سودانيون مشاركون في حراك شعبي في الخرطوم يطالبون فيه بإعادة الحكومة الانتقالية وتسليم السلطة للمدنيين.
سودانيون مشاركون في حراك شعبي في الخرطوم يطالبون فيه بإعادة الحكومة الانتقالية وتسليم السلطة للمدنيين.

هناك حاجة ضرورية لإعادة توضيح المفاهيم ووضعها في سياقها الصحيح في العالم العربي المشغول بإعادة ترتيب نفسه، والمأزوم بالإخفاقات في كل ترتيب جديد يحدث.

كنت في مقال سابق قد تحدثت عن الأردن وعملية الإصلاح فيه كنموذج من نماذج العالم العربي الأكثر تجليا ربما، وفي المقال ذكرت أن الحديث عن حكومات ديمقراطية ذات صبغة برلمانية بتمثيل حزبي قبل ترتيب "بنية" الدولة نفسها، أو استعادتها كمفهوم صحيح للدولة ككيان مؤسساتي قانوني جامع، يشبه وضع العربة لا أمام الحصان فقط، بل أمام فراغ إذا افترضنا أن الدولة هي الحصان المفقود هنا.

الأمر نفسه ينسحب على كل عالمنا العربي المتعطشة شعوبه لنماذج الدول الغربية، لكنها نسيت أهم مكون لتحقيق النموذج الديمقراطي الصحي والسليم، وهو وجود الدولة، وتلك ليست مسؤولية "السلطة" وحسب، بل مسؤولية الوعي الجمعي المفقود أساسا بعد عقود طويلة من الفساد والترهل ومنظومة شبكات بديلة عن "المؤسسات والقانون"، استمرأت الشعوب العربية استحداثها بالتراكم التاريخي.

في بلجيكا مثلا حيث أقيم وأعيش وأعمل، وهي من النماذج الديمقراطية الغربية المثالية في الحكم الديمقراطي، غابت الحكومة الحزبية عن الوجود مدة ٥٨٩ يوما، وبقيت بلجيكا بلا حكومة حتى عام ٢٠١١، ودخلت بلجيكا موسوعة "غينيس" في تلك السابقة التاريخية بغياب حكومة منتخبة، لكن الدولة كانت موجودة وحاضرة بمؤسساتها القوية والمتينة وبقيت مصالح العموم تسير على نسق مؤسساتي ضمن حكم القانون بلا أي عثرات تحت ظل حكومة تسيير أعمال معينة، إلى أن توافقت الأحزاب على حكومة ترأسها شخص هو ابن مهاجرين إيطاليين، وعادت الحكومة المنتخبة إلى الحياة في المشهد السياسي البلجيكي الذي صانت وجود الدولة فيه المؤسسات وحضور القانون.

في الولايات المتحدة التي يراها الكثير نموذجا للديمقراطية ( وهي حقيقة نموذج ديمقراطي ) أصر الآباء المؤسسون على فكرة الدولة في وثيقة التأسيس، وضع مفهوم الدولة كحجر أساس قبل كل شيء، وتعظيم المؤسسات والقانون فوق الأفراد، ثم الحديث بطريق مواز عن الحياة الديمقراطية، ومن هنا يمكن فهم الإصرار الأميركي، بعد أحداث اقنحام متطرفين يمينيين مبنى الكونغرس عقب انتخاب الرئيس، جو بايدن، على ترسيخ مفهوم الدولة ورمزيتها قبل الحديث عن "الديمقراطية".

في عالمنا العربي عموما، هنالك خلط فادح الخطيئة بين المفهومين، وإصرار على بناء العربة المزركشة بكل زينتها الديمقراطية الملونة، قبل أن نضع الحصان ( الدولة) في مكانه.

إن عربة مزركشة كاملة الزينة والرفاهية لن تتحرك سنتمترا واحدا بدون حصان يجرها، وإن ذات العربة بكامل ألقها لا يمكن أن تسير مسافة طويلة وهي مربوطة بحصان هزيل تنقصه العافية، بمعنى دولة حقيقية مدججة بوعي مؤسساتي سليم.

الطريق طويلة نحو مفهوم الدولة في عالمنا العربي، نظرا لتراكم الجهل بمعناه المؤسساتي الحقيقي، وغياب الوعي الجمعي خلق مؤسسات الفساد وانتشار وهم "الروح الوطنية" الذي يمكن تلبيسه على أي فئة تملك القوة العسكرية، أو تملك النفوذ المجتمعي عبر "التدين" ووضع الحلول في يد السماء !

الديمقراطية "مكتملة" نظريا في لبنان، لكن غياب الدولة المؤسساتية لحساب المحاصصات الطائفية وضع عربة الديمقراطية في منتصف الطريق بكامل زركشتها وبهرجتها اللونية متوقفة، لأن الدولة نفسها غابت وحضرت "الزعامات"، وجماعات المصالح تتصارع على السلطة بالوكالة عن دول الخارج.

ولك أن تقيس ذات الأمر في السودان وتونس والعراق وباقي الدول التي انتفضت شعوبها للبحث عن نموذج ديمقراطي، يمكن فيه تداول السلطة! أي تداول في غياب المفهوم المؤسساتي المتين والمجرد للدولة، ككيان يجمع الجميع على اختلاف آرائهم تحت سلطة القانون وضوابط الدستور المتفق عليه؟

العالم العربي، بحاجة إلى انتفاضة وعي مجتمعي تنفض عنه أول ما تنفض العشائرية والطائفية والإقصاء الديني والمتحدثين باسم السماء أيا كانوا.

بغير ذلك، ستبقى العربة بكل ألوانها المبهرة مجرد عربة تشبه عربات قصص الخيال ولا حصان.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.