President Joe Biden speaks about the bipartisan infrastructure bill in the State Dinning Room of the White House, Saturday, Nov…
الرئيس جو بايدن يتحدث، بحضور نائبته كمالا هاريس، عن خططه بشأن تطوير البنى التحتية الأميركية.

بعد أسابيع من المناوشات والمساومات والمفاوضات الصعبة بين الجناحين المتصارعين في الحزب الديموقراطي من معتدلين وتقدميين، وبعد انتكاسة انتخابية مفاجئة، نجح الرئيس، جو بايدن، وحزبه الديمقراطي، وبدعم محدود من المشرعين الجمهوريين في مجلس النواب، في إقرار خطته الطموحة لإعادة بناء البنية التحتية بكلفة تزيد عن  1200 مليار دولار.

هذه الخطة هي القسم الأول من خطة بايدن التي تعتبر "استثمارا تاريخيا" ، والقاضية بإقرار ما يسمى بخطة البنية التحتية البشرية، أو ما يسميه الرئيس بايدن (إعادة الإعمار بشكل أفضل)، البالغة  كلفتها نحو 1750 مليار دولار، والتي تمحورت حولها الخلافات العميقة بين الجناح المعتدل والجناح التقدمي في الحزب الديموقراطي في الأسابيع الماضية. وكادت هذه الانقسامات التي لم تلتئم كليا حتى الآن أن تهدد كل طموحات بايدن الاقتصادية. 

ما جرى في الدقائق التي سبقت منتصف ليل الجمعة الماضي، هو إقرار خطة البنية التحتية المادية، ووضع خطة إعادة البنية التحتية البشرية على طريق إقرارها لاحقا، بعد أن يتوصل مكتب المحاسبة في الكونغرس إلى تحديد كلفتها النهائية. التصويت جاء بعد أيام من خسارة الديمقراطيين لحاكمية ولاية فيرجينيا، وفوزهم بأكثرية محدودة بحاكمية ولاية نيوجرزي. خسارة فيرجينيا كانت بمثابة ناقوس الخطر بأن هذه الانتخابات المحلية ستكون مقدمة للانتخابات النصفية في نوفمبر 2022. 

تزامن هذا الانجاز التشريعي والسياسي مع مرور الذكرى الأولى لانتخاب بايدن الرئيس السادس والأربعين للولايات المتحدة، ومع انحسار شعبيته إلى أدنى مستوياتها منذ انتخابه حيث وصل معدل الموافقة  على أدائه في استطلاعات الرأي إلى 42.9 بالمئة من الناخبين مقابل50.7  بالمئة من الناخبين الذين عارضوا هذا الأداء. وحده الرئيس السابق، دونالد ترامب، من بين الرؤساء الذين سبقوا بايدن إلى البيت الأبيض كانت شعبيته أسوأ من شعبية بايدن في نهاية السنة الأولى في ولايته. شعبية  بايدن في نهاية سنته الأولى هي أقل من شعبية الرئيسين الديموقراطيين السابقين، باراك أوباما، وبيل كلينتون، قبل هزيمتيهما الشنيعة في الانتخابات النصفية في 2010 و 1994. 

تقليديا يعتبر الناخبون الانتخابات النصفية على أنها استفتاء على أداء الرئيس وحزبه، ويبين تاريخ الانتخابات في العقود الماضية أن حزب الرئيس الحاكم في معظم الحالات يمنى بخسائر هامة في هذه الانتخابات. ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية يخسر حزب الرئيس ما معدله 26 مقعدا في مجلس النواب، وما معدله 4 مقاعد في مجلس الشيوخ. 

ربط المحللون أداء الديمقراطيين الضعيف في ولايتي فيرجينيا ونيوجرزي بانخفاض شعبية الرئيس بايدن، والتي انحسرت دون الخمسين في المئة في أغسطس الماضي خلال الانسحاب الأميركي السياسي والعسكري الفوضوي والدموي من أفغانستان، وبعد الأضرار التي تسبب بها متحور دلتا النابع من كوفيد-19، وأخر من تقدم عمليات احتواء الفيروس. كما أدى ارتفاع نسب التضخم بشكل غير مسبوق منذ أكثر من عقد من الزمن، بسبب الاضطرابات التي خلقها فيروس كوفيد-19 في عمليات الاستيراد والتصدير والنقل البحري العالمي، إلى خلق مخاوف لدى المستهلك الأميركي من أن استعادة العافية للاقتصاد الاميركي ستتأخر أو أنها ستقضم حصة كبيرة من دخلهم. 

إقرار خطة البنية التحتية، التي كان قد وافق عليها مجلس الشيوخ في أغسطس الماضي، تزامن مع أخبار اقتصادية إيجابية  تمثلت بانخفاض معدل البطالة إلى 4.6 بالمئة وتوظيف 531 ألف أميركي خلال شهر أكتوبر، في مؤشر واضح بأن الاقتصاد يستعيد عافيته بسرعة، خاصة وأن نسب الإصابات بفيروس كوفيد-19 وضحاياه قد انحسرت بشكل ملحوظ في الأسابيع الماضية. كما أن هناك مشاعر تفاؤل في الأوساط الصحية بأن اللقاحات الجديدة التي سيتلقاها الأطفال ضد الفيروس ستحصن المجتمع الأميركي ضد هذا الفيروس الذي يمكن أن تضعه الولايات المتحدة أخيرا في الأشهر المقبلة في مرآتها الخلفية.

هذه التطورات أعطت الديمقراطيين بعض الأمل بأن فرصهم بالاحتفاظ بأكثريتهم البسيطة للغاية في مجلسي الكونغرس قد تحسنت بعض الشيء ولو نظريا، وخاصة بعد بضعة أيام من تبادل الشكاوى بين الأجنحة الديمقراطية المتنازعة في أعقاب هزيمة فيرجينيا.

إقرار خطة البنية التحتية المادية جاء بعد محاولات عديدة بذلها الرؤساء السابقون من جمهوريين وديمقراطيين وصلت جميعها إلى طريق مسدود لأسباب سياسية أو مالية أو لخلافات حول أولويات كل حزب، على الرغم من التدهور الخطير للبنية التحتية الأميركية في معظم الولايات.

ومعظم البنية التحتية الأميركية الحالية وتحديدا شبكة طرقات السفر السريع والجسور التي تربط الولايات الخمسين كانت قد بنيت خلال عقد الخمسينات في القرن الماضي خلال ولايتي الرئيس الجمهوري، دوايت أيزنهاور، أي أن الأكثرية الساحقة من الأميركيين قد ولدوا بعد بناء هذه البنية التحتية التي كانت قبل خمسين أو ستين سنة الأكثر تطورا في العالم. وفي السنوات الماضية لم تعد أعمال الصيانة العادية كافية للحفاظ على فعالية وصحة هذه البنية التحتية القديمة والمتآكلة.

وكان المنتدى الاقتصادي العالمي في تقرير له في 2019 قد وضع الولايات المتحدة في المرتبة الثالثة عشرة بين الدول المتقدمة في مجال البنية التحتية، أي بعد معظم الدول الأوروبية مثل المانيا وفرنسا وبريطانيا وإسبانيا ودول آسيوية مثل اليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة ودولة الإمارات العربية المتحدة. المفارقة هي أن الحزب الجمهوري هو الذي يميل إلى معارضة انفاق ميزانية كبيرة لإعادة بناء البنية التحتية بحجة أن ذلك سيزيد من حجم العجز المالي، على الرغم من أن الرئيس الذي كان وراء البنية التحتية الأميركية الضخمة والتي كان يحسدها العالم لعقود طويلة كان جمهوريا.

أيزنهاور، بسبب خلفيته كجنرال ناجح في الحرب العالمية الثانية، أراد تطوير البنية التحتية الأميركية ليس فقط لأسباب اقتصادية ولربط الولايات الاميركية ببعضها البعض بأكثر من وسيلة، وعدم الاعتماد فقط على السكك الحديدية، بل أيضا لأسباب استراتيجية لأنه كان يتخوف من مواجهة عسكرية محتملة مع الاتحاد السوفياتي في بدايات الحرب الباردة، ولقناعته بأن أي مواجهة عسكرية جديدة تتطلب وجود شبكة طرقات للسفر السريع مماثلة  للشبكة التي عاينها عن كثب في ألمانيا النازية بعد هزيمتها.

إقرار هذه الخطة هو بالفعل حدث هام وسيؤدي إلى إعادة بناء وتطوير وتوسيع شبكات الطرق وبناء جسور جديدة وتطوير المطارات القديمة، وتوسيع شبكة الإنترنت وخاصة في المناطق الريفية وبناء آلاف محطات الكهرباء لتزويد الجيل الجديد من السيارات الكهربائية التي ستنتجها مصانع السيارات الأميركية بالملايين في السنوات القليلة المقبلة، إضافة إلى التخلص من أنابيب المياه  المصنوعة من الرصاص وآثارها الصحية السيئة، والاستثمار في صناعات جديدة لا تضر بالبيئة، وغيرها من الاستثمارات التي ستعزز من قدرة الولايات المتحدة على التنافس الاقتصادي مع الصين.

إذا نجح الرئيس بايدن وقادة حزبه في الكونغرس في إقرار الجزء الثاني من برنامجه الاقتصادي التاريخي، أي الاتفاق على انفاق 1750 مليار دولار خلال العقد المقبل لتحسين خدمات العناية الصحية، والعناية بالأطفال في سنوات الحضانة، واستثمار مئات المليارات لخلق مصادر جديدة للطاقة (من الطاقة الشمسية والرياح، وتطوير البطاريات الجديدة التي تخزن الطاقة الشمسية لوقت طويل نسبيا)، فإن ذلك سيكون كفيلا بإحداث تغييرات جذرية في أنماط الحياة المختلفة في المجتمع الأميركي، ستبقى حاضرة لعقود من الزمن. فرص إقرار مثل هذه الخطة الجديدة للبنية التحتية البشرية قد تحسنت بعض الشيء بعد إقرار خطة البنية التحتية المادية. 

هذا ما يعول عليه الرئيس بايدن وقادة حزبه ويأملون في تحقيقه خلال الأسابيع القليلة المقبلة. هذه المرة لن يجد الديمقراطيون أي نائب أو سناتور جمهوري مستعد للوقوف معهم نظرا للمعارضة الجمهورية الشاملة لهذه الخطة التي يقول القادة الجمهوريون إنها متهورة وستزج البلاد في دوامة جديدة من العجز المالي والتراجع الاقتصادي. هذه الصورة القاتمة تتعارض مع التقويم الذي خرج به 17 خبيرا اقتصاديا من الحائزين على جائزة نوبل في الاقتصاد حين وقعوا على رسالة للرئيس بايدن في الصيف الماضي وأيدوا فيها خطته الاقتصادية الطموحة، قبل أن يضطر بايدن إلى تخفيضها في محاولة  للحصول على دعم الأعضاء المعتدلين في حزبه.

هناك سنة تفصلنا عن الانتخابات النصفية، وهذه السنة يمكن أن تكون بمثابة أبدية سياسية أو تبدو وكأنها ومضة سريعة إذا حفلت بتطورات سلبية غير متوقعة للرئيس وحزبه. وحتى في حال إقرار خطة البنية التحتية البشرية فإن معظم الأميركيين قد لا يشعرون بمضاعفاتها وآثارها الإيجابية خلال السنة المقبلة، لأن معظم البرامج الواردة في الخطتين ستتطلب مرور أشهر عديدة على الأقل لترجمة المشاريع إلى خطط عملية على الأرض وإلى توظيف مئات الآلاف من الأميركيين للعمل في هذه المشاريع التي ستشهدها الولايات الخمسين في الاتحاد الفدرالي. 

ولكن سيبقى أمام الرئيس بايدن وحزبه سنة كاملة لكي يشرحوا للأميركيين وبالتفصيل، وبلغة غير معقدة وغير بيروقراطية ما الذي سيعنيه إقرار هاتين الخطتين الطموحتين بالنسبة لتغيير وتحسين نوعية حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والصحية وحتى نوعية الهواء الذي يستنشقوه والمياه التي يشربونها.

التغييرات التي ستطرأ على حياة الأميركيين بعد تطبيق هذه الخطط الجذرية سيكون مماثلا إلى حد كبير للتغيير الجذري الذي شهده الأميركيون خلال وبعد خروجهم من حقبة الكساد الاقتصادي الكبير في ثلاثينات القرن الماضي بقيادة الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت، وهي تغييرات لا تزال أميركا تعيش في ظلها حتى الآن. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!