هناك من أدمن على تصوير الغرب بأنه البعبع الذي يتآمر على العرب والإسلام والمسلمين
هناك من أدمن على تصوير الغرب بأنه البعبع الذي يتآمر على العرب والإسلام والمسلمين

في الأدبيات الإسلامية والعروبية عموما وحيثما تعلق الأمر بالغرب تشيع عبارات مثل "الغرب الكافر" و"الغرب الاستعماري" و"الغرب الماجن" كما توجه انتقادات شديدة إلى المنظومة الأخلاقية وكذلك السلوك العام لدى المجتمعات الساكنة في بلاد الغرب، والمقصود بها هنا هي الدول الأوروبية والولايات المتحدة وكندا وأستراليا.

وهناك أيضا من أدمن على تصوير الغرب بأنه البعبع الذي يتآمر على العرب والإسلام والمسلمين بهدف نهب ثرواتهم (أية ثروات هذه لا أفهم؟). 

لكن هذه الأدبيات والقائمين عليها يفشلون عادة في الإجابة على بعض الأسئلة البسيطة من قبيل: إذا كان الغرب هو على هذا النحو الذي يصورونه فلماذا يفضل المسلمون الهاربون من بلدانهم (أيا كانت الأسباب) اللجوء إلى الدول الغربية بالذات؟ لماذا يخاطرون بأنفسهم في البر أو البحر أو الجو من أجل الوصول إلى بر الأمان في هذه الدول؟ 

لماذا لا يذهبون إلى الدول الإسلامية نفسها أو إلى الدول غير الغربية مثل الصين أو الهند أو روسيا؟

وحتى أولئك الذين يجبرهم حظهم العاثر على البقاء فترة من الزمن في هذه الدول، فإنهم يتحينون الفرصة، أي فرصة، لمواصلة الهرب إلى الدول الغربية.
إذن، لا بد أن ثمة شيء مهم هو الذي يجذب هؤلاء إلى الدول الغربية، فما هو هذا الشيء؟

هذا السؤال عادة يتحاشى الإسلاميون وأصحاب نظريات المؤامرة الإجابة عليه، ويقدمون تفسيرات ما أنزل الله بها من سلطان. 

أما السؤال الآخر الذي لا يقل أهمية فهو: هل هناك علاقة مباشرة بين علمانية الدولة الغربية ونظامها الديمقراطي واحترام حقوق الإنسان وبين تقدمها واعتبارها وجهة محبذة للجوء وخاصة من قبل المسلمين؟

من الواضح أن الإجابة هنا هي نعم.  فعلمانية هذه الدول هي التي تجعلها تتسامح مع المعتقدات التي يحملها اللاجئون المسلمون، وإنسانيتها وأخلاقها الرفيعة هي التي تجعلها توفر لهم المساعدة والخدمات المعيشية مثل المسكن والطعام وما شابه. ولأنها دول ديمقراطية فهي أيضا تسمح لهم بتنظيم أنفسهم والتعبير بحرية عن آرائهم وأفكارهم.

والسؤال هو لماذا يرفض الكثير من سكان الشرق الأوسط تطبيق هذه القيم في بلدانهم، الأمر الذي من شأنه أن يجنبهم ويجنب غيرهم مشقة الهجرة واللجوء؟  

أما السؤال الآخر فهو: هل هؤلاء جميعهم يدركون حقا ما يحدث هنا؟ 
لأن بعض هؤلاء يتوهم أن وصوله إلى الدول الغربية لاجئا هو بمثابة وصوله إلى دار الحرب أو الكفر، وإذا استطاع فإن عليه أن يغزو هذه الدولة ويذبح سكانها أو يأخذهم سبايا وإماء!

بعض هؤلاء يتوهم أنه سوف يسيطر على هذه الدول كي يحولها إلى الإسلام، أو يقيم فيها النظام الإسلامي!

هناك من اللاجئين، وليس جميعهم بطبيعة الحال، من لديه مثل هذه الأفكار وهذه الدوافع والارتباطات مع تنظيمات إرهابية مثل داعش أو تنظيمات الإسلام السياسي، والمسألة تعتمد على مدى قدرة الأجهزة الأمنية والأجهزة المختصة في هذه الدول على تخليص هؤلاء من هذه اللوثة وهذا الجنون العقائدي وإعادتهم إلى سويتهم الطبيعية.

لكن السؤال الأكبر هنا يظل: لماذا تخاطر الدول الغربية باستقبال اللاجئين وتحميل نفسها ما لا طاقة لها به؟

الإجابة المتاحة هي أن هذه الدول تؤمن بحقوق الإنسان وتؤمن بقيمة الإنسان، وهي القيمة نفسها التي تهدرها الدول والمجتمعات الإسلامية على نحو يثير الأسى، بل لا قيمة له في الكثير من الأحيان.

من المؤلم حقا في الفترة الأخيرة متابعة قصص تزويج الفتيات الصغار في العراق وفي أفغانستان. وفي هذه الدولة الأخيرة بالذات يمكن للإنسان أن يبكي على الآدمية المهدرة وهو يرى كيف أن بعض العائلات الفقيرة تبيع فتياتها الصغيرات كي تتمكن من توفير الغذاء لباقي أفراد العائلة.

حين تحدث هذه المظاهر وغيرها في العالم الإسلامي مما يروع الإنسان والحيوان والجماد، يصبح انتقاد الغرب والقيم الغربية أمرا فجا وثقيلا وخائبا ولا يخدم سوى المتنفذين والمستبدين في الدول الإسلامية.

فالأولى هو إصلاح أحوال دولنا بدلا من انتقاد الآخرين. والإصلاح هنا ليس المقصود به الوصول إلى المستويات المتقدمة في مختلف المجالات فذلك بحاجة إلى وقت وجهود كبيرة، ولكن المقصود هو العمل على حل النزاعات والتناحر الطائفي والسياسي وتوفير الأمن والاستقرار والحياة الكريمة للإنسان في هذه الدول كي يتمكن من ممارسة حياته بصورة تحفظ له آدميته وإنسانيته.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.