قبل ربع قرن من الآن، في النصف الأول من تسعينات القرن المنصرم، كنت في عمر اليفاعة الأولى، أسكن مدينة القامشلي القصية شمال شرق سوريا، كانت مدينة متنوعة ومركبة عرقيا ودينيا ومذهبيا واجتماعيا لدرجة لا توصف، وقائمة على حساسيات أهلية وسياسية شديدة الخطورة، لأحداث تتعلق بالذاكرة الجمعية الأليمة المشتركة للسكان المحليين، ولحاضرهم المشترك البائس الذي كانوا يعيشونه، وأولا لطبيعة النظام السياسي الحاكم، الذي كان كثير الفوقية، وشديد الشمولية، ويلعب على تلك الحساسيات ويستغل تلك التناقضات.
في تلك البقعة الخاصة، كان للعبة كرة القدم الشعبية دور هائل في امتصاص وتشذيب وتهدئة كل التناقضات والحساسيات الأهلية تلك، لأنها كانت الفضاء الجمعي الوحيد الذي يمكن للمئات، وربما الآلاف، من شُبان ويافعي المدينة القلقة أن يلتقوا ويتفاعلوا حولها، وبسلمية طافحة، ومن دون أن يظهر لها من تأثير.
ففي كل زقاق وحي وجهة من المدينة، كان ثمة فريق شعبي ما لكرة القدم، وربما أكثر من فريق واحد. يتألف هذا الفريق من قرابة عشرين فردا، مع مدربين ومشرفين ومدراء. إلى جانب ذلك التكوين، فإن الفريق الشعبي كان يجذب المئات من شبان الحارة، الذي كانوا يتابعون ويتفاعلون وينشغلون بأوضاع الفريق ونشاطاته وأخباره وتدريباته وتفاصيله لحظة بلحظة، حتى أنها كانت المحرك الاجتماعي الأكثر حيوية في حياة هؤلاء.
لكن أهم ما في الأمر كان عاملين أثنين، قيمة الولاء الذي كان يحمله هؤلاء الألتراس المحليون للغاية تجاه الفريق المحلي، ومزيج من الشعور بالتضامن والتمثيل والوفاء. كانت حكايات وقضايا الفريق تغطي جزء مهما من أحاديثهم اليومية، يتركون أعمالهم ودراستهم لأجل متابعة نشاطاته، يتحسرون لخسارته ويُغبطون لفوزه، ويساهمون قدر المستطاع في مؤازرته بالمال والتشجيع، ويحصلون منه على الكثير من المعنى والانشغال والتعبير عن الذوات المحلية بشكل جمعي.
كانت الفرق الشعبية تغطي جزء كبيرا من الانشغال العام والحياة الفردية لهؤلاء الشبان. وعن طريق الاهتمام بالفرق يتواصلون بكثافة ويعبرون بحميمية، يلتقون ويتزاورون ويعيشون كل تفاصيل حيوات بعضهم البعض، ينتجون أعرافا وقيما واحتراما متبادلا في مجالهم العمومي ذاك.
المسألة الأخرى كانت تتعلق بما كان يوفره هذا التنافس والصعود بين مختلف شبان حارات المدينة. فضاء تفاعلي على مستوى المدينة وسكانها، فالعشرات من الفرق التي كانت تتواجه بشكل يومي كثيف في مختلف الساحات والملاعب، التي كانت تعد بالعشرات، إنما كانت تحقق للاعبين والمتابعين أمرين بالغي العمق، فمن جهة كانت تمنح الكل اعترافا بالكل، التي هي حسب قول مأثور للمفكر، فرانسيس فوكوياما، إنما أُس الفكرة الديمقراطية. كذلك فإنها كانت تعطي فرصة مثيرة لأن يعبر الجميع عن أنفسهم، وفي فضاء بالغ العدالة والسلمية، فجميع المنخرطين كانوا يخضعون لنفس الشروط بمساواة تامة، ومن دون أي استبعاد لأي أحد.
لأجل ذلك بالضبط، فإن فرص الصعود والبروز إلى الأندية الاحترافية، وحتى للمنتخب الوطني، كانت متوفرة للكل. وربما كانت تلك المنصة الوحيدة في البلاد لنوع ما من المساواة.
منذ أوائل الألفية الجديدة، تحطم كل ذلك، وبتقادم لا يمكن مقاومته. اختفت معظم الفرق الشعبية التي كانت في حوارينا القديمة، والذي بقي منها تحول إلى مجرد مجموعة صغيرة من أشباه المتدربين، الذين صاروا يذهبون إلى ساحات اللعبة كما تذهب سيدات ورجال الطبقة البرجوازية إلى صالات التنحيف، مزيج من حس ممارسة الواجب البيروقراطية والفردية السلوكية، المغلفة بالصمت وحفظ المسافات والتراتبيات الاجتماعية، ومن دون أي تداخل أو تفاعل بين الحاضرين، أو بينهم وبين المحيطين بهم.
حدث ذلك بالضبط حينما صارت كرة قدم الأندية الأوروبية تطغى على المشهد العالمي، لما غدت أندية برشلونة وريال مدريد ومانشستر ويوفنتوس هي جوهر وكل الحكاية الرياضية بالنسبة لعشرات الآلاف من اليافعين والشُبان هؤلاء، وأولا لما صار اللاعبون في هذه الأندية يحتلون مكانة الأبطال الرمزيين في انشغالات ومتابعة واهتمام هؤلاء الشُبان.
صارت تفاصيل الحياة الشخصية لميسي ورونالدو تحتل منصة الكلام: ماذا يأكلون وكيف يتصرفون وأين يقضون أجازتاهم وأسماء أولادهم وأحوال عائلاتهم وطبيعة اهتماماتهم التفصيلية. ذلك الطغيان الذي مزق اهتمام آلاف الشبان بحيوات أبطالهم الشعبيين المباشرين، الذين كانوا، وكانت أحوالهم، جزء وتعبيرا عن أحوال هؤلاء الشبان أنفسهم، لأن اللاعبين المحليين هؤلاء كانوا جزء حيويا من مجتمعاتهم، بكل تفاصيلها وأوجاعها وشيفراتها.
اختفى الأفراد الذين كانوا يتجهزون بعد ظهيرة كل يوم للذهاب إلى الساحات والملاعب العامة، الذين كانوا يحملون أولادهم وأنواعا من الأطعمة السريعة وعدة الجلوس، يتسامرون ويتمازحون ويتحدثون لساعات مع جالسين آخرين من أبناء حيّهم أو أحياء أخرى من المدينة، الذين ترتفع أصوات أهازيجهم وضحكاتهم وأحزانهم أثناء المباريات، التي كانت احتفالا أكثر من أي شيء آخر.
بدلا عنهم، صعد المتابعون الصامتون لمباريات الأندية العالمية، المدمنون على الصمت والانفعال الفردي، شبان بأوزان ثقيلة ومهارات اجتماعية خفيفة.
ميسي ورونالدو وغيرهم من النجوم، وما يحيط بهم من عالم الأندية المغلفة بالمال الوفير بما لا يصدق، والمركزية الرمزية المهيمنة على عقول وأرواح النسبة الأعظم من شبان كوكب الأرض، بما في ذلك شبان حارتنا القديمة، إنما يقدمون نموذجا لآليات تلك المركزية والفوقية على تحطيم الذوات المحلية وروحها التي كانت شديدة الثراء، فصارت بالغة الكسل، وحيث أن هذا الأخير هو أريكة التطرف، أكثر من أي شيء آخر.
