نجا رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، من "محاولة اغتيال" حيث بطائرة مسيرة مليئة بالمتفجرات استهدفت مقر إقامته في بغداد.
نجا رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، من "محاولة اغتيال" حيث بطائرة مسيرة مليئة بالمتفجرات استهدفت مقر إقامته في بغداد.

كُل تفصيل سياسي وجنائي من مشهد محاولة اغتيال رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، متطابق تماما مع ما كانت عليه الحياة السياسية في العراق طوال قرن كامل مضى، هو كامل تاريخه. حيث كان ولا يزال الاغتيال هو الفاعل الأكثر ثباتا وديمومة وحيوية في مسارات ذلك التاريخ، وغالبا كان الاستراتيجية الوحيدة لأغلب الشخصيات والقوى السياسية التي حاولت النفاذ والهيمنة على هذا البلد، القلق في كل تفصيله، والمتلهف لنبذ كل استقرار. 

من بين ثلاثة ملوك حكموا العراق، اغتيل اثنان، ومعهم الوصي على العرش، الذي كان الحاكم الفعلي للعراق طوال سنوات طويلة (1939-1953). قتل الملك غازي بمؤامرة اُتهم فيها البريطانيون، لكن فقط لأن غازي نفسه كان مُتعاطفا مع النازية، ويملك نزوعا خرافيا حول الصراعات والأمم العُظمى، ويسعى للثأر من الإنكليز، الذين حسبه، تخلوا عن جده الشريف علي ابن الحسين، وقبلوا بهيمنة آل سعود على مملكتهم الحجازية، أي كان رهينة حكاية وقضية خارج العراق، تفوق مملكته حجما وطاقة. 

عبد الكريم قاسم، الزعيم السياسي الذي يعتبره العراقيون حتى الآن الأكثر تمثيلا لقيم ومعنى "الوطنية العراقية"، كان هو نفسه الذي فتح جحيم القتل العدمي الأرعن في هذه البلاد، حينما سمح للرعاع من ضباط وجنود جيشه بالفتك بالعائلة المالكة، كبيرهم وصغيرهم، سياسيهم ومدنيهم، ومعهم الوزراء والمسؤولون وعائلاتهم، وذلك صبيحة انقلابه الشهير في الرابع عشر من تموز من العام 1958.

غير الروح العسكرية الانتقامية، فإن قاسم كان محملا بطيف من خطابات القومية الوطنية الشعبوية، التي كانت تملك هياما مفرطا بالقوة، القومية الوطنية المستمدة من التجربة الألمانية، التي كانت الإرث العقلي والسند الروحي للعسكر الذي حاولوا الانقلاب على الحكم الملكي لأول مرة عام 1941 بقيادة، رشيد عالي الكيلاني، وحينما فشلوا عُلقت جثث ضباطهم في الساحات العامة، فراكموا حقدا كان يُستحال كبته، وقاسم كان من نسل تلك المرحلة. 

لسوء أقدار فظيعة، فإن شريك قاسم في انقلابه الشهير، الضابط عبد السلام عارف، كان في قيادة الانقلاب على قاسم نفسه بعد خمس سنوات فحسب، وبالشراكة مع تنظيمات حزب البعث. ذلك الانقلاب الذي اُغتيل قاسم على يد منفذيه، وعبر وابل من الرصاص، بعد محاكمة استمرت لنصف ساعة فحسب.

عارف نفسه انقلب على شركائه البعثيين بعد شهور قليلة، لكنهم أيضاً اُتهموا بعد سنوات باغتياله، عبر إسقاط طائرته عبر مؤامرة مُدبرة. ما لبث البعثيون، وبشراكة أجنحة أخرى من التيار القومي، أن انقلبوا على شقيق عارف عام 1968، وفتحوا بابا واسعا ليكون الاغتيال كُل الحياة السياسية والعامة في البلاد. 

اغتال البعثيون شركائهم في الانقلاب من أعضاء الحركة القومية، لاحقوهم في المنافي ومحقوا إرثهم المتبقي في البلاد. وفي قاعة الخُلد الشهيرة، فتك، صدام حسين، برفاقه في قيادة البعث، وعلى الهواء مباشرة. شارك البعثيون نظراءهم الشيوعيين لشهور قليلة، ما لبثوا أن محقوهم، حاولوا اغتيال الزعيم الكُردي المُلا مصطفى البارزاني عام 1971، بعدما كانوا قد اتفقوا معه قبل شهور فحسب على تقاسم السُلطة في البلاد. لم يُبقوا زعيما واحدا لأي من التنظيمات السياسية إلا وسعوا لمحقه. مدنيون وإسلاميون، شيعة وسُنة، أكراد وعرب. 

بدورهم، تعرض الزعماء السياسيون البعثيون لكم هائل من محاولات الاغتيال، العشرات منها حاولت استهداف، صدام حسين، نفسه، بعضه كان من تدبير أبناء عشيرته المُقربين، مثل المحاولة الشهيرة لسطم غانم الجبوري، وأخرى من أعضاء قيادة جيشه، مثلما حاول الضابط بارق الحاج حنطة.

استمر ذلك العُرف بعد العام 2003، على الرغم من أن الرئيس العراقي، جلال الطالباني، كان أول رئيس عراقي يرحل بحالة وفاة طبيعية، ومنذ موت الملك فيصل الأول. لكن جنازته قاطعتها الأغلبية المُطلقة من القوى السياسية العراقية. حيث بقيت الحياة السياسية في العراق محافظة على الاغتيال كأساس عميق لكل شيء، وإن كانت قد تبدلت بعض أشكاله، من اغتيال زعيم سياسي هنا وآخر هناك، إلى اغتيال جماعة طائفية ما عبر تسليم مناطقها لتنظيم وحشي مثل داعش، أو اغتيال جماعة قومية أخرى عبر قطع حصتها من الميزانية العام وفرض حظر تام عليها. 

في كُل تفصيل من كُل تلك الحكايات ثمة تركيب رهيب من ثلاثة مؤثرات، ما كان العراق قادرا على الفكاك منها. 

فمن الملك غازي إلى الذين استهدفوا الكاظمي، ثمة خارج ما مُتدفق نحو العراق. خارج له ممثلون ومُعبرون في المشهد العراقي، يفضلونه على كل الفضاء العراقي، ومستعدون للموت في سبيله. هذا الخارج حاضر وفعال لهذه الدرجة، لأن العراق كيان مُركب إلى هذا الحد، كيان مُشكل بعسر بالغ، مفروض على أناس ومجتمعات ما كان لها رأي أو قبول بما فُرض عليهم كيان. ولأجل ذلك بالضبط، كان ثمة من ضمن العراقيين من هو مُستعد لأن يكون ذا وشائج مع ذلك الخارج أكثر من أية رابطة مع مساحة البلاد الداخلية. 

لكن الأهم في مسألة الخارج، أنها كانت تعني أن العراقيين يجب أن يخوضوا فيما بينهم حربا داخلية مفتوحة، أساسها الصراع على العراق نفسه، روابطه وتبعيته مع أي جهة من جهات الخارج هذا. 

إلى جانب الخارج، وفي كل حادثة من تلك، كان ثمة خضور لإيديولوجية مُفعمة بالخطابية الزاجرة. حيث كان منفذو الاغتيالات كل مرة يرون فيما يقومون به فعلا خلاصيا خيرا، من أشرار ملوثين بكل أشكال الخطيئة. 

ذلك الفيض الإيديولوجي الخطابي العراقي متأتٍ من أعماق البنية التأسيسية للمجتمع العراقي، كبلاد للشعر الفصيح والمواويل الحزينة، البلاد التي كانت مصدرا للأساطير الخلاصية والذاكرة الجمعية المتخمة بالبطولات والأمجاد المتخيلة، وقلبها بنية تربوية وعسكرية خالية من كُل رقة وقيمة للتعايش، أرسى جذورها متعصبون فاشيون من أمثال ساطع الحُصري، الذين شكلوا عالم المناهج واللغة العامة في البلاد. 

أخيراً، فأن الاغتيال في المشهد هو تعبير عن أصالة الثأر في العقل الجمعي، المستند إلى روح العشيرة، التي ما تغيرت، وإن لبست ربطة عُنق أو ارتدت سُترة عسكرية. 

فالملك غازي كان يحاول أن يثأر لجده، وقاسم لرفاقه الضُباط الذين شاهد جُثثهم معلقة عقب فشل انقلاب عام 1941. عارف ثأر من قاسم الذي أخرجه من الحُكم، بعدما كان نائبه وكاتم أسراره، فصار مُجرد سفير ومن ثم سجينا سياسيا. البعثيون ثأروا من الأخوين عارف لأنهما أخرجوهم من الحُكم. ومن بعدهم ثأروا من المُلا مُصطفى البارزاني لأنه فرض عليه شراكة عربية كُردية، تتنافى مع مخيلتهم عن "العشيرة الأقوى". وبعدها ثأرت عشيرة الجبور من صدام الذي حرمهم من نُعمة الحُكم وخص بها أبناء تكريت، وضُباط صدام حاولوا الثأر منه لأنه كان سبب هزيمتهم في الكويت. 

في روح الثأر هذه، لا محاكمات ولا غفران، لا تفكير عميق بمساومة مدنية ذات معنى وقيمة مضافة، وأولا لا قطيعة نهائية مع ماضٍ يرفض أن يموت، لكنه يقتل كُل ما في طريقه. وراهنا، أحلام وتطلعات الملايين من شُبان العراق، الذين لا يستحقون إلا شيئاً واحدا، العيش بأمان. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.