العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في لقاء مع وجهاء عشائر البلاد يتحدث عن مسارات الإصلاح في البلاد
العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في لقاء مع وجهاء عشائر البلاد يتحدث عن مسارات الإصلاح

في الأيام المقبلة وقبيل بدء أعمال البرلمان، ستقر الحكومة الأردنية التصور النهائي لمخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، وبالأخص مشروعي قانوني الانتخاب والأحزاب، وبالتزامن أعلن وزير الدولة للشؤون السياسية والبرلمانية، موسى المعايطة، أن الحكومة تضع اللمسات الأخيرة لخطة تنفيذية لمتابعة التوصيات المتعلقة بتمكين المرأة والشباب، والإدارة المحلية.

لم تسلم اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية من حملات التشكيك والتخوين، واستُهدف بعض أعضائها على منصات التواصل الاجتماعي حتى اضطروا للاستقالة، وراج انطباع بين النخب السياسية أن جهات نافذة في الدولة تُحاربها، وقيل إن خبراء في الأمن السبيراني تتبعوا الحملات الممنهجة ضد بعض أعضاء اللجنة، وتوصلوا إلى أدلة تفيد بأنها ليست عشوائية.

المشكلة ليست في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، بل بالثقة في الحكومة، وبجدية الدولة في إحداث تحولات حقيقية، والتقدم بخطوات ثابتة لإنجاز إصلاح سياسي.

يبني الناس مواقفهم من مخرجات اللجنة الملكية بالاعتماد على سلسلة من التجارب التي انتهت إلى الإخفاق، ويسترجعون تاريخا من المبادرات، وحتى التعديلات الدستورية لم تضمن تقدما في المسار الديمقراطي، ولم تسهم في صيانة الحقوق والحريات.

يتقدم العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، الصفوف للدفاع عن مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، ويسعى في لقاءاته مع رؤساء وزراء سابقين، وشخصيات سياسية نافذة في النظام إلى بث الأمل، وإلى تقليص مساحة المعارضة والنقد للوثيقة التي قدمتها اللجنة، وأصبحت في حيازة الحكومة، وقريبا ستكون بين يدي البرلمان.

يعرف الملك قبل غيره أن خصوم التغيير داخل بنية النظام نفسه، وأن بعض رجالاته الذين تقلدوا المسؤولية في حكمه أو في حكم أبيه -الراحل الملك الحسين- هم في طليعة المناوئين لمحاولات تغيير الوضع السائد، ولا يزال وصف "الديناصورات" الذي أطلقه الملك قبل سنوات في حديثه لإحدى المجلات الأميركية عمن يعارضون التجديد في الحياة السياسية في الأردن حاضرا.

تستنفر الحكومة قواها استعدادا لمعركة تمرير مخرجات اللجنة الملكية، ولهذا فهي منشغلة في بناء تصور لانتخابات رئاسة مجلس النواب، فمن يجلس على كرسي الرئاسة له اليد الطولى في تقليص الصراع والتجاذبات مع الحكومة، ولا يسمح بفتح الباب لإطلاق النيران من بوابة المخرجات على الحكومة، فكل التقديرات تعتبر أن معركة إقرار مخرجات اللجنة آخر الاختبارات للحكومة.

خارج حسابات البرلمان ينشط الوزير المخضرم، موسى المعايطة، -العضو الوحيد من الحكومة في اللجنة الملكية- في حشد التأييد لوثيقة ومخرجات تحديث المنظومة السياسية، ويعلى صوته مطالبا المجتمع المدني بالانتصار لها، ويلتقي المؤسسات الدولية شارحا أهمية الوثيقة كركيزة لتعزيز الديمقراطية.

رئيس اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، رئيس الوزراء الأسبق، سمير الرفاعي، حين سلم الوثيقة للملك، اعتبر أن عملها كان تمرينا ديمقراطيا بامتياز، وخاصة القدرة على إدارة التعددية، والاختلافات، والوصول للتوافقات في سبيل بناء النموذج الديمقراطي الأردني.

استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية مثير للإحباط، فالأرقام تقول إن 68 بالمئة من الأردنيين لا يثقون باللجنة الملكية، و69 بالمئة غير متفائلين بمخرجاتها، وأكثر النقاشات لم تعاين الوثيقة بعمق، وتوقفت عند مصطلحات مثل "الهوية الجامعة" لتستخدمها في التشويش، وإثارة جلبة بأن ذلك مقدمة لمؤامرة على الأردن، ومخطط لتوطين الفلسطينيين، وطمس الهوية الأردنية.

لا تحتاج القراءة المنصفة لنص مخرجات الوثيقة إلى جهد للخروج بانطباع بأنها خطوة للأمام نحو إصلاح الحياة السياسية، وهنا نعاين النص ولا نتحدث عن التطبيق، ولا نختلف أن ما قدم ليس الأمثل، ولكن لا يوجد تصور واحد يمكن أن يتوافق عليه الأردنيون والأردنيات.

باستثناء بعض التعديلات الدستورية التي قدمتها اللجنة، واختلف معها، فإن المقترحات لقانون الانتخاب بإضافة القائمة الوطنية للأحزاب وإعطائها 41 مقعدا، واشتراط وجود عتبة 2.5 بالمئة، وإلزام القوائم بأن يكون هناك امرأة في أول ثلاثة مترشحين، وأيضا شاب أو شابة دون 35 عاما في أول خمسة أسماء، يعد محاولة حثيثة لتكريس وجود الأحزاب في البرلمان، وتمكين الشباب والمرأة، وهو أفضل مما هو سائد ومعمول به حاليا.
 
الأمر لا يتوقف عند حدود الأرقام سواء للقوائم الوطنية، أو الدوائر المحلية، والحقيقة أن المقترحات تجديدية وتستحق المحاولة، والتركيز على منظومة نزاهة العملية الانتخابية، وتشديد العقوبات على المال الفاسد، والإفصاح عن مصدر تمويل الحملات الانتخابية كان توجها فعالا.

الأهم في وثيقة مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية ولم يحظ بالاهتمام والنقاش هو "الوثيقة المرجعية"، أو ما سميت الرؤية الوطنية لتحديث المنظومة السياسية، وباعتقادي إن الصفحات القليلة التي كتبت كتأطير للمقاربات التي حكمت المسار السياسي في الأردن بعد مرور 100 عام على تأسيس الدولة هي الجوهر، وهي القواعد التي تؤسس لتوافقات مجتمعية لفهم الديمقراطية الأردنية.

تشير الوثيقة المرجعية إلى مرور 70 عاما على الدستور الأردني الذي وصفته بـ "عامود البيت" للنظام السياسي والعقد الاجتماعي الذي ينظم علاقة الدولة بمواطنيها، وتعرج بشكل عابر ولكن مهم إلى إخفاق أول تجربة لحكومة برلمانية عام 1956، وترجع ذلك إلى خلط الحكومة بين مفهوم الولاية الدستورية والاستفراد بالحكم، ومنح الامتدادات العقائدية الخارجية الأولوية على الاعتبارات الوطنية.

وتعترف الوثيقة المرجعية أن النظام السياسي اعتمد في العقد الأول من القرن الجديد على مقاربة التكيف الإيجابي مع التحولات الكبرى التي أحالت البيئة الاستراتيجية الأمنية إلى حالة من الهشاشة بعد غزو العراق.

توصف الوثيقة بالنموذج الوطني الديمقراطي الذي يناسب الأردنيين، فتراه وطنيا نابعا من الداخل، ويعكس الإرادة السياسية، ولا يقبل الوصفات الخارجية، أو التدخل الخارجي، وكذلك ديمقراطية تعمل لصالح الجميع، وتبدد مخاوف أي مكون اجتماعي، وتُكرس العدالة وتكافؤ الفرص، وتحمي التنوع، وتزيد من كفاءة النظام السياسي في الإدماج، وأخيرا تكريس مفهوم أن الديمقراطية مصلحة للأمن الوطني لا يقبل التذرع بالاعتبارات الأمنية لإلغاء الديمقراطية، أو تقييد الحريات العامة.

مهمة الوثيقة المرجعية التي همشت، وهي المثيرة للجدل، ولا أعرف هل تُعمد عدم تسليط الضوء عليها لتمر لأنها تطرح قضايا إشكالية، أم أن النقاش عادة ما ينصرف إلى الاستحقاقات المباشرة مثل قانون الانتخاب؟

تحظى مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية بدعم من رأس الدولة، وما هو لافت أيضا أن مدير المخابرات -وعلى غير العادة- اجتمع مع الصحفيين في لقاء مطول ليُعلن صراحة عن مساندته لتوجهات الإصلاح، وعلى رأسها مخرجات اللجنة الملكية، ورغم هذا الدعم والتهليل فإن مخاض اللجنة الملكية كان عسيرا وصعبا، وما حدث أشبه بولادة من الخاصرة، والمآلات ليست مضمونة النتائج.

رئيس اللجنة الملكية سمير الرفاعي يعلن أن إدارة في الديوان الملكي ستراقب إنفاذ مخرجات العمل، ومجلس النواب سيمرر مشروعي قانون الانتخاب والأحزاب من دون تعديلات جذرية، والحكومة وضعت خطة لتنفيذ التوصيات، والسؤال هل يحدث كل هذا فرقا؟ وهل نشهد انفراجا سياسيا؟

على أهمية كل ذلك، فإن الناس يهتمون بما يحدث في واقعهم، ينشغلون في تصريحات عن فساد في الدواء والغذاء، ينزعجون من ضيق صدر المسؤولين من النقد، ويرفضون بالمطلق أن تستخدم السلطة قبضتها الحديدية ضدهم.

خطوات مثل قرار المحكمة بإلغاء حل مجلس نقابة المعلمين، أو إطلاق سراح الموقوفين، أو المسجونين على خلفية قضايا حرية التعبير، هي المدماك الأساسي للإصلاح السياسي بالتوازي مع تعديل التشريعات والسياسات التي تبني قواعد راسخة للمسار الديمقراطي.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!