت مجرى التاريخ لم تكن ذات يوم نتيجة لانخراط أعداد هائلة من البشر فيها أو لاعتقادهم بصحتها أو إمكانية حدوثها.  كل تغيير من ذلك تم في الواقع على يد عدد صغير من البشر، بما في ذلك الابتكارات التي تحدث في يومنا هذا (يمكننا أن نتساءل كم يوجد في هذا العالم من أمثال أيلون ماسك؟).  

ولو ترك الأمر لما يعتقده معظم الناس فالأرجح أن البشرية لم تكن لتخطو خطوة إلى الأمام.
 لذلك فالاستشهاد بالأعداد الكبيرة التي تتبع الأديان لا معنى له عندما يتعلق الأمر بالتحولات الكبرى في التاريخ. 
وما يمكن للإنسان أن يلاحظه بسهولة هو أن الأديان كفت منذ زمن بعيد عن أن تكون محركا لهذا النوع من التحولات، وأن حفنه بسيطة من المهندسين والفنيين والمبتكرين والعلماء ورجال الأعمال والممولين (وليس رجال الدين) هم الذين يقودون التغيير، وهم الذين شكلوا العالم على النحو الذي نراه اليوم.

زاوية مستقلة
زاوية مستقلة

هذا هو مقالي الأخير في موقع "الحرة" بعد 6 سنوات تقريبا على كتابة الرأي والتحليل على هذه الصفحات. قرار الموقع وقف صفحة "من زاوية أخرى" سيحرمنا من زملاء ونصوص ألقت الضوء وتميزت في قراءة الحدث العربي والعالمي. 

ولو أنه قرارٌ محزن، فهو يواكب التغييرات الإعلامية والتكنولوجية التي تتبدل في الفضاء الإلكتروني. ففي عالم كثرت فيه الآراء، وأحيانا نقصت فيه الحقائق، وتسارعت فيه النقلة التكنولوجية نحو الفيديو والصور، باتت هذه الوسائل الشغل الشاغل لجيل Gen-Z وكيف يتلقى معلوماته. 

"تيكتوك" و"إنستغرام" استبدلا نجيب محفوظ وجبران خليل جبران. وتغريدات السطر الواحد على تويتر، استبدلت نصوص غسان تويني ونوال السعداوي.  مع ذلك، نغادر هذه الصفحة بحسرة وامتنان لكل ما قدمته الحرة لنا ككتاب، وكأصحاب رأي، أحيانا يتفق وفي كثير من الأحيان يختلف مع سياسة المحطة. 

فراغ "من زاوية أخرى" سيشعر به القارئ والقارئة العربية لناحية الموقف المستقل والذي لا يخضع لرقابة في الكتابة. فالحق يقال أنه وطوال السنوات الـ6 الفائتة وما يتخطى الـ200 مقال، لم يُحذف سطرٌ واحد من النص. 

على هذه الصفحة انتقدنا إيران وأميركا والسعودية وإسرائيل وقطر ومصر وروسيا والصين من دون أن يرن الهاتف لينقل الرسالة بحذف كلمات أو شطب المقال بالكامل. 

هذه الفسحة غير موجودة في أي موقع آخر ناطق باللغة العربية. فالمال الإعلامي بمعظمه حكومي في المنطقة وهذا يحمل معه أجندات ورقابة حكومية، كون الليبرالية الإعلامية غير متأسسة في العالم العربي. فأي موقع اليوم يتيح انتقاد مصر والسعودية وإيران في الوقت نفسه؟ لا شك أن السقف الإعلامي بات أضيق مما كان عليه بعد مع بزوغ الفضائيات العربية. اليوم، الصين وروسيا لهما كلمة في بعض وسائل الإعلام العربية في الدول "الصديقة." 

تسييس الإعلام العربي وضيق المساحة المستقلة هو بحد ذاته إذلال وخوف من المواطن، ووسيلة أخرى للتحكم بما يقرأ ويشاهد ويستمع. 

الكلمة لا تقتل ولا تهد مجتمعات، والنقاش والخلاف بالرأي يغني المجتمعات بدل أن يفسدها. هذا المفهوم سيأخذ عقوداً قبل أن يتحول واقعاً في العالم العربي، مع العلم بأن الانفتاح الاقتصادي سيحتم معه الانفتاح الإعلامي. 

سنفتقد هذه الصفحة، إنما نبقى على أمل بأن الاستقلالية والكلمة الحرة ستجد فسحة أو تغريدة أو تسجيلاً للوصول للمنطقة العربية. حتى ذلك الوقت، شكراً لـ"الحرة" وإلى اللقاء عبر منابرها الأخرى.