الملك عبد الله مع رئيس الوزراء الأسبق اللبناني رفيق الحريري
الملك عبد الله مع رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري

عندما دعيت للمشاركة في مؤتمر" صورة الأردن في العالم في 100 عام"، من قبل الجامعة الهاشميّة بالتعاون مع وزارة الثقافة"، ترددت. فلست مؤرخة ولا متخصصة في العلوم السياسية؛ ولولا الأحداث اللبنانية المتعاقبة منذ اغتيال رفيق الحريري وما تلاها، لبقيت باحثة في علم النفس والعلوم الإنسانية وكاتبة مقال رأي من وقت لآخر.  

لكن هذا لا يمنع سؤال قد يشغل اللبناني:  

كيف نجح الاردن في التعامل مع التحديات التي فشل امامها لبنان؟ ولماذا؟ 

تأسس الاردن عام 1921، بقرار اتخذ في إطار معاهدات سايكس بيكو. وقبل ذلك بعام أعلنت دولة لبنان الكبير في الاطار نفسه، بعقد بين مكوناته بعد تجارب الحصول على كيانية مستقلة بدأت مع الأمير بشير.  

تلقى الأردن هجرة فلسطينية كبيرة، عام 1948 جراء الاحتلال الصهيوني، جعلتهم يشكلون ما يقرب من 70% من مواطني الاردن. تعرّض أيضاً لتدخل حركات الاسلام السياسي وعنفها. ومع ذلك استطاع النظام الملكي المركزي الأردني، التعامل مع التحديات الخارجية وإقامة توازن داخلي مكّنه من النجاة من المخاطر، حتى سمّي واحة استقرار. أما لبنان فواجهها بالانقسام السياسي الداخلي، الذي وصل أحياناً الى اقتتال وحرب أهلية. 

إن ما ساعد الاردن في الحفاظ على استقراره، اعتماده سياسات تسويية، تبتعد عن المواجهة بعقد اتفاقيات أمنية، وبنوع من التحييد الذاتي الضمني.  

عجز لبنان عن ذلك، مع أن تكوينه وميثاقه الوطني وممارساته، قبل اتفاق القاهرة وإدخاله جبهة المواجهة او المقاومة، قامت على النأي عن الصراعات . فلبنان لم يدخل حرب 1948 بل عمل بموجب معاهدة الهدنة. ولا دخل حرب 1967 ولم يخسر أرضاً في كليهما. لبنان قبل اتفاق القاهرة، ظل خارج محور دول المواجهة التي دخلت في حروب خاسرة نتج عنها احتلال العدو لمزيد من أراضيها، ومن استعاد أرضه بمعاهدات تم اغتياله. لبنان تعرّض للاجتياح بعد تحويله جبهة مقاومة.  

مع الاشارة الى أن لبنان اتسم بالازدهار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي وتمتع بالاستقرار، في الحقب التي حافظ فيها على حياده وامتنع عن المشاركة في الحروب او الصراعات، بموافقة عربية على اعتباره "بلد مساندة وليس بلد مواجهة".   

بعد مائة عام 

جاءت ذكرى مئوية تأسيس دولة الأردن بعد عام واحد على مئوية تأسيس دولة لبنان الكبير. وشتان ما بين الحالين. ما دعا العاهل الاردني الى التوسط مع واشنطن لمساعدته في الحصول على الطاقة. 

الاردن ولبنان بلدان صغيران محاطان بدول اقليمية أقوى منهما وبامبراطوريات ذات أطماع تاريخية. اعتبرا من قبل القوميين العرب واحزاب البعث ككيانين مصطنعين، في سياق رفض الشعوب العربية ونخبها الحدود التي رسمتها أنظمة الانتداب. خصوصاً انها رسمت قبل قيامهما، في مايو/أيار عام 1916، عندما عقدت اتفاقية سايكس بيكو والتي بموجبها سيتم تدويل الجزء الأكبر من فلسطين. 

رفضت الشعوب العربية تلك الحدود التي اعتبرتها تقف حائلاً امام حلم قيام الخلافة الاسلامية للبعض او تحقيق الوحدة العربية للبعض الآخر.  

الأردن 

لعب الأردن، رغم صغر مساحته وشح موارده الطبيعية، دورا محوريا في صراعات منطقة الشرق الأوسط لأهمية موقعه الإستراتيجي. فهو نقطة تماس ما بين الأديان الثلاثة وأتباعها: المسلمون والمسيحيون واليهود، الذين يتشاركون معاَ الأراضي المقدسة التي تحتلها اسرائيل وتمعن في تهويدها وتعمل على تعطيل وصاية الاردن على القدس. 

وكان الملك عبدالله قد اغتيل أمام حفيده "الأمير" حسين، الذي خلفه على العرش في إحدى زياراته للقدس.  

شكل اغتياله إحدى تداعيات خسارة الحرب أمام العدو الاسرائيلي في العام 1948. وكأن احتمالات الانتصار كانت واردة في تلك الحرب؛ أو ان الدول العربية الناشئة بقرارات دولية من محور الحلفاء كانت قادرة او لديها جيوش مدرّبة وسلاح يمكّنها من الوقوف بوجه الدول المنتصرة على المانيا النازية، والخارجة للتو من حرب عالمية كبرى ، والمزهوة بانتصارها ولا تزال جيوشها الفعالة في المنطقة. وهي الدول التي تحكم كل العالم وتطمح الى تشكيله بحسب إرادتها. فكيف يمكن ان ينتصر العرب ويفرضون ارادتهم ويقفون بوجه إقامة دولة اسرائيل ؟ 

قامت دولة الاردن على أسس مختلفة عن لبنان. أنشئ الاردن ككيان تكريماً ومكافأة للأسرة الهاشمية سليلة الشريف حسين الذي قاد الثورة العربية الكبرى والامير فيصل الذي انتخب ملكا على سوريا الموحدة. لذا يرتبط وجود مملكة الأردن وشرعيتها بالأسرة الهاشمية التي تنتسب الى الرسول. وبالتالي لا شرعية في الاردن خارج العائلة المالكة. الاردن هو المملكة الاردنية الهاشمية. لا أحد يشكك بشرعية  الملك. وهذا اختلاف جذري يميز الأردن عن لبنان.  

شرعية الحكم في الاردن تاريخية وأكثر ثباتاً عما هي عليه في لبنان لأنها لا ترتبط بالطوائف المتحركة والمشتبكة كحالة الطوائف اللبنانية. وبينما تظل العلاقة والتوازن بين الطوائف متحركان، يختلف الأمر في الاردن، فالملك الاردني لا عشيرة له ولا ينتمي لطائفة وغير محسوب على طرف. 

لبنان 

لأن نشوء الدولة في لبنان مختلف عنه في الأردن، ففي لبنان يوجد من يعتقدون أن لبنان لهم وأنشئ من اجلهم، وهم الموارنة خصوصاً والمسيحيين عموماً. مع ذلك لبنان ليس هو الدولة المارونية أو دولة الموارنة. فلقد قام لبنان على عقد اجتماعي بين مختلف الطوائف. وهو يهتز كلما اختلفت الطوائف على دورها وحصتها وكيفية تمثيلها في السلطة. بينما الاردن قد يهتز اذا لم يكن الحكم عادلاً تجاه السكان، لكن ليس لماذا تحكمنا أو لماذا انت ملك علينا.  

الهدف من النظام اللبناني كان لجم ما يُفترض أنه ناتئ أو نافر في هويات الجماعات، وما يشكل مصدر خوف هذه الجماعة من تلك، أي كل ما يتعارض مع العمل بالصيغة التعاقدية. وبحسب شيحا على الأقليات أن تظل ممثلة جماعياً، 

 "لا يمكن لأي واحدة منها ان تهيمن على الآخرين والا في ذلك هلاك وجود الدولة نفسها".  

لكن تمارين الهيمنة لم تتوقف، مرت بها الطائفتان المارونية والسنية، والآن جاء دور الطائفة الشيعية. المارونية السياسية جعلت لبنان مركزا مالياً وصحياً وتربويا وسياحياً، والحريرية أعطته حضوراً دولياً، ومع ارتكابهما اخطاء لكنها لم تكن مميتة. 

 أما الشيعية السياسية فلقد عزلته عن محيطه العربي وعن العالم وجعلته  منصة صواريخ في محور الدول الارهابية الخارجة على القوانين الدولية. ما تسبب بخراب غير مسبوق. 

هذا ما يبرهن أن ممارسات الطبقة السياسية، على مر السنين، تعارضت تماماً مع ما ارتآه المؤسسون الأوائل. محاولة كل طائفة الهيمنة وإلغاء الآخرين، تعمّق الهويات الفرعية وتحيي الولاءات العضوانية لأمراء الحرب وللزعامات المستجدة التي تفاخر بولائها وتبعيتها لدولة أجنبية.  

هذه الممارسات تكاد تقضي على التماسك الاجتماعي الذي لم يختف حتى في احلك ظروف الحرب.  

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!