العاهل الأردني خلال إلقاء خطاب العرش
العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، في أحد خطابات العرش أمام أعضاء البرلمان الأردني

في استحضار الحدث التاريخي، فإن استحضار السياق التاريخي للحدث نفسه مهم أيضا، وإلا أصبح هذا الاستحضار التاريخي مثل استخلاص قارورة مياه من المحيط، والادعاء أنها تمثل تفاصيل المحيط نفسه.

في الأردن، وكنت قد التقيت فيمن التقيت مجموعة من شباب "الحراك" والمتحدثين بصوت مرتفع وغاضب "وصفة الغضب وارتفاع الصوت هي المشترك الوحيد بينهم"، ولا يجمعهم حقيقة توجه سياسي موحد أو رؤية برامجية عملية تطرح بديلا لكل ما يطرحونه من أزمات، حتى الطروحات نفسها قائمة على قصص وحكايات مختلفة ومتنوعة لا تتماسك فعليا كحقائق واضحة.

مما سمعته من كثيرين منهم، الصيف الماضي، أنهم يريدون "تغيير النهج"، وهذا مطلب شرعي لو فهمنا معنى النهج بوضوح، والرؤية الجديدة غير الملتبسة ولا الغائمة للنهج الجديد!

ومما سمعته أيضا وبقوة تلك المطالبات بالإصلاح السياسي، وهو مطلب حيوي ومهم، لكن حين كنت أسأل عن رؤيتهم للإصلاح، كانت الحوارات تدور بحلزونية "الاصطلاحات الفضفاضة"، مطعمة باتهامات الفساد والظلم والغنى الفاحش، ثم يتحدث كثير منهم بثقة العارف والواثق من معرفته عن ضرورة تشكيل حكومة وطنية برلمانية حزبية مثل حكومة الراحل، سليمان النابلسي، التي تشكلت عام ١٩٥٦ ولم تعمر طويلا!

في بعض غرف تطبيق الـ" club house"، تابعت حوارات شبابية أردنية "مستمعا باهتمام" لكل هذا الغضب المراق هباءا في فضاء إلكتروني على تطبيق لا يملك صفة التوثيق حتى، ومرة أخرى سمعت تلك المطالبات "الواثقة بمعرفتها"، عن ضرورة استعادة الحكومة البرلمانية في الأردن على غرار حكومة الراحل، سليمان النابلسي!!

أنا أعرف عن حكومة، سليمان النابلسي، ما قرأته أول مرة في مطلع شبابي من كتاب سيرة الملك الراحل، حسين بن طلال، والذي كان عنوانه "مهنتي كملك"، وطبعا كانت تلك رواية الملك الراحل، ومن زاوية رؤيته للأحداث! والتي حول فيها عملية إجهاض تجربة الحكومة البرلمانية إلى عملية إنقاذ للدولة والعرش، من عملية انقلاب عسكري مدعوم من قبل نظام الرئيس المصري الراحل، جمال عبد الناصر، بالتعاون مع المكتب الثاني السوري في دمشق ( جهاز المخابرات سيء السمعة).

شخصيا، أنا أصدق أن، عبد الناصر، ومده القومي الجارف "والواهم"، كان لديه القدرة والرغبة معا في التدخلات السافرة في شؤون الدول العربية "وغير العربية أيضا"، في سياق طموحه الشخصي جدا بالزعامة القومية، ضمن رؤية إنشائية وظف لها أجهزته وإعلامه إلى آخر مدى.

من مصلحة الملك الراحل أيضا أن يخشى على عرشه "والدولة الناشئة حديثا حينها" من مؤامرات خارجية، وقد يكون من مصلحته "السياسية" أن يستخدم تلك الفرضيات المؤامراتية في اللعبة السياسية المحلية، التي لم تكن تسير في مصلحته، أمام تغول المد الناصري عبر "صوت العرب"، والتجييش المخابراتي الممول جيدا من قبل "الأنظمة التقدمية"، التي تتبع عبد الناصر، ووجدت أن حروبها الأساسية ليست في تنمية اقتصاد مجتمعاتها المحلية بقدر ما هي في محاربة "الرجعية"! والرجعية ليس لها تعريف ولا معايير محددة بقدر ما هي كل ما يخالف المزاج السياسي للرئيس عبد الناصر نفسه.

في تلك الفترة، نشأ حزب أسسه السياسي الأردني "الناصري جدا"، سليمان النابلسي، وسماه "الحزب الوطني الإشتراكي"، ومن التسمية يمكن فهم أجندة الحزب التي كانت مضبوطة على مزاج ناصر السياسي فقط.

وبعد انتخابات " نزيهة فعلا بحكم النتائج التي ليست في صالح الملك ونظامه"، نجح الحزب عام ١٩٥٦ بالفوز في ١٤ مقعدا من المقاعد الأربعين لمجلس النواب الأردني، مع ملاحظة أن المقاعد كانت مقسومة مناصفة بين ضفتي الدولة الأردنية شرق النهر وغربه، عشرين مقعد لكل ضفة، وبواقع ١٧٥ ألف مواطن مؤهل للتصويت من الضفة الغربية، مقابل ١٢٠ ألف مواطن مؤهل للتصويت من الضفة الشرقية.

أمام تلك النتيجة "القاسية بلا شك على الملك الراحل"، تم تكليف، سليمان النابلسي، رئيس الحزب الفائز بتشكيل حكومة برلمانية، وكانت ائتلافية بالضرورة، فشكلها النابلسي بواقع ستة من أعضاء الحزب الوطني الاشتراكي، وثلاثة مستقلين، ووزيرا عن حزب البعث العربي الاشتراكي، ووزيرا عن الشيوعيين، وكان قد أعلن التحالف باسم (الجبهة الوطنية)، وتشكلت الحكومة بتاريخ 29 تشرين الأول 1956م، واستمرت حتى 10 إبريل 1957.

تلك قراءة جعلتني أفكر قليلا: أين هي الحزبية السليمة والصحية في ذلك الواقع الحزبي المرتبط بل والمرتهن لأجندات الأجهزة الأمنية لدول استبداد عسكري وسياسي وقمع بوليسي؟
طبعا، القصة التاريخية لنهاية تلك الحكومة عام ١٩٥٧ وقد استمرت أشهرا فقط، تفاصيلها تعج بالمناكفات بين ملك يحاول فرض سيطرته وسيادته كرأس للدولة على الدولة، في مواجهة تحالف "تقدمي كما وصف نفسه" يفرض على الملك رؤية المكاتب الأمنية السياسية بين دمشق والقاهرة.

وحسب الرواية التاريخية المعتمدة فإن الحكومة وجدت مؤازرة من رئيس أركان الجيش الراحل، علي أبونوار، والذي حرك قطاعات عسكرية يقودها الضابط، نذير رشيد، لمحاصرة عمان والقصر الملكي، لكن الملك بشعبيته الخاصة فض المحاولة الانقلابية، وأعاد الجيش إلى ثكناته هاتفا باسمه!

( اللافت في المشهد السياسي الأردني، أن كل من اتهموا بالانقلاب وواجهوا الملك الراحل ونظامه، انتهوا بعفو ملكي ومناصب شرفية أو متقدمة في الدولة، نذير رشيد، مثلا صار بعد عفو الملك عنه مديرا للمخابرات ثم وزيرا للداخلية!).
--
السؤال الذي أطرحه على نفسي، كأحد المطالبين بالإصلاح السياسي والدولة المؤسساتية ثم الديمقراطية- بعد استعادة الدولة ومؤسساتها في سياق دستوري صحيح وسليم-: هل حكومة سليمان النابلسي، رحمه الله، هي النموذج السليم الذي أبحث عنه لدولة أردنية تدخل مئويتها الثانية؟

 بالنسبة لي، وهذا موقف في مقال رأي أكتبه، بالطبع لا. إذن ما هو النموذج الذي أطمح إليه في دولة استطاعت رغم كل "المؤامرات التقدمية المنقرضة" أن تستمر حتى اليوم؟

ببساطة:
دولة مؤسسات وقانون مع دستور يجب إعادة ضبطه على مفهوم الدولة لجميع مواطنيها بلا تمييز بالمطلق، والأمة هي مصدر السلطات، وتنظيم حقوق الملك وواجباته على أساس أنه رأس الدولة لا رئيسها.

الأحزاب، بعد ضبط مفهوم الدولة واستعادتها بكامل ألقها المؤسساتي ( وهذا يتطلب وقتا وجهدا وكثيرا من الوعي السياسي والتعليمي)، هي مرحلة لاحقة ويجب أن تكون قائمة على برامج كاملة ومتكاملة تعطيها أهلية الحكم واستلام السلطة عبر الحكومة لتنفيذ برامجها الموعودة والتي حملت ممثليها الحزبيين إلى البرلمان.

يقولون مثلا: إن سليمان النابلسي حارب حلف بغداد!! هذا كلام سيجد تصفيقا من جموع الإنشائيين أصحاب الخطب العصماء، لكن مناهضته لحلف بغداد كانت من زاوية رؤية القاهرة لا من واقع مصلحة أردنية بالكامل.

اليوم وقياسا، لدينا اتفاقية غاز مع إسرائيل..وغضب شعبي منها.

ماذا لو قرر حزب "برامجي" حقيقي أن يقدم للناخبين رؤيته متجاوزا إنشائيات رفض معاهدة الغاز الإسرائيلي والشعارات الاجترارية البائسة، ليضع "فريقه الاقتصادي المحترف" برنامجا واقعيا بديلا ومنطقيا قابلا للتطبيق يجلب الغاز للأردن من مصادر أخرى، أو يحل أزمة الطاقة بحلول معقولة "لا وهمية"، أو يضع استراتيجية مائية تضمن وقف التصحر والعطش في الدولة، ويقدم رؤية تعليمية علمية لا دجل وشعوذات فيها تنهض بواقع التعليم البائس وتؤهل المعلم وتعيده إلى الصف بدلا من الشوارع والجوامع أو صفوف العمل السياسي في النقابات.

شخصيا، سأصوت لحزب كهذا لو وجد. لكن قبل أن ندخل بعبث الجدل في معاركنا الحزبية القادمة دعونا نستعيد الدولة ومؤسساتها أولا.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!