(FILES) In this file photo taken on July 30, 2010, Lebanese (top) and Saudi national flags fly in the Lebanese capital Beirut. …
مخاوف من أن يمتد حظر السلع إلى دول خليجية أخرى

سمح تدهور الأزمة بين المملكة العربية السعودية وعدد من دول مجلس التعاون الخليجي، من جهة ولبنان، من جهة أخرى بقياس حجم العبء الذي يمثّله "حزب الله" على غالبية اللبنانيين.

وقد حاول "حزب الله" نسف رمزية انحياز هذه الأكثرية اللبنانية لمصلحة المطالب السعودية، بتوجيهه إليها تهماً تبدأ بـ"التبعية" ولا تنتهي بـ"النفعية".

ولكنّ هذه التهم التي تصح، من دون أدنى شك على نوعية علاقة "حزب الله" بإيران، لا تصح في وضعية غالبية مَن وجدوا في "الحدث السعودي" مناسبة جديدة للإعراب عن "ضيق صدورهم" من وطأة "حزب الله". 

في الواقع، لقد وجدت قوى سياسية، في السلوك السعودي التصعيدي، نوعاً من الدعم الاقليمي لتفصح عمّا كانت تُضمر قوله، ولتتقدّم في اتجاه ما كانت تنكفئ عنه، في حين أنّ القوى الشعبية، ونعني بها جماعات ومواطنين عاديين، اعتبرت أنّ رؤيتها المناهضة لـ"حزب الله" قد ترسّخت في الخارج.

وهذا يفيد بأنّ الخارج هو مَنْ لاقى اللبنانيين وليس العكس، كما يزعم "حزب الله".

وليس خفيّاً، في هذا الإطار، أنّ شعبية فرنسا عموماً وشعبية رئيسها إيمانويل ماكرون، قد تدهورت، بشكل دراماتيكي، في لبنان، حين انكشفت الصلات الرسمية التي تربط باريس بـ"حزب الله"، وبعدما جرى التوافق بين ماكرون ونظيره الإيراني إبراهيم رئيسي على إشراك الحزب في تشكيل الحكومة الحالية.

ولا يتوقف كثيرون عند التداعيات المالية والاقتصادية للتصعيد السعودي، على اعتبار أنّ الكارثة وقعت، قبل ذلك، وهي كانت ستنمو حتى لو أبقت الرياض سياستها اللبنانية عند مستوى "عدم الاكتراث"، ودليلهم على ذلك أنّ الحكومة التي حيكت  "أساطير" عن "إمكاناتها الإنقاذية"، أدخلها "حزب الله" في الغيبوبة، بعد ثلاثة أسابيع فقط من انطلاقتها، لأنّه شاء أن يفرض عليها وظيفة غير دستورية تقضي بالتخلّص من المحقق العدلي في انفجار مرفأ بيروت طارق البيطار،  انطلاقاً من معلومات تفيد بأنّه يريد تعميق تحقيقاته عن قرائن من شأن ثبوتها تبيان تورط هذا الحزب في أكبر  جريمة ضربت لبنان.

ولأنّ المسألة كذلك، يركّز هؤلاء على التغييرات التي يمكن أن يُنتجها "الغضب السعودي"، لأنّها وحدها قادرة أن تفتح كوّة في جدار الأزمة اللبنانية السميك.

وعليه، فإنّ الملاحظ أنّ انعكاسات هذا "الغضب السعودي" تخطّت القوى المعارضة تقليدياً لـ"حزب الله" لتصل الى تلك التي كانت تتحالف معه أو تسايره.

إنّ الكلمة التي وجهها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، بعيد عودته من "قمة المناخ" حيث اجتمع على هامشها بعدد من الشخصيات الدولية، ومن بينهم الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وأمير قطر تميم بن حمد، ووزير الخارجية الأميركي انتوني بلينكن، تميّزت بنبرتها العالية ضد سلوك "حزب الله" الذي يعطّل الحكومة ويقف خلف منع وزير الإعلام جورج قرداحي- صاعق تفجير الأزمة - من الاستقالة، على الرغم من أنّ هذه الاستقالة هي شرط لا بدّ منه، لإطلاق حوار لبناني - سعودي يعيد الحال، بالحد الأدنى، إلى ما كانت عليه، بعدما كان طموح البيان الوزاري تطوير العلاقات، بهدف إعادتها الى طبيعتها التفاعلية الإيجابية.

ولا يقف ميقاتي وحده في هذا المسار، إذ إنّ المعلومات كما الإشارات تبيّن أنّ رئيس الجمهورية ميشال عون، وهو حليف "حزب الله"، يدعمه، بقوة.

وبالفعل، بالتزامن مع كلمة ميقاتي، صدر بيان غير مسبوق عن وزارة الخارجية اللبنانية التي هي بعهدة الوزير عبد الله بو حبيب المحسوب على عون، عبّرت فيه عن "إدانتها واستنكارها الشديدين للمحاولة الفاشلة للاعتداء بواسطة طائرتين مفخختين على المملكة".

وقد أورد البيان أدبيات بدت، للوهلة الأولى، أنّها صيغت في العاصمة الإماراتية وليس في العاصمة اللبنانية.

وكانت أولى بوادر الأزمة اللبنانية السعودية قد انطلقت، عندما رفضت وزارة الخارجية اللبنانية، وكان على رأسها يومها رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، اتخاذ موقف مندّد بالهجوم "الحوثي" على منشآت "أرامكو" النفطية.

وقد جاء موقف وزارة الخارجية اللبنانية، أمس على الرغم من بقائها في عهدة الفريق السياسي نفسه، في إطار مسار يتناقض، كلياً، مع المسار السابق.

وهذا يعني أنّ "الغضب السعودي" والتأثيرات الشعبية التي تركها، بدأت تُعطي ثمارها، إذ يسعى الجميع، بالملموس، هذه المرّة، إلى فكّ ارتباطه الشامل بإرادة "حزب الله".
 
في واقع الحال، لقد فضحت "دردشة" مسجّلة بين وزير الخارجية اللبنانية ومراسلي وسائل الإعلام الخليجية في لبنان الذين "سرّبوه" إلى صحيفة "عكاظ" السعودية، أمام الرأي العام، الوجه الخفي لحلفاء "حزب الله" في لبنان، بحيث اتّضح، بما لم يعد يقبل أدنى شك، أنّ "تواطؤهم" مع هذا الحزب، على حساب المصلحة العامة، يعود إلى شعور بهزيمتهم أمامه، من جهة وحاجتهم الى "خدماته السلطوية" من جهة أخرى.

وقال أبو حبيب، في نهاية هذه "الدردشة"، إنّه، في يوم من الأيّام، ردّ على الضغط الذي كانت إدارة الرئيس دونالد ترامب تمارسه على لبنان للوقوف في وجه "حزب الله"، على الشكل الآتي: "إذا أرسلتم إلى لبنان مائة ألف مارينز وخلّصتمونا من حزب الله، وأردتم أن تحتفلوا بذلك، فنحن من سيقدّم الشامبانيا".

ولم يصل معارضو "حزب الله" المعلنون إلى النطق بمستوى هذا الحديث الذي نطقت به شخصية محسوبة على فريق حليف للحزب.

وكلّ هذا ليس سوى غيض من فيض عن حقيقة نظرة اللبنانيين الى "حزب الله".

إنّ "حزب الله"، ولو حاول تمييع هذه الحقيقة اللبنانية بادّعاءات وحجج وتهجّمات واتّهامات مختلفة، إلّا أنّه يدرك إدراكاً تاماً أنّ موقعه الدقيق هو خارج قلوب اللبنانيين، ولذلك تجده، بين الفينة والأخرى، يُذكّر بقوته العسكرية وبقدراته الأمنية.

وعندما تحدّث الأمين العام للحزب حسن نصرالله عن "أسطورة" المائة ألف مقاتل، إنّما كان يستهدف في كلامه جميع هؤلاء الذين يمكن أن يفكروا بـ"تجاوزه" يتقدّمهم الجيش اللبناني، بعدما ثبت، بالوجه القاطع، أنّ اشتباكات الطيّونة التي ينسبها الحزب كلّياً، الى "حزب القوات اللبنانية"، قد بدأت مع قوة من الجيش كانت قد فتحت النيران على مجموعة تابعة للثنائي الشيعي، اعتدت عليها، في محاولة منها لاقتحام منطقة عين الرمانة.

بطبيعة الحال، لن يستسلم "حزب الله" لهذا "التمرّد" اللبناني، رسمياً وسياسياً وشعبياً، عليه، وسوف يتوسّل كلّ إمكاناته لقلب الطاولة على الجميع، ليُعيد الإمساك بزمام الأمور، ولكنّ الأكيد أنّ إدراك اللبنانيين، على أيّ مستوى كانوا، أنّ سياساته هي التي تقف وراء مآسيهم المتلاحقة، سوف يُصعّب عليه هذه المهمة، لأنّ "عشّاق السلطة" يتنازلون عن مبادئهم، ليكونوا في "واجهة محترمة" وليس في "معصرة" يمكنها أن تحوّلهم الى "نفايات سياسية" يلعنها الحاضر والتاريخ في آن، ولأنّ الرأي العام يمكن أن "يصمت" على أيّ تنازلات إذا كانت تنعكس على أوضاعه إيجاباً، ولكنّه يستحيل أن يقبل بها إذا أمعنت في تأجيج نار جهنّم التي تلتهمه.

وبهذا المعنى، فإنّ "الغضب السعودي" يُمكن أن يرتد إيجابياً على لبنان، إذا ما ثابرت القوى السياسية والشعبية، الدفع في اتجاه إجبار "حزب الله" على إدخال تغييرات أساسية في سلوكه، بحيث تبدأ المعالجات بترييح الدولة من بعض أعباء... الدويلة.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.