دبابة محطمة في تيغراي
معارك مستمرة بين القوات الحكومية والمتمردين في تيغراي.

عامُ على النزاع بين الرئيس الإثيوبي آبي أحمد وأقلية التيغراي، أخذ بالبلاد إلى حافة الحرب الأهلية، مع توسع رقعة الحرب، جمود المسار السياسي، وتدهور الواقع الإنساني.

النزاع الذي بدأ في 4 نوفمبر 2020 بسبب عملية لجبهة تحرير تيغراي الشعبية ضد قوات إثيوبيا واعلان آبي أحمد بعدها حملة عسكرية على الإقليم والجبهة، بات اليوم يشمل شمال إثيوبيا وأقاليم أفار وأمهارا وأوروميا. 

آبي، حامل جائزة نوبل للسلام لاتفاقه مع أريتريا في 2018، أقحم بلاده وبمساعدة أريتريا في حرب بدأت تفتتها جغرافياً وتعزلها سياسيا واقتصاديا. الرئيس الإثيوبي ارتأى أسلوب التحدي مع جبهة تيغراي بعد قضم صلاحياتها السياسية، ومن ثم خرج عن الإطار العسكري المحدود ورصد تحالفاً مع أسياس أفورقي في أريتريا لمساعدته في حرب ضد شعبه. 

حرب آبي وأفورقي في تيغراي فشلت على الأرض بعد خسائر تكبدها الجيشان، ومع توسع جبهة تيغراي وسيطرتها على العاصمة الإقليمية ميكيلي ومن ثم هذا الأسبوع سيطرتها على 3 بلدات في إقليم أمهارا، بشكل يضعها 350 كلم عن العاصمة أديس أبابا. 

تحالف جبهة تيغراي مع قوات أورومو يجب أن يقلق آبي، فبعد عام من القتال، خصومه يتحدون بينما هو غير قادر على الحفاظ على تحالفاته وبات أكثر اعتمادا على القوة الجوية إلى درجة أنه ذهب، وبحسب الإدارة الأميركية، باتجاه إيران أخيراً لشراء طائرات بدون طيار. 

التحالف بين تيغراي والأورومو يشكل أيضا جبهة إثنية واسعة في إثيوبيا، وباعتبار شعب الأورومو أكبر أقلية في البلاد (34 في المئة)، فيما أقلية التيغراي ورغم كونها 6.1 في المئة من مجموع السكان، لديها نفوذ تاريخي واقتصادي في إثيوبيا. 

مشكلة آبي أحمد أنه لا يريد مفاوضة معارضيه، فيما الحرب تمتد ومأساتها البشرية والإنسانية تنذر بعودة إثيوبيا الى 1974 والحرب الأهلية التي استمرت حتى 1991. 

آبي أيضا منعزلٌ إقليميًا بعد خلافه مع مصر بشأن السد، وخلافه مع السودان حول اللاجئين، وإغلاق كينيا حدودها هذا الأسبوع بسبب اتساع الحرب. بالمقابل يرد آبي بلغة الحرب والتهويل ويدعو مواطنيه إلى تجنيد أنفسهم. 
الورقة الاقتصادية التي امتلكها آبي بدأت تنهار أيضا بسبب الركود، الاقتتال الداخلي وفقدان المستثمر الخارجي ثقته بإثيوبيا. أميركا تلّوح بعصا العقوبات وإلغاء امتيازات أديس أبابا التجارية أول العام، ولا الصين ولا روسيا ولا الخليج يريدون الاستثمار في دولة تتمزق ونظام غير قادر على جلب الاستقرار. 

هذا المسار مؤرق ومخيف لإثيوبيا ويعني في حال عدم استنهاض المسار السياسي سريعاً، دخول البلاد في حالة الحرب الأهلية بات شبه حتمي. هكذا منزلق لن يكون سهلاً أو قصيرا، وشبح المجاعة والتشرد بدأ بالعودة إلى إثيوبيا وبسبب حصار آبي لشعبه. 

مبادرة الاتحاد الأفريقي هي النافذة الوحيدة والضيقة للعودة إلى المفاوضات وتجنيب إثيوبيا الغرق في وحول الماضي الأليم. تعنت آبي أحمد لن يفيد وتوحد خصومه يعني أياماً صعبة أمام إثنيات إثيوبيا إلى حين انبلاج الحل.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!