جريمة أصابت الأميركيين وكل من قرأ حيثياتها بصدمة مزدوجة
جريمة أصابت الأميركيين وكل من قرأ حيثياتها بصدمة مزدوجة

قد يصلح العنوان أعلاه لفيلم سينمائي هوليودي مثير، أو لرواية بوليسية تشبه عناوين كتب أجاثا كريستي الشيقة. لكنه ليس لفيلم ولا لرواية، بل لخبر حقيقي تناقلته الأخبار العالمية قبل أيام عن جريمة اغتصاب امرأة في قطار بمدينة فيلادلفيا الأميركية، تحت مرأى ومسمع الركاب الذين كانوا على متن المقطورة ذاتها، وعدم تدخل أي منهم لإنقاذها. 

جريمة أصابت الأميركيين وكل من قرأ حيثياتها بصدمة مزدوجة، لا تتعلق باعتبارها جريمة مؤسفة تضاف إلى الآلاف من حوادث الاغتصاب التي تسجل في العالم على مدار الساعة فقط، بل لحدوثها في مكان عام، هكذا، علناً وجهاراً، ودون ارتباك أو اكتراث بكاميرات المراقبة، أو أي تردد تحسباً للعقاب اللاحق.

فيما أدى الكشف عن الشق المتعلق بالسلوك السلبي الجمعي الذي سلكه ركاب المقطورة وإحجامهم عن التدخل لإنقاذ الضحية، إلى إحساس مضاعف بالصدمة التي تلقفها المجتمع مثل صفعة حارقة، وبخاصة بعدما أعلنت السلطات المختصة أنها تتوقع أن بعض الركاب ربما التقطوا الصور ومقاطع الفيديو أثناء حدوث الجريمة.

جريمة شديدة البشاعة بكل ما فيها، تذكر بآلاف الجرائم المعلنة التي شهدها العالم وما يزال، مع اختلاف المجرم وجنسيته، ونوع الجريمة، والضحايا والشهود. أقربها زمنياً وأكثرها إيلاماً في الذاكرة، تلك الجرائم الوحشية التي ارتكبها تنظيم الدولة "داعش" الارهابي بالأسلوبية الصدامية المعلنة ذاتها، وبشكل خاص الاعدام نحراً، وتعمده نشر مقاطع الفيديو والتفاخر بما ارتكبه من آثام.

في كل مرة كنت أضطر فيها لأسباب مهنية من رؤية بعض هذه المقاطع، وأجرب بعدها عبثاً أن أحرق هذه المشاهد من ذاكرتي، أكتشف أن وجوه الجمهور الشاهد الذي كان يتحلق حول مكان الاعدام، مازالت ذات تأثير وانطباع حاد في الذاكرة. وجوه لرجال وفتية أتمعن فيها بحيرةٍ، وأجرب فهم واستيعاب مقدرتهم على الوقوف والتفرج بملامح صامتة وحيادية، أو تفسير تهليل بعضهم للجريمة وحماسهم لها في بعض الأحيان. في المحصلة مضى كل هؤلاء الشهود في طريقهم، لكنهم لم يتدخلوا، أو يتمكنوا من إنقاذ أي ضحية، ولم يحاولوا في الأساس.

كيف يتمكن شاهد على جريمة من النوم؟ وهل هو قادر حقاً على التخلص من تداعياتها والاستمرار في ممارسة الحياة باعتيادية وهدوء تام؟ أسئلة تقود إلى سؤال معاكس أكثر خطورة لكنه حقيقة وموجود داخل بعض الفئات من الأشخاص، يتلخص بمعنى الجريمة ذاتها، وما إن كانت رؤيتها تعني شيئا مهولاً للبعض في الأساس، أو تحرك فيهم إحساس ما، أو توجع ضمائرهم، أم تبدو كأمر بسيط وعادي وعابر لا يستحق الاكتراث لأجله؟  

تعلل علوم النفس مثل هذه السلوكيات السلبية التي تبديها الجموع في حالات الرعب والكوارث والمخاطر، وارتباك معظم الناس المتعلق بإنقاذ أنفسهم أو مساعدة الآخرين، بأمور كيميائية تحدث داخل الدماغ تؤدي إلى ما يشبه حالة الشلل الكامل وتجمد الانسان ووعيه ومقدرته على الحركة، وتجعله مصدوماً، مذهولاً، لا يستوعب ما يحدث أمامه، ولا يدري كيف يتصرف.

لكنها تستثني بعض الحالات التي يحدث لديها رد فعل معاكس، أي يقظة الوعي التامة، والاقدام إلى حد التهور أحياناً والمخاطر بالحياة لأجل إنقاذ حياة الآخرين، دون كثير من التفكير أو الحسابات أو التردد، وهي الفئة التي تصنف بالشجعان، التي يتمنى المرء أن يعثر عليها في كل الأماكن والأوقات.

كما ترتبط بعض التداعيات والحسابات الواعية التي تجري داخل النفس في بعض الحالات، بالخوف المشروع من التدخل خشية التعرض للخطر والقتل من قبل المجرم، أو الخوف من الانتقام بسبب الادلاء بشهادة مع عدم الثقة الدائم ببرامج حماية الشهود، أضف إلى أكثر من مبرر قد يجده المرء لنفسه، ويتعلق بطبيعة شخصيته والخوف من احتمال تورطه في قضية يرجح أنها ستصدع رأسه ولا تعنيه، وتجعله يقنع نفسه بكلمة واحدة: "وما شأني؟".

في قطار فيلادلفيا، ومع سوء حظ الضحية التي لم يتصادف وجود شجاع واحد يمكنه إنقاذها في مثل تلك اللحظات المريعة، يمكن التخمين ببعض النوايا الحسنة أن الخوف شل فرائص الركاب، أو جالت في خواطر معظمهم جميع المبررات والحسابات التي أعاقتهم. لكنه إن ثبت لاحقاً فرضية التقاط بعضهم للصور ومقاطع الفيديو، فالأمر سيختلف بالتأكيد.

حيث يمكن أن يثبت التحقق من هذا الأمر، أن مقدرة بعضهم على التصوير لشعوره بالإثارة والتلذذ برؤية جريمة الاغتصاب، لا تعفيه من كونه أحد المرضى النفسيين الساديين، بل يستحق الادانة والاتهام بالمشاركة بالجريمة بشكل أو بآخر، أو اعتبارها جريمة مضافة تشبه الجرائم الالكترونية التي أقرت لها بعض الدول أحكاماً خاصة، وتخص على سبيل المثال من يقوم بالتقاط صور "سيلفي" في لحظة قدرية يظهر فيها في الخلفية أحدهم وهو على وشك السقوط أو الغرق أو أي شكل من تهديد حياته.

قد يكون أكثر ما يثير في هذه القضية، أنها وإن كانت صغيرة نسبياً، قياساً بالجرائم المعلنة التي تحدث على مستوى الشعوب من قبل مجرمين كبار، يقتلون ويفتكون وينقلون حيثيات الجريمة بتفاخر عبر الكاميرات وعبر النقل المباشر، إلا أنها تتقاطع بكل معاني التخاذل التي يبديها بعض الشهود، كمثل ركاب مقطورة، أو كمثل الشهود الدوليين من أصحاب القرار، الذين لا يتدخلون لإيقاف الجرائم الكبرى، وينامون بكل هدوء.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.