السيسي وحفتر في قصر الرئاسة بالقاهرة. أرشيف
لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والمشير خليفة حفتر

في خطوة مفاجئة قرر الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في نهاية شهر أكتوبر الماضي عدم تمديد حالة الطوارئ في مصر، ورغم أنه من المبكر الحكم على جدية هذا القرار حيث لم تأت أي معلومات بعد عن إطلاق سراح معتقلي رأي أو السماح بنشاطات سياسية أو إنشاء جمعيات حقوقية كانت محظورة بفعل قانون الطوارئ، ولكن الأمر اللافت كان في طريقة نشر هذا القرار حيث أعلنه الرئيس للشعب في بوست بصفحته في الفيس بوك، من دون وجود ما يشير إلى أن مشاورات قد أجريت حوله مع أي من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وبما يوحي أن كبار المسؤولين المصريين قد عرفوا عن هذا القرار عبر وسائل التواصل الإجتماعي مثل عامة الشعب، مع أنه في بعض الدول الديمقراطية مثل فرنسا وإسرائيل يتم فرض القوانين الاستثنائية ورفعها عبر البرلمان، بينما في أغلبية الديمقراطيات يتقرر فرض أو إلغاء حالة الطوارئ بعد مشاورات كثيفة داخل أجهزة السلطة التنفيذية. 

وبعد عدة أيام أصدر الرئيس السيسي "أمرا" للحكومة بالبدء في الانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة إعتبارا من بداية شهر ديسمبر المقبل، في استمرار لنهج يختصر كافة السلطات في شخص الرئيس الذي تنقل وسائل الإعلام الرسمية يوميا جولاته التفقدية على المشاريع والمؤسسات وسط غياب أي دور ذو أهمية للوزراء والنواب بما يتماشى مع الموقف المعلن من السيسي منذ بداية عهده بأن الديمقراطية التي تقوم على تقاسم السلطات مفهوم غربي لا يصلح لجميع المجتمعات، ولا يجب فرضه على جميع الشعوب، كما يسوّق إعلامه يوميا أن مطالبة المؤسسات الدولية والحكومات الغربية بمراعاة حقوق الإنسان ليست سوى أداة للإبتزاز السياسي. 

ولم يكتف الرئيس السيسي بتسويق رؤيته تلك داخليا بل إعتمدها في سياساته الإقليمية التي كانت على طول الخط مؤيدة لقيام أنظمة حكم فردية، بما يتناقض مع مواقف المنظمات الدولية والدول الغربية. ففي محاولة الفريق، عبد الفتاح البرهان، الأخيرة للاستفراد في حكم السودان كانت مصر من الدول القلائل التي أيدت محاولة الانقلاب هذه، حيث قالت صحيفة وول ستريت جورنال نقلا عن مصادر مطّلعة إن البرهان زار مصر سرّا قبل إنقلابه بيوم واحد، وبدأ بالإعتقالات بمجرّد عودته للخرطوم، وربما لهذا السبب لم توقع مصر البيان الرباعي الأميركي البريطاني السعودي الإماراتي، الذي دعا إلى عودة الحكم المدني، والذي اختصره وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، في إتصال هاتفي مع البرهان بمطلبين رئيسيين هما، إطلاق سراح المعتقلين، وإعادة الحكم المدني، وليس بالإمكان معرفة حكمة الموقف المصري خصوصا لأنه يتناقض مع ما تريده أغلبية كبيرة من الشعب السوداني، والذي عبرت عنه في مظاهرات احتجاجية واسعة شملت معظم الولايات السودانية. 

كما ظهر هذا الموقف في تأييد ما قام به، قيس سعيد، في تونس من تجميد عمل البرلمان ورفع الحصانة عن نوّابه، وإنهاء مهام رئيس الحكومة، ورغم أن هذه القرارات قد لاقت بعض القبول في البداية عندما كانت تحت شعار مكافحة الفساد وهيمنة حركة النهضة، ولكن مع مرور الأشهر من دون ظهور أي مؤشر على عودة الحياة الديمقراطية لتونس، زاد الاستياء عند شرائح واسعة من التونسيين، فدعا الاتحاد العام للشغل إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكرة تفضي إلى برلمان جديد، كما شكلت مجموعة من الأحزاب تحالفا يعارض استفراد سعيد بالحكم، كما طالبت الولايات المتحدة بضرورة العودة إلى النظام الدستوري، وتصاعدت أصوات داخل الكونغرس تحذر من خطر يهدد الديمقراطية في تونس، من دون أن يطرأ أي تغيير على الموقف المصري الذي بقي مصرا على تأييد كل ما قام به قيس سعيد.  

وفي هذا السياق لابد من ذكر الموقف المصري الدائم في دعم الجنرال، خليفة حفتر، في محاولته لحكم ليبيا كبديل لا يختلف كثيرا عن نظام القذافي، رغم أنه فشل في احتلال الغرب الليبي مع كل الدعم الذي تلقاه، والذي عارضته الولايات المتحدة وقتها،  مما فتح المجال أمام التدخّل التركي المباشر في ليبيا، وتشير المعطيات الحالية إلى مراهنة مصرية على فوز حفتر في الانتخابات المخطط لها بعد بضعة أسابيع. 

كما وقف النظام المصري مع المؤسسة العسكرية في الجزائر ضد الحراك الشعبي كذلك، بخلاف الموقف الأميركي الذي دعا إلى إحترام حق الجزائريين في التظاهر السلمي، وعبرت عن ذلك مجلة فورين بوليسي الأميركية بالقول إن "الجزائر تحتاج إلى استقلال جديد، ولكن هذه المرة من حكامها العجائز"، في إشارة إلى القادة العسكريين الذين يحكمون الجزائر منذ عدة عقود، وحمّلت الصحيفة النظام العسكري مسؤولية عدم إحراز نهضة  اقتصادية في هذا البلد النفطي الذي كان من الممكن أن يكون قويا ومزدهرا، وتساءلت الصحيفة: أين ذهبت عائدات النفط الكبيرة منذ مطلع القرن الحالي ولماذا لم يظهر لها أي أثر على البنية التحتية، وتابعت "هذا ما دفع النظام الجزائري إلى خلق أعداء خارجيين وخاصة الجار المغربي لتحميله مسؤولية ما يحدث داخل الجزائر من قلاقل ولصرف أنظار الجزائريين عن المشاكل الحقيقية في البلاد". 

وتابع النظام المصري مواقفه نفسها في شرق المتوسط، فلم يخفى على أحد غياب أي موقف مصري في قضية الخلاف الخليجي اللبناني الذي فجّرته تصريحات لوزير الإعلام اللبناني، جورج قرداحي، اعتبر فيها أن الحوثيين يدافعون عن أنفسهم في مواجهة العدوان السعودي، وصحيح أن هذه التصريحات قد صدرت قبل تعيينه وزيرا، ولكن مواقفه تلك هي التي فتحت له الطريق لتولّي هذا المنصب، بل يبدو الموقف المصري أقرب إلى موقف الحكومة اللبنانية ولذلك لم تكتفي مصر بغض النظر عن سيطرة حزب الله على لبنان، بل إنها ستعمل على تزويده بالغاز في أوائل العام المقبل للتخفيف من أزماته المعيشية في تناغم مع ما تقوم به إيران عبر إرسال شاحنات الوقود إلى هناك، والتي ينحصر هدفها الرئيسي في تخفيف حالة الاحتقان الشعبي ضد حزب الله. 

وضمن نفس التوجه يقف النظام المصري مع نظام الأسد في سوريا، ويعمل على عودته إلى الجامعة العربية ومساعدته اقتصاديا عبر خط الغاز اللبناني نفسه، رغم كل ما قام به من ممارسات وجرائم بحق الشعب السوري، وفي تجاهل للقرارات الدولية التي تدعو إلى حل سياسي للمشكلة السورية، بل إن الإعلاميين المقربين من النظام المصري، يروجون لرواية النظام السوري بأن ما جرى في سوريا قبل أكثر من عشر سنوات ليس ثورة شعبية، بل مؤامرة دولية، وكذلك في خلاف مع الموقف الغربي الذي عبّر عنه وزير الخارجية الأميركي بلينكن "نحن لن نطبع أو نطور علاقاتنا الدبلوماسية مع النظام السوري، ولا نشجع الآخرين على ذلك من دون إحراز تقدم لا رجوع فيه نحو حل سياسي في سوريا"، وقبل ذلك في تعقيب لمتحدث بإسم الخارجية الأميركية على رغبة بعض الدول بإعادة العلاقات مع النظام السوري "واشنطن تحثّ كافة دول المنطقة على النظر بعناية في الفظائع التي قام بها نظام الأسد ضد الشعب السوري على مدار العقد الماضي". 

وكذلك هناك الموقف المصري الحريص على توطيد العلاقات السياسية والاقتصادية مع الحكم العراقي مع تجاهل الهيمنة الإيرانية على هذا البلد، وتوّج ذلك بالسعي لإقامة مشروع بلاد الشام المكون من العراق ومصر والأردن، والذي توحي تسميته بأنه تمهيد لضم النظام السوري إليه لاحقا، ومن الصعب فهم تحسّن العلاقات المصرية مع الدول الخاضعة للنفوذ الإيراني "العراق سوريا ولبنان" خارج إطار مغازلة النظام الإيراني نفسه رغم احتمال انعكاس ذلك سلبا على العلاقات المصرية السعودية. 

وهذه السياسة التي تتبناها مصر تطرح تساؤلا حول ما هي مصلحة الشعب المصري في إقامة حكم عسكري برئاسة البرهان في السودان، أو إعادة إنتاج نظام قذافي آخر من خلال حفتر في ليبيا، أو استمرار حكم المؤسسة العسكرية في الجزائر، أو إقامة نظام حكم فردي في تونس؟ وكذلك ما هي مصلحة الشعب المصري في استمرار حكم عائلة الأسد لسوريا والعمل على استقرار الأنظمة الموالية لإيران في العراق ولبنان؟ وكذلك ما هي مصلحة الشعب المصري في تبني سياسات لا تتماشى مع رغبات شعوب هذه البلدان؟ مما يجعلها سياسات قصيرة النظر لأته ليس لدى هذه الأنظمة مقومات تسمح لها بالبقاء على المدى الطويل، أم أن مجرد رفض أي نظام للديمقراطية ومفاهيم حقوق الإنسان يعتبر سببا كافيا لمساندته ودعمه من قبل مصر السيسي.   

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.