حقوق المرأة في الإسلام.. قضية شائكة
تعليقات مؤيدي الجماعات المتشددة على شبكات التواصل الاجتماعي تؤكد جهلهم أخلاق القرآن.

ما بين حين وآخر يخرج علينا العديد ممن يريدون فرض وصايتهم على الدين من أتباع الجماعات الإسلامية ويسمّون (بالشدة على الميم) بالإسلاميين بتعليقات وتصرفات، لنرى وجهاً قبيحاً للتطرف يبدأ بالكراهية وينتهي بالإرهاب.

فمن الصعب أن ننسى تعليقاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي في العديد من المواقف، التي تؤكد أن هذه الجماعات ومن ينتمون إليها فكرياً لا يعرفون شيئاً عن أخلاق القرآن.

فهم، على سبيل المثال لا الحصر، لا يترددون في شتم من يخالفهم بالرأي بأقذع الألفاظ والشتائم بالرغم من قول الرحمن في كتابه الكريم "وقولوا للناس حسنا" وقوله جل وعلا "وقل لعبادي يقولو التي هي أحسن".

وهم – أي أنصار فكر التطرف – يتصفون بالغلظة في التعامل من الآخرين، بالرغم من قول الله عز وجل "ولو كنت فظاً غليظ القلب لأنفضوا من حولك".

وهم لا يترددون في إصدار الأحكام على غيرهم بالكفر والفجور والزندقة، بالرغم من أن حق حساب البشر هو حق لله وحده "إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم".

وهم الذين يفرضون على الناس أداء العبادات بالقوة التي تصل أحياناً كثيرة إلى العنف بالرغم من الآيات القرآنية الواضحة التي ترفض ذلك، مثل "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي"، ومثل "وقل ألحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر"، ومثل "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر".

وهؤلاء الذين يظنون أنهم حماة الدين، يدعون دائماً للقتال والحرب بالرغم من قول الله تعال في محكم آيات الذكر الحكيم "ادخلوا في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان".

وبالإضافة إلى ذلك، فالكثير منهم إن لم يكن أغلبهم يرفضون الآخر ويعلنون العداء لكل من يخالفهم في الرأي وكأنهم لم يقرأوا الآية الكريمة "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون" ولا قرأوا الآية الرائعة "ومن يدع مع الله إلهاً آخر لا برهان له به فإنما حسابه على الله".

ومن الصعب أن ننسى لهذه الجماعات دعوتهم المحمومة لتعدد الزوجات بالرغم من أن الفطرة الإلهية التي يتشدقون بها ويقولون إن "الإسلام هو دين الفطرة"، لم تجعل لسيدنا آدم في بداية الخلق سوى زوجة واحدة - فلو كان تعدد الزوجات هو الفطرة التي فطر الله الناسَ عليها لماذا لم يخلق لآدم أربع زوجات بدلاً من زوجة واحدة!

المذكورون أعلاه من مدعي التدين يتنافسون في مساجدهم في استخدام الميكروفونات العالية الصوت في "الأذان"، بالرغم من أن الرسول عليه السلام لم يستخدم ميكروفون في الأذان أي أنه – أي استخدام الميكروفون في الآذان - بدعة في الدين وأيضاً بالرغم من قول الله تعالى "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا".

أما عن شيوخ هذه الجماعات ورجال دعوتهم مثل عمرو خالد والشيخ حسان وغيرهم فحدث ولا حرج، فهم يتقاضون الملايين ويعيشون حياة الرغد منها وكأنهم لم يقرأوا أبداً قول الله "قل ما أسألكم عليه أجرا"، وقوله "اتبعوا من لا يسألكم أجراً"، وقوله "وما تسألهم عليه من أجر". فأين الاقتداء بالرسول الكريم في هذا الأمر يا رجال الدعوة!

وأتذكر، وأنا في هذا السياق، اضطهادهم واستضعافهم لأهل الديانات الأخرى، إن كانوا أقل منهم عدداً فلا يترددون في الإساءة إليهم وإلى عقيدتهم والتعصب ضدهم في كل مناسبة، ويعتبرون مواطنيتهم من الدرجة الثانية وينسون أن استضعاف البشر هو من أكبر الجرائم عند الله عز وجل، وبسببه أهلك الطاغية فرعون "إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم".

ولا أدرى كيف أعبر عما أشعر به في هذه اللحظات، ولكني أود أن أقول لهذه الجماعات وأتباعهم من المضللين (بفتح الضاد) أين أنتم من خلق القرآن - ويبدو أن "الإسلام" الذي تقولون أنكم تتبعوه ليس إلا ديانة أخرى اخترعتموها بنفس الاسم وأن انتسابكم إلى "الإسلام" الحقيقي ما هو إلا تشابه كلمات.

وللحديث بقية!

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.