نحن هنا أمام مغالطة أولية تكذب في مفهوم الحرية الفردية نفسه
نحن هنا أمام مغالطة أولية تكذب في مفهوم الحرية الفردية نفسه

لنحاول أن نتخيل أنفسنا أمام مجموعة من المدافعين عن الحداثة وحقوق الإنسان والحريات الفردية والمساواة. بسبب مطلب معين تواجه به هذه المجموعة الدولة، سترفع شعار: "حجابي... عفتي".

لنحاول أن نتخيل أنفسنا على صفحة إحدى الشابات المنتميات لهذا التيار والمدافعات الشرسات عن المساواة وحقوق النساء، ونكتشف أنها كتبت في تعريف نفسها: "أميرة في بيت زوجي".

ببساطة، سنعتبر حينها أن هؤلاء الأشخاص لا يشبهون أنفسهم ولا الشعارات التي يدافعون عنها، وأنهم يستغلون هذه الشعارات أو القيم لأسباب أخرى، أو أنهم ربما مستعدون للتخلي عنها في أي مناسبة أتيحت لهم للتفاوض أو من أجل تحقيق مآرب أخرى.

هذا بالذات ما حدث مع عدد من التيارات المحافظة و/أو المناهضة لقيم الحريات الفردية، والتي تعتبر هذه الحريات فسادا وانحلالا... والتي خرجت فجأة، في المغرب، ترفع شعار "جسدي... حريتي".

لا تخافوا، هؤلاء لم يقتنعوا أخيرا بالحق في امتلاك الجسد كقيمة مطلقة. مشكلتهم فقط مع التلقيح ضد كوفيد 19. هذا التلقيح ذكّرهم، فجأة، بالحريات الفردية.

نحن هنا أمام مغالطة أولية تكذب في مفهوم الحرية الفردية نفسه. ببساطة، هذا المفهوم يتعلق باختيارات لا تمس أرنبة أنف الآخر. بمعنى أن الاختيارات الدينية والجنسية والعاطفية للفرد تدخل ضمن الحريات الفردية لأنها لا تؤثر على سلوك واختيارات الآخر. 

ببساطة، يمكنك ألا تصوم في رمضان، لكن هذا لن يفرض على جارك نفس الاختيار. هذا الجار سيستطيع أن يصوم ويصلي التراويح ويذهب فجرا للمسجد. يمكنك أن تمتنعي عن شرب المواد الكحولية، لكن الحريات الفردية ستضمن لزميلك أن يشربها، على ألّا يسبب أذى للآخرين عبر السياقة في حالة سكر مثلا. يمكنك أن تعيش اختياراتك الجنسية المثلية أو الغيرية بحرية، وبإمكان أختك أن تفعل نفس الشيء إذا كان ذلك قرارها (نعم نعم... لأن الحريات لا تتعلق بجسدك فقط بل بأجساد الجميع)، لكن ابن خالتك يستطيع أن يختار العكس وأن يقرر الامتناع عن كل علاقة جنسية خارج الزواج.

هذا هو مفهوم الحريات الفردية... وهو قطعا يتنافى مع موضوع التلقيح. لماذا؟ لأنك حين ترفض تلقيح نفسك، وتريد رغم ذلك أن تذهب للمسجد أو الكنيسة وللمستشفى ومكتب البريد والمقهى الذي يوجد قرب مقر عملك... فأنت تهدد حياة الآخرين الذي قد يهددون بدورهم حيوات غيرهم. 

الدراسات العلمية اليوم أثبت أن الأشخاص الملقحين قد يصابون بالفيروس (الرجاء، عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، أن توصلا هذه المعلومة لجيرانكم وزملائكم وحارس الأمن وابنة خالة سائق سيارة الأجرة، الذين مازالوا يتساءلون باستنكار: "أعرف شخصا أخذ جرعتين من التلقيح لكنه أصيب بالفيروس"). لكن التلقيح يقلل من الأعراض الخطيرة ومن مدى قدرة الفيروس على الانتقال من شخص A إلى شخص B بالتالي، فرفض التلقيح ليس حرية شخصية بقدر ما هو اختيار لن يؤثر فقط على صحتك وحياتك، بل أيضا على حيوات الآخرين. فأين الحرية الفردية إذن؟ 

الحكومة الألمانية، مثلا، أعلنت مع بداية نوفمبر عن الارتفاع المهول لحالات الإصابات بين الأشخاص غير الملقحين: 20 ألف حالة جديدة خلال 24 ساعة مع ارتفاع الحالات التي تستدعي الانتقال للمستشفى بنسبة 40٪ و15٪ في الإنعاش. نفس الدراسة في ألمانيا أثبت أن 40٪ من الأشخاص البالغين من العمر 70 سنة وما فوق يفقدون مناعة اللقاح بعد مرور ستة أشهر على الجرعة الثانية، مما يستدعي بالفعل جرعة تذكير ثالثة لاستعادة المناعة التي يوفرها اللقاح.

باختصار، لنعد لتعريف الحرية الفردية: الأخيرة تعني أن تقوم باختيار شخصي لا يؤثر على اختيارات الآخرين. حين يختار شخص التلقيح، فهو يحمي نفسه ويحمي غيره. حين يختار نفس الشخص عدم التلقيح، فهو لا يختار لنفسه فقط، بل لكل من قد يصادفه في بيته أو في عمله أو في الشارع والفضاءات العامة. فأين الحرية الفردية هنا؟ 

ثم، صدقا، على من كانوا يعادون كل مطالب الحريات الفردية أن يخجلوا من أنفسهم قليلا وهم يرفعون اليوم شعارات: "جسدي... حريتي!".

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.