غريزة حب البقاء لدى العسكر أكثر حدة وذكاءً مما لدى بقية الناس
غريزة حب البقاء لدى العسكر أكثر حدة وذكاءً مما لدى بقية الناس

غاية "العسكر" تبرر وسائلهم، وغاية "عسكر السودان وجنجويده" بعد الوصول إلى السلطة، هي البقاء فيها، أما وسائلهم فلا حدود لخسّتِها ووحشيتها.

هذه هي حقيقة الثنائي الانقلابي "البرهان – حميدتي" عاريةً ومن دون رتوش أو مساحيق تجميل.. جنرالات الرئيس المخلوع عمر حسن البشير، وقادة الجنجويد الذين يحملون اليوم اسم "التدخل السريع"، لم ينقلبوا بالأمس على "مُعلمهم" إلا بعد أن أيقنوا أن بقاءه على رأس هرم السلطة غير ممكن، بعد ثلاثة عقود عجاف، واحتاجهم الأمر أكثر من أربعة أشهر، للخروج إلى الثوار في الميادين والأحياء معلنين بألسنتهم انضمامهم للحراك الثوري، فيما عقولهم كانت مشغولة بالتحضير لتنفيذ الخطة (ب)، وفحواها الإبقاء على النظام من دون رأسه، أو بالأحرى استبدال رأس النظام البائد، بنظام "الرأسين".

ليسوا أبداً من عجينة عبد الرحمن سوار الذهب، هم من طينة عبود – نميري – البشير... وَضُح ذلك في المفاوضات الشاقة التي انتهت إلى "الوثيقة الدستورية"، فكان حرصهم شديداً على البقاء على رأس هرم مجلس السيادة، وأوكلوا لأنفسهم مهمة إعادة هيكلة الجيش والقوات المسلحة وإصلاح القطاع الأمني، ورفضوا "تمدين" وزارتي الدفاع والداخلية، وأبقوهما بين يدي العسكر، وأتبعوا كافة الأذرع الأمنية لسلطة المكون العسكري، وحده دون سواه، فهذه "منطقة حرام" محظورة على فرسان المكون المدني.

وبعد أن دانت لهم السلطة، وبدأ "عداد" المرحلة الانتقالية بالدوران، لم يتركوا وسيلة للانقضاض على شركاء الثورة، وشيطنة المكون المدني، ووضع العراقيل في دواليب الانتقال الديمقراطي، ونزع "القداسة" عن استحقاقات هذا الانتقال ومواقيته، والحيلولة دون استكمال بناء مؤسسات الدولة، واللعب على مختلف التناقضات والهويات والخلافات والاختلافات، عملاً بـ"الحكمة الاستعمارية" القديمة: فرّق تسد.

دفعة واحدة، ومن دون مقدمات، أسقطوا ما كان يُعرف بـ"المحرمات" وبددوا الخطوط الحمراء التي ارتسمت في العاصمة التي اشتهرت بكونها موطن "اللاءات العربية الثلاثة"، هرع رئيس مجلس السيادة إلى عينتيبي للقاء بنيامين نتنياهو، من وراء ظهر المكون المدني ومن دون استشارته، بل وبالاعتداء على صلاحيات الحكومة المدنية ومسؤولياتها، كما حُدِدَت في الوثيقة الدستورية.

غريزة حب البقاء لدى العسكر، أكثر حدة وذكاءً مما لدى بقية الناس...عرف البرهان – حميدتي، أن الطريق إلى قلب ساكن البيت الأبيض، يمر بالمعدة الإسرائيلية المفتوحةِ شهيتها على التطبيع المجاني مع دول عربية وإسلامية، دون المرور باستحقاق إنهاء الاحتلال.. كانت اللحظة الأميركية – الإسرائيلية مواتية تماماً لجنرالات السودان، فالرئيس ترامب وفريقه الرئاسي، لم تكن لديهم أولوية تتخطى أولوية حفز مسارات التطبيع العربي الإسرائيلي، بالإغراءات حيناً، والإكراهات في معظم الأحيان.. إذ تكفي الاستجابة لضغوط بومبيو – كوشنير – نتنياهو، حتى يُضرَبَ الصفح عمّا تقدم من ذنوب العسكر وجرائم الجنجويد.

ثم سينتقل العسكر سريعاً، إلى مسار آخر، علّهم ينجحون في تحويل "الانتقالي" إلى "نهائي" والمؤقت إلى دائم في وضع السودان.. بدأت عمليات "شيطنة" الحكومة واتهامها بالعجز والفشل والتقصير واتهام كافة الأحزاب المدنية بالتكالب على السلطة، وترك الناس للموت جوعاً وعطشاً أو غرقاً بفيضانات النيل، كل ذلك في الوقت، الذي ما انفك فيه الجنرالات عن ادعاء "وصاية" الجيش على الدولة والأمة، ورفضه تسليم السلطة إلى لرئيس منتخب، ضاربين عرض الحائط باستحقاق نقل السلطة إلى المدنيين في أوساط نوفمبر 2021.

وستوضع العصي في دواليب عمل لجنة تصفية "التمكين"، وسيجري تحريض فلول النظام القديم وحركته الإسلامية، للتحرك في الشارع ضد الحكومة وانتصاراً للجيش والتدخل السريع، كما سيجري بعد اتفاق جوبا، تركيز الاعتماد على رموز وفصائل لم تلتحق بالثورة أصلاً، للانضمام إلى المليشيات المناصرة للبرهان – حميدتي، في مسعى لتصوير الانقسام في السودان كانقسام بين شارع مدني وشارع مدني آخر، وليست حرباً يشنها العسكر ضد المكون المدني ومسار الانتقال الديمقراطي السوداني. 

وستُغمض "القوات المسلحة" الأعين كلها، عمّا يجري في الشرق، حتى بعد أن تعطل أحد أهم مرافئ السودان، وتقطعت أهم شرايينه الاقتصادية والتجارية، وألحق الضرر بصناع النفط وتصديره.. طالما أن المطلوب هو إغراق المكون المدني وحكومته، بفوضى الأزمات المركبة والمتعاقبة، توطئة لتقديم "الانقلاب" بصورة "خلاصية" بوصفه المنقذ الوحيد للبلاد والعباد مما هم فيه وعليه.

ولأن ملّة الانقلابيين واحدة، فلم يتلعثم البرهان، في القول بأن ما قام به ليس انقلاباً، وإنما تصحيحاً لمسار الثورة والانتقال، وبصورة تذكر بما حصل قبل أزيد من نصف قرن في مكان آخر، في سوريا، حين أطلق الرئيس السوري الراحل على انقلابه على حزبه ورفاقه وحكومته، اسماً ناعماً: الحركة التصحيحية...لكن من سوء حظ الانقلابيين أن الزمن تغيير، بل وتغيير كثيراً، فلم تعد عمليات التجميل هذه، تنفع في إخفاء الوجه القبيح للانقلاب والانقلابيين، ومزاعم هؤلاء لم تنطل على الشعب السوداني، الذي يواصل بشجاعة ثورة ديسمبر المجيدة، ولكن ضد من امتطاها وأخرجها عن سكتها هذه المرة. 

على أن سوء الحظ والطالع، الذي يواجه الانقلاب والانقلابيين، لن تنحصر مفاعليه في الداخل السوداني، المحصن ضد "بروباغندا" الانقلابات.. بل وامتد للساحة الدولية على اتساعها.. خسر البرهان في انقلاب 2021 ما كان ميزةً له في العام 2019.. اليوم، هناك ساكن جديد في البيت الأبيض، وفريق رئاسي مغاير.. إذ مقابل الدعم والتشجيع والصمت المتواطئ على مساعي العسكر للانفراد بالسلطة وشيطنة ثورة ديسمبر وقواها المدنية والديمقراطية، وجد البرهان نفسه أمام جو بايدن، الذي لم يترك مجالاً للشك بأنه يعني ما يقول وهو يدين الانقلاب بأشد العبارات، ويتخذ جملة من الإجراءات العقابية ضد الانقلابيين، ويطالبهم بتسليم السلطة للمدنيين وإطلاق سراح المعتقلين والسماح للمتظاهرين السلميين بالتعبير عن آرائهم، دون اضطرار لمواجهة رصاص الجنجويد الحي والمطاطي وهراواتهم الثقيلة التي نزلت على رؤوس الرجال والأطفال والنساء بكل قسوة ووحشية، شاهدها العالم على شاشات التلفزة، برغم إجراءات العزل وقطع الانترنت والاتصالات التي يسارع العسكر عادة لاتخاذها، للتعمية على جرائمهم.

واشنطن تحت إدارة بايدن، تتحول إلى عبء ثقيل على البرهان – حميدتي تنغص عليهما أحلام البقاء في السلطة، بعد أن كانت زمن الإدارة السابقة، عونا لهما في بواكير رحلتهم للصعود إليها، ولنا أن نتخيل كيف يمكن لحال السودان أن يكون اليوم، لو أن ترامب وفريقه ما زالا في موقع السلطة. 

الاتحاد الأوروبي، كما الاتحاد الأفريقي، لم تكن مواقفهما أقل حدة ووضوحاً من مواقف إدارة الرئيس بايدن.. يبدو أن العالم ضاق ذرعاً بأدعياء الوصاية على الشعب والأمة، ولم يعد يأبه لأكاذيبهم وادعاءاتهم بأنهم الأعرف بمصالح الأوطان والأحرص عليها، كما أنه لم يعد يلتفت إلى "دموع التماسيح التي تنهمر من أعينهم، بل يبدي اشمئزازه من الدماء التي تغطي أياديهم".

إسرائيل وجدت نفسها في وضع حرج للغاية، فهي تعرف أن "مسار السودان الإبراهيمي" مرتبط بالعسكر والجنجويد أكثر من غيرهم، وهي آثرت التحرك في القنوات المغلقة للحد من "غلواء" إدارة بايدن وتخفيف حدة مواقفها المتتالية، تنديداً وشجباً للانقلاب والانقلابيين.. إسرائيل تظهر مرة أخرى، أنها تنحاز لـ"الجانب الخطأ التاريخ"، وأنها تؤثر الاصطفاف إلى جانب أكثر أنظمة المنطقة العربية استبداداً وفساداً.

على أن إسرائيل ليست وحدها من غرد في سرب الانقلاب والانقلابيين، فثمة أنظمة عربية يُظهر إعلامها ما تبطنه بياناتها الرسمية من حقائق مواقفها وانحيازاتها.. مثلث "الثورة المضادة" في العالم العربي، لم يخف دعمه للانقلاب وشغفه بقطع طريق الانتقال الديمقراطي في السودان.. وليس أمراً من قبيل الصدفة، أن نرى عسكر السودان، طوال العامين الأخيرين، يتحركون من ضمن مربع واحد: إسرائيل، الإمارات، السعودية ومصر، فيما قادة الفريق المدني يجوبون العالم على اتساعه بحثاً عن مخارج للسودان من ضائقته.. قُل لي من هم حلفاؤك، أقل لك من أنت.

والمخجل حقاً، أن جامعة الدول العربية، لم تخرج بموقفها من انقلاب البرهان عمّا ذهبت إليه تلك العواصم، والمقارنة بين موقف الجامعة العربية وموقف الاتحاد الأفريقي من الانقلاب والانقلابيين، تظهر حقاً المآلات الكارثية التي انتهى إليها "اللا-نظام العربي".. بلينكن يشيد بموقف الأخير، ولا أحد يستذكر مواقف الأمين العام أحمد أبو الغيط، لكأنها من باب "لزوم ما لا يلزم".

والخلاصة، أن انقلابيي السودان، ربما يكونون قد أخطأوا الحساب هذه المرة.. فلا الشعب السوداني بوارد التخلي عن مكتسبات ثورته والتفريط بأشواقه وتطلعاته لحياة كريمة مزدهرة، ولا المجتمع الدولي بوارد التسامح مع "البيان رقم 1".. لا واشنطن اليوم هي واشنطن الأمس، ولا إسرائيل اليوم هي إسرائيل الأمس، ولا بقايا "تحالف صفقة القرن" لديها من الأذرع الطولى اليوم ما كان لها زمن ترامب – نتنياهو.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.