مظاهرة في أيوا الأميركية بتاريخ 26 يناير عام 2020
"أمسى الحزب الجمهوري حزب "البيض"، والديمقراطي حزب "غير البيض". الصورة تحتمل الكثير من التفصيل"

في الخارج، كان ثمة من يشتكي أن الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة متشابهان بقناعاتهما وداعميهما وسياساتهما. كلاهما ملتزم بالرأسمالية، وليس فيهما من يسعى إلى تبديل عميق في توجهات السياسة الخارجية، فيما كبرى الشركات تقدم الدعم والتمويل لحملات المرشحين من كليهما.

لا تشريع يمنع قيام أحزاب اشتراكية أو شيوعية في الولايات المتحدة، أو حتى قومية أو عنصرية، بل فيها تشكيلات عديدة تعتنق هذا التوجه أو ذاك. غير أن تركيبة النظام السياسي والانتخابي هنا أكثر مواءمة لاصطفاف من حزبين، وإن حصل أن تمكن مرشح حزب ثالث من اختراق هذا الترتيب في مراحل سابقة.

النتيجة هي أن التوجهات العقائدية غالباً ما تنطوي تحت جناح أحد الحزبين الكبيرين، انطلاقاً من المعادلة القائمة على أن الجميع يسعى لتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية الاقتصادية، فمن غلّب الحرية اصطف مع الجمهوريين، ومنّ رجّح العدالة وقف مع الديمقراطيين.

"حروب الثقافة" والتي ابتدأت قبل أكثر من نصف قرن، ثم استعرّت في التسعينيات، قبل أن تنكفئ مع خطر الإرهاب، قد عادت اليوم لتحسم بالضربة القاضية إمكانية ديمومة النظام السياسي القديم، والذي كان مركز ثقله الاعتدال الوسطي.

ما تزال الاعتبارات الاقتصادية الاجتماعية هي التي تُشهر في خطابات كل من الحزبين. غير أن الواقع الذي يتأكد يوماً بعد يوم هي أن هذه الاعتبارات غالباً ما تكون واجهة لاستدعاء اصطفافات مختلفة، ذات طابع ثقافي وهوياتي.

باختصار، لم يعد الحزب الجمهوري يختزل بصورة صاحب الأعمال، الكبيرة منها أو المتواضعة، والذي تقتضي مصلحته حرية إنتاج وتسويق أوسع وأقل تدخل تنظيمي وضريبي من الحكومة، ولم يعد الحزب الديمقراطي يُختصر بالعامل الأجير الذي يستفيد من فرض السلطات المعنية حداً أدنى لراتبه وإلزاماً لصاحب العمل بتغطية طبابته وتقاعده.

بل، بالإجمال، أمسى الحزب الجمهوري حزب "البيض"، والديمقراطي حزب "غير البيض". الصورة تحتمل الكثير من التفصيل. ليس كل من يعتبر نفسه "أبيض" تلقائياً جمهوري حزبياً، وليس كل من هو جمهوري من "البيض". ولكن أغلب "البيض" جمهوريون، وأغلب الجمهوريين "بيض".

وكذلك حال الحزب الديمقراطي. "غير البيض" ضمن هذا التصنيف التبسيطي هم المصنّفون ذاتياً وثقافياً على أنهم "سود" أو "هيسپانيك"، أي من أصول أميركية لاتينية (هل على العربية اعتماد التسمية الملتزمة بالصواب السياسي؟ وهي اليوم «لاتن-أكس» إقراراً بأن البرازيليين وغيرهم ليسوا على خلفية لغوية إسپانية، فيما الـ «أكس» لتجنب التذكير والتأنيث. السؤال هنا استطرادي، ولكنه من نوع ما يثير الانفعال اليوم ثقافياً).

تضاف إلى هؤلاء فئات واسعة تخرجها الثقافة الأميركية عن تعريف "البيض"، بما في ذلك كافة ذوي الأصول غير الأوروپية، وإن كانت بشرتهم بيضاء، والمسلمون على اختلاف انتماءاتهم العرقية، وغيرهم.

أحد الاعتبارات الأساسية والتي تبنى عليه مشروعية الانتخابات، هي أن الناخبين، إذا ما أتيحت لهم الظروف الموضوعية السليمة، أي انتخابات حرّة نزيهة قائمة على طروحات متنافسة صادقة، سوف يقترعون بمجموعهم بما يتناسب مع مصلحتهم الحقيقية، بل أن هذا الاعتبار، لدى من يقبله، يبقى قائماً حتى إذا اعترى الانتخابات قدر من الشوائب الإدارية أو التنظيمية أو الإجرائية.

وحتى إن جنح بعض المرشحين إلى سلوكيات أقل من مثالية في تنافسهم على أصوات الناخبين. فالكمال ليس ممكناً، والمطلوب وحسب أن تبقى الشوائب والأخطاء والتجاوزات ضمن هامش لا يبدّل النتائج.

ضبابية الواقع، في مقابل صفاء النظرية، تفتح المجال أمام الطعن بمشروعية أي انتخابات على أنها كانت قد خرجت بـ "فسادها" عن الهامش المقبول.

الفرضية التي يبنى عليها هذا الاعتبار هي أن الناخب، على العموم، عقلاني بخياراته، ينطلق من الرغبة بتحقيق مصلحته وضمان مستقبل أولاده. هذه الفرضية قائمة على التسليم بثبات معدلات الاطمئنان "الثقافي"، ما يجعل الخيار الفردي مبنياً على التقييم الذاتي لأوضاع الناخب نفسه. ولكن هذا الاطمئنان لم يعد راسخاً اليوم.

جاءت "حروب الثقافة" محمّلة بالعناوين المتضاربة. يسارياً كانت هذه العناوين المراجعة التاريخية، ومواجهة التمييز العرقي البنيوي، والتعويض عن الإساءات السابقة، والإقرار بحقوق الأقليات الجنسية بما فيها الزواج المثلي، والمحافظة على الحق بالإجهاض.

أما لدى اليمين، فهي كانت الدفاع عن الحريات المتحققة تاريخياً ولا سيما منها الحق بحمل السلاح، ومواجهة تطفل السلطات الاتحادية والجهات النافذة العالمية، والمحافظة على القيم العائلية والدينية، والاعتزاز بالهوية الثقافية للولايات المتحدة خاصة وبالحضارة الغربية عامة.

وهذه العناوين المتواجهة، وإن كانت مشحونة بالتحدي إلى أمس قريب، تكاد أن تبدو طيّعة أليفة بالمقارنة مع الشعارات المعتمدة في الإصدار الجديد الحالي من حروب الثقافة، تصريحاً أو تلميحاً. وفجاجة التصريح ترتفع مع الأيام.

فحوى الشعارات اليسارية اليوم هو أن امتيازات البياض آفة تاريخية في طريقها إلى الزوال لا محالة، باللين أو الشدة، ولا بد للبيض من الإقرار بفساد تاريخهم الحافل بالاستعباد والإبادات والشروع بنهج تصحيح تعويضي يرفع من شأن الأقليات إلى ما تستحقه من مساواة.

فيما خلاصة الشعارات اليمينية هي أنه ثمة مشروع عقائدي قائم لاستبدال البيض بما هو غيرهم، أو دونهم، عبر فتح الأبواب أمام الهجرة العشوائية، والطعن بتراثهم وإنجازاتهم وتخريب مجتمعاتهم وتشويه تاريخهم وإحباط عزتهم. أي أن الحرب لم تعد ثقافية وحسب، بل هي حضارية وعرقية.

القضية ليست فيما إذا كانت هذه الشعارات تحظى بالتبني الواسع النطاق في الولايات المتحدة. واقع الحال أن اعتناقها كلياً أو المجاهرة بها يبقى ضيقاً نسبياً، ولكنها، وإن نشأت في الهامش، فهي اليوم قد تجاوزته. ثم أنها لا تحتاج كامل الالتزام بها في أوساط العموم. يكفي أن لها قدراً من الحجية أو المصداقية، وإن كان متدنٍ، لتكون النتيجة المزيد من الجنوح باتجاه موازنة الرغبة الاقتصادية بالخوف الاجتماعي والثقافي.

الناخبون البيض المحافظون من ذوي الدخل المحدود ومن الطبقة العاملة في داخل الولايات المتحدة، والذين اقترعوا لصالح دونالد ترامب، لم يختاروا الرجل، وهو الثري المديني ذو نمط الحياة الماجن، لأنه متوافق معهم في المصلحة الاقتصادية، بل كانوا على استعداد لقبول زعمه السير باتجاه هذا التوافق، لأن حاجتهم الاقتصادية، على حدتها، لم تكن المحرك الوحيد لقرارهم، بل دخل فيه عامل الاطمئنان الثقافي.

كان من شأن اختيار الديمقراطيين لجو بايدن كمرشحهم للرئاسة، وهو الذي لا يكاد يخرج عن الصورة النمطية للرجل الأبيض المنفتح المتقدم في السن، أن يلطّف القلق في بعض أوساط "البيض"، ولا شك أن فوزه بالانتخابات جاء وإن جزئياً مبنياً على ميله إلى الوسطية في أكثر من ملف.

ولكن الحزب الديمقراطي اليوم ليس على صورة بايدن، وهي بحد ذاتها باهتة خامدة. ورغم أن التقدميين لم يتمكنوا من تحقيق ما يريدونه في مجلس النواب، إذ تمكن المعتدلون من الديمقراطيين من إقرار الصيغة التوفيقية التي توصّل إليها بايدن مع المتحفطين من حزبه في مجلس الشيوخ، فإن الزخم الخطابي داخل الحزب الديمقراطي هو اليوم للتقدميين، والمطالبة مزدوجة بالانتقال إلى الاقتصاد "الأخضر" وبتوسيع برامج الدعم الصحي والاجتماعي.

غير أن هذه المطالبة، وإن كانت اقتصادية في الخطوات التي تطالب بها، تأتي بإطار هوياتي صريح، إذ دعاتها هم دعاة الإنصاف لـ "السود والسمر"، أي غير البيض. الكلام عن العدالة الاجتماعية أمسى وحسب الصيغة المهذبة للحديث عن العدالة العرقية. ولكنها ليست "عدالة" من وجهة النظر المقابلة، بل هي أقرب إلى الانتقام، أو إلى الاستيلاء عنوة على إنجاز الآخر ونتاج عمله، أو إلى التخريب. 

حالة الولايات المتحدة تتكرر في العديد من الدول الغربية. طروحات المراجعة التاريخية والتعويض والإنصاف تقابلها الاعتراضات على الطعن بالتاريخ وبالمجتمع والقيم الغربية والخشية من "الاستبدال الكبير" مع تراجع السكان "البيض" نسبة وعدداً في بلادهم. في الولايات المتحدة نفسها، التوقعات بأن "البيض" سوف يمسون أقلية قبل منتصف هذا القرن.

موضوعياً، المسألة تكاد أن تكون عرضية. أي أن تبدّل التركيبة العرقية والثقافية للمجتمعات والدول هو شأن يتكرر في كل مكان وكل جيل. ولكن القضية ليست تقييماً موضوعياً لحركة التاريخ، بل هي حول الشعور الحقيقي والملموس لدى العديد من "البيض" بأنهم مستهدفون في هويتهم، بل مطالبون بأن يقبلوا الاستهداف ويعتذروا للجرائم المنسوبة إلى عرقهم. أي أنهم يخاطبون جماعياً بصفتهم "بيض"، فلا غرابة أن تكون ردود فعل العديد منهم كبيض.

استفحال العصبيات الهوياتية، مدفوعة بالشعور بالغبن والمظلومية لدى كل جانب، هو فشل للحزب الديمقراطي وللتوجه التقدمي بعدم صياغة المقولة القادرة على الدفع قدماً لتصور للعدالة لا يترك جمهوراً واسعاً بانطباع الإقصاء والمظلومية المقابلة. وهي فرصة رائعة لرئيس سابق يطمح في الفوز مرة ثانية ويعتنق الشعبوية لأن يرتاد الموجة مجدداً، طمعاً بفوز من يؤيده في مجلسي الكونغرس السنة المقبلة، وبالبيت الأبيض بعدها بسنتين. الرجل متّهم بقصر النظر واللاعقلانية. لا يؤذيه الأمر، طالما أن خصومه يقدمون له ما يعزز ولاء جمهوره له.

هي إرهاصات مستقبل مقلق قاتم، تبدو الولايات المتحدة سائرة إليه بخطى مباشرة.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.