جورج قرداحي
وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي

عبّر جورج قرداحي عن ذروة انحياز السلطة السياسية إلى سياسات المحاور، وعن قناعاته الحقيقية من اليمن إلى سوريا، بمواقف تنطبق بحذافيرها مع منطق المحور الذي ينتمي إليه.  ففي مقابلته إصرار على ارتكاب جريمة أخلاقية بحق الشعب السوري، تدفع إلى التشكيك حتى في إنسانيته وتاريخه الإعلامي قبل أن يتحول إلى مقدم برامج مسابقات.

قرداحي الذي يبدو أن اسم عائلته يطغى على طبيعته، تحول إلى مدافع عن طاغية القرداحة مبررا ما ارتكبه من إبادات جماعية. فقد دفعه انحيازه في لحظة هي الأصدق في حياته إلى الحديث دون قفازات عن مشروع يحاول (عبر القرداحي) إعادة تعويم خطابه.

اختبأ قرداحي كما تختبئ نخب كثيرة خلف ربطة العنق والخطاب المدني وشعارات الوطنية والقومية. فقد أسهمت هذه النخب في التغطية على جرائم داعش أخرى تسترت برداء العلمانية، وثوب أنيق وحضور مدني، لكنه أخفق في لحظة تخل في الدفاع عن جريمته، فتحول موقفه إلى جريمة ارتكبت بحق لبنان دولة وشعبا، خصوصا بعدما انبرى مشغلوه للدفاع عنه، وفرضوا موقفهم على حكومة ولدت في غرفة الانعاش ولم تخرج منها.

ردة الفعل الخليجية، وخصوصا السعودية، تجاوزت الموقف من موقف قرداحي وتدخله في الأمن القومي الخليجي ودفاعه عن ميليشيات تابعة لمحور ما يسمى بالممانعة، ميليشيات انقضّت على ثورة الشعب اليمني وعلى المرحلة الانتقالية، وضربت ما تبقى من الوحدة الوطنية بخطاب الطائفية والهوية المذهبية، وباتت تستخدم في تهديد الأمن الجماعي الخليجي.

بعد الإجراءات الخليجية لم يعد هناك ضرورة لاستقالته، كما لم يعد مهما استقالة الحكومة، فالأزمة مرشحة إلى التصعيد والتعقيد، إذ يتعرض لبنان لأول مرة منذ استقلاله إلى شبه عزلة عربية، ظاهرها الموقف من قرداحي وباطنها هوية لبنان وموقعه ومستقبل الطبقة السياسية. فإذا كان تصريح قرداحي هدفه الإعلان عن اكتمال تموضع لبنان الرسمي في الحاضنة الإيرانية، فإن الرد عليه يفتح باب التكهنات حول كيفية التعاطي العربي والدولي مع الاستحقاقات السياسية والاقتصادية المقبلة، بداية من الانتخابات النيابة إن حصلت، والأهم معركة رئاسة الجمهورية عبر البرلمان الحالي أو برلمان جديد.

فمن الواضح أن الصراع المبكر الذي تحاول طهران حسمه في قضية اختيار الرئيس اللبناني المقبل قد تلقى ضربة قاسية من أطراف عربية، مهما تعاملت بكثير من الإهمال مع لبنان إلا إنها على ما يبدو لن تتساهل في مثل هذه الاستحقاقات خصوصا إذا تم ربطها بالاقتصاد، هذه الدول لم يعد ممكنا التعامل معها كأنها جمعيات خيرية تقدم الدعم لطبقة سياسية تتحالف مع أعدائها.

الأزمة المفتوحة مع دول الخليج ستضع لبنان في مهب الريح، وتداعياتها ستؤثر على مفاوضات لبنان مع المؤسسات الدولية. فالحكومة ورئيسها خسرا فعليا الضمانات الخارجية كافة، وهما محاصران داخليا بين سندان الانتفاضة ومطرقة حزب الله الذي بات يعطل عمل أغلب مؤسسات الدولة ويحاول فرض مشيئته على قرارتها.

ما جرى في 24 ساعة الأخيرة هو تسليم بأن معالجة الأزمة اللبنانية بالترقيع والمساومة انتهت، وبأن الطبقة السياسية الحاكمة التي قررت أن تزج لبنان في سياسة المحاور عليها أن تتحمل مسؤولية خياراتها السياسية والاستراتيجية، وأن تحافظ على الاستقرار الأمني والمعيشي، خصوصا أن مظاهر غياب الدولة وسلطتها، باتت تهيىء الأرضية  لفوضى اجتماعية وعنف مدبر، وهذا ما سيفتح الباب أمام الاحتمالات على تصعيد أمني من نوع آخر.

عود على بدء إلى جورج قرداحي الذي أنهى الفصل الأخير من حياة حكومة الميقاتي الذي يبدو أنه في موقف لا يحسد عليه، فهو إن استقال سيخفف الأعباء عن نفسه، وإذا أصر على البقاء فهو لم يستوعب معنى النقطة في نهاية الجملة. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.