في منتصف شهر يناير- كانون الثاني من السنة المقبلة 2022، ستكون مرت "مائة يوم" على الحكومة المغربية الجديدة، المنبثقة عن نتائج انتخابات 8 سبتمبر - أيلول الماضي، والتي يرأسها رجل الأعمال عزيز أخنوش.
يبدو أن من بين "المنجزات" الأولى الملموسة لهذه الحكومة الوضوح التام وعدم تبديد الوقت بانتظار إتمام "المائة يوم" للحكم على أدائها. فبعد أقل من شهر على تنصيبها في الأسبوع الأول من أكتوبر- تشرين الأول الحالي، أبانت الحكومة الجديدة عن "إخلاصها" للطبقات الشعبية من خلال استنباط الأمثال المتداولة من قديم بين العامة، منها: "علامة الدار على باب الدار"، أو المثل الآخر: "من الخيمة خرج مائلا"، وقيل في حق فارس عاد مهزوما، وكانت طريقة امتطائه لفرسه بشكل غير سوي لحظة خروجه من منزله، من أسباب هزيمته.
مائة يوم قبل أوانها
هي أسابيع فقط كافية لاستنتاج حكم قياسي على حكومة أخنوش، وعلى وعودها بتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي، ومحاربة التهرب الضريبي ومكافحة الرشوة والفساد، والحفاظ على الأمن والاستقرار والسلم الاجتماعي، وتحقيق الإصلاح المبتغى.
مجمل القول حول ما كشف عنه أداء الحكومة منذ تنصيبها حتى اليوم، كما يتردد في الأوساط الشعبية والسياسية، أنها حكومة لا تشي بداياتها بإمكانية تحقيق التميز في الأداء بالقطاع الحكومي، أو خلق الفرق والتغيير المنتظر. وهو حكم يستبق اكتمال الفترة المتوافق عليها إعلاميا لتقييم أداء الحكومات والمؤسسات، بهدف الوقوف على مدى سدادها من عدمه في ترجمة المنتظر منها إنجازه.
وينفي المنتقدون أن يكونوا أصحاب أحكام مسبقة تطلق على عواهنها، أو آراء مجحفة موصومة بالتسرع في الحكم على أداء الحكومة بوضع نواياها على المحك لاختبار مصداقيتها قبل الأوان، والتركيز فقط على المؤشرات السلبية. إذ أن إيجابيات حكومة أخنوش حتى اليوم لا زالت مجرد حبر على ورق، بخلاف السلبيات التي تمت ترجمتها سريعا على أرض الواقع، تجلى ذلك في مواصلة سياسة الزيادة في الأسعار المرهقة للطبقات الفقيرة، ومواجهة التظاهرات السلمية بالقمع والهراوات، وافتعال أزمة تعميم فرض "جواز اللقاح".
فمع تصاعد حدة الاحتقان الاجتماعي وانتشار شرارة الاحتجاجات المختلفة، المرافقة لبدء عمل حكومة أخنوش، يستعصي على المتفائل الاستمرار في اعتناق أمل بحصول تغيير كبير بشأن السياسة الاجتماعية خلال المرحلة المقبلة، مهما امتد زمن الانتظار وطال، فقاقد الشيء ليس لديه ما يعطيه سوى بث اليأس في النفوس وجعل الناس يسلمون بما هو حاصل وسائد.
أعداد كبيرة من المواطنين خرجت للتظاهر والاحتجاج في أكثر من مدينة وجهة، وصاحب ذلك مواجهات واصطدامات مع قوات الأمن. خصوصا بعد إقرار العمل بـ"جواز اللقاح" ضد فيروس كورونا. إذ صار إجباريا للسماح بولوج الإدارات والمؤسسات والمقاهي والمطاعم وغيرها، بل أصبح الحصول على جواز اللقاح شرطاً ضرورياً للتنقل بين المدن، وللسفر خارج الحدود. وتقول الحكومة أنه قرار اتخذ ضمن التدابير الاحترازية ضد احتمال انتشار موجة جديدة من الفيروس، وأنها سعت عبره إلى الدعوة بالتسريع لتلقي اللقاح للمترددين والرافضين له. واستندت الحكومة في قرارها هذا على ما سمته بـ"توصيات اللجنة العلمية والتقنية"، وهي لجنة تكاد تكون شبحا، لا يعرف الرأي العام المغربي أسماء ووجوه وعدد أعضائها ولا الشهادات والإنجازات العلمية التي لديهم، إذ لم يسبق لهم أن تقدموا أمام الرأي العام بصفتهم المذكورة.
هكذا شكَّل قرار فرض جواز اللقاح "خرقاً سافراً لحقوق دستورية وكونية، وعلى رأسها الحق في حرمة الجسد وضرب حرية التنقل والتجول"، وفق بيان للجمعية المغربية لحقوق الإنسان.
حبل الكذب
لم يرافق تعيين حكومة أخنوش في 8 أكتوبر- تشرين الأول 2021 أي جدل سياسي هام، كما يمكننا أن نجزم إلى حد ما، أنه لم ترافقها آمال شعبية كبيرة بإمكانية وفاء الأحزاب الثلاثة المكونة للفريق الحكومي بوعودها الانتخابية، وفي مقدمة تلك الأحزاب حزب رئيس الحكومة التجمع الوطني للأحرار. "لقد تعودنا على أن الوعود الانتخابية تبقى وعودا ومن نافلة الأكاذيب التي تفرضها سياسة الأحزاب في بلادنا"، تصرح سيدة مغربية من مدينة القنيطرة. و"اللّي عملوه الآخرين سيكمله السي أخنوش"، يقول موظف بمطار محمد الخامس في الدار البيضاء. أي أن حكومة أخنوش لا تختلف عن الحكومات السابقة. لذلك يفضل بعضهم اتباع نصيحة "خليك ورا الكذاب لحد باب الدار"، وهي نصيحة لا تفترض حسن نوايا صاحب الوعد، ما دامت تصفه مسبقا بـ"الكاذب"، وطبعا "حبل الكذب قصير".
ما يحيل مباشرة إلى مسألة الثقة الشعبية، والتي أشار إليها تقرير "النموذج التنموي الجديد". وحاولت الدولة والأحزاب في فترة الحملة الانتخابية العمل على استرجاعها بالتقليص من نسبة مقاطعة الانتخابات، وهي نسبة ظلت دون الرقم المصرح به رسميا بكثير، إذ لم يبق العزوف السياسي أمرا محصورا بين فئات الشباب والمثقفين، بل أصاب شرائحَ وفئاتٍ مختلفة وواسعة من المسجلين في اللوائح الانتخابية. ما يعني ضربة عميقة للعملية الديمقراطية، وللأسس المتينة التي تقوم عليها الدول وتبنى المجتمعات.
طلاء مغشوش
إن النتائج التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة أخرجت مشهدا لا يعكس حقيقة الخريطة السياسية بالمغرب، بقدر ما هو تعبير عن إرادة من يجلس خلف الستار وفي الدهاليز المتحكمة. ومهما بلغت درجة غض الطرف والتعامل مع ما جرى في 8 أكتوبر- تشرين الأول 2021 على أساس أنه يدخل في سياق ومضمون اللعبة الديمقراطية، إلا أنها تظل لعبة مغشوشة. خصوصا وأنها انتهت بالإعلان عن تشكيلة تكنوقراطية في أغلبية الوزراء، وإن تم إلباسهم أقمصة حزبية، مثل وزير الداخلية السابق شكيب بنموسى، الذي تحول بلمسة زر إلى منتمٍ لـ"حزب الحمامة" الذي يرأس أمانته العامة أخنوش(!). لكنه وغيره من زملائه في الحكومة الحالية، ممن جرى تلوينهم سياسيا، جاءت الصباغة التي تم طلاؤهم بها مفتقرة للجودة، ورغم لمعانها الشديد فهي لم تغط خلفية اللون الأصلي، بل إن رائحتها لا تزول. فكيف يطلب من الناس تصديق غير ما يرونه ويحسون به.
كما أن تغيير وزيرة الصحة وإعفاءها بعد تعيينها فقط ببضعة أيام، في سابقة تعد أسرع تعديل حكومي جرى في تاريخ الحكومات المغربية، يعكس مدى الارتباك الذي انطلقت به حكومة أخنوش، وهو الارتباك الذي استمر في توضيح الإقالة أو الاستقالة، حيث لم ينجح البيان، الذي عممته الوكالة الرسمية للأنباء، في تبرير مغادرة الوزيرة لمنصبها الحكومي، حين عزا "الاستقالة" إلى رغبة المعنية في "التفرغ الكامل لمهامها كرئيسة لمجلس مدينة الدار البيضاء"، لكن الأمر نفسه ينطبق على رئيس الحكومة الذي يشغل منصب رئيس جهة أغادير، وعلى وزير العدل الذي يرأس جهة تارودانت، وعلى وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، التي ترأس جهة مراكش. لذلك سخر الكثيرون من التبرير الرسمي، وقالوا إنها حكومة لا تختلف عن سابقاتها، لا مشكلة لديها أن تبدأ عهدها بالكذب والتضليل وعدم مصارحة المواطنين بحقائق ما يحدث. فمن أي "سوبر ماركت" يمكن للحكومة اقتناء الثقة الشعبية في المؤسسات وفي العملية الديمقراطية؟ وما السبيل لترسيخ الإيمان لدى المواطنين بالمستقبل؟ في ظل غياب الحقائق الرسمية، أو تحت تناقض محتواها، وترك الناس عرضة للإشاعة والأخبار المتضاربة. ليس من شأن هذه الحال إلا الإضرار بالثقة الشعبية وعرضها للتفكك والانهيار. وهي معضلة كبرى تمتد انعكاساتها الخطيرة وتداعياتها بشكل مرعب لتصل درجة انعدام الثقة في المؤسسات والقانون.
التغيير المفترى عليه
كان أول تصريح إعلامي أدلى به عزيز أخنوش، وهو يحتفل بفوزه في الانتخابات، كلامه عن التغيير الذي أراده الناس وتحقق بفضل تلك النتيجة التي تصدر بها حزبه المرتبة الأولى. منهيا هيمنة عشر سنوات لحزب العدالة والتنمية بعد ولايتين متتاليتين، وهو أمر غير مسبوق في تاريخ الحكومات بالمغرب، بل أنه تمت دحرجة إخوان "البيجيدي" في مشهد لم يكن متوقعا على الإطلاق من الرتبة الأولى إلى الثامنة.
في برنامجها الذي صادق عليه البرلمان، تعهدت حكومة أخنوش بالالتزام بإنجاز وِرَش استراتيجية، وخلق مليون منصب شغل في أفق نهاية الولاية (2026). إضافة لوعود تتقاطع مع تطلعات "النموذج التنموي الجديد".
ويشكك المواطنون في مدى وفاء عزيز أخنوش بما وعد به في حملته الانتخابية، في شطرها المتصل بمعالجة الملفات الاجتماعية، بتعميم ما يسمى بـ "دخل الكرامة" لفائدة المتقاعدين وكبار السن، وتعميم الضمان الاجتماعي والتعويضات العائلية والاستفادة من التغطية الصحية. إزاء ما يشهدونه من ارتفاع أسعار المواد الأساسية ومواجهة الشارع بالقمع أوقفت تلك التساؤلات.
فليس واردا لدى رئيس الحكومة أخنوش إيلاء الاعتبار اللازم والواجب لمسألة حقوق الإنسان. فعند تشكيله لفريقه الحكومي، تخلى أخنوش عن حقيبة وزارة حقوق الإنسان والحريات، بعدما كان مقترحا لها إطار حقوقي معروف. ومن هذا المنطلق لم يقف البرنامج الحكومي في فقراته عند واقع حقوق الإنسان في المغرب للارتقاء به، علما أن السجون المغربية تمتلئ بأعداد من ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، من بينهم معتقلي حراك الريف، وسجناء الرأي من السياسيين والصحفيين. وتأكيدا على هذه السيرة، وقبل يومين، رفع عزيز أخنوش بصفته الحزبية دعوى قضائية ضد صحفية نشرت تدوينة فيسبوكية تنتقد حزب التجمع الوطني للأحرار. ربما هي محاولة لردع من نسي ولم يتذكر "المشروع التربوي" لعزيز أخنوش، الذي يركز على "إعادة التربية" لبعض المغاربة، والقصد حينها هم من تجرأوا بالقيام بحملة المقاطعة الاقتصادية (2018) التي تضررت منها شركته الخاصة المحتكرة لتوزيع المحروقات في المغرب.
الممكن من المستحيل
من هنا يرى كثير من المتتبعين والفاعلين الحقوقيين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعي، أن حكومة أخنوش هي استمرار للحكومات السابقة، وعلى نهجها تسير، مستغلة حالة الطوارئ الصحية بسبب جائحة كورونا للاعتداء على الحريات العامة والفردية، ما يذكر بفظاعات رهيبة، وأنها بلجوئها إلى افتعال أزمة فرض "جواز اللقاح" تحاول إشغال المواطنين وتضليلهم، وإلهاء الرأي العام عن القضايا الملحة والمشكلات الحقيقية، ولو استدعى الأمر تورطها في ممارسات "سنوات الرصاص".
حكومة كسابقاتها، بل هي استمرار للحكومة المغادرة، ولا غرابة!، ألم يتقلد حزب عزيز أخنوش أهم الحقائب الوزارية في القطاعات الاقتصادية الرئيسية والمؤثرة داخل فريق سعد الدين العثماني، من الفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات، إلى تدبير الاقتصاد والمالية والإدارة العمومية والتجارة والصناعة والسياحة؟
بحماسة زائدة يحلو أخنوش ترديد عبارة "سنعمل على تحقيق ما نقدر على تحقيقه، وما لم نستطع تحقيقه سنخبركم به"، وهي موجهة أساسا للنقابات والمعارضة خارج البرلمان. وتذكر بشعار سبق للوزير الأول المعطي بوعبيد أن رفعه عند خلق الحزب "المخزني" الاتحاد الدستوري (1983)، وهو شعار: "الممكن ممكن، وغير الممكن غير ممكن".
والجلي هو أن عودة سنوات الرصاص هي المعطى "الممكن"، و"غير الممكن" هو تحقيق العدالة والمساواة والديمقراطية المنشودة.
لو حكى الكاتب الكولمبي العالمي غبرييل غارسيا ماركيز عن حكومة أخنوش لاختزل عنوان روايته الفائزة بنوبل للآداب (1982) من "مائة عام من العزلة" إلى مائة يوم فقط، خصوصا أن فصول الرواية تنتهي بانتخابات مزيفة وبخيبة أمل.
"مائة يوم من العزلة" لن تفضي سوى إلى عزلة متواصلة وأكبر، وإلى انعزال أعمق وابتعاد عن هموم الطبقات الشعبية وقضاياها وتطلعاتها المشروعة.

