طائرتان مسيرتان استهدفتا منزل الكاظمي، فجر الأحد
طائرتان مسيرتان استهدفتا منزل الكاظمي، فجر الأحد

نجا رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، من محاولة اغتيال بطائرات مسيرة استهدفت منزله في المنطقة الخضراء المُحصنة. الكاظمي الذي شغل لسنوات منصب رئيس جهاز المخابرات الوطني، تعرض للتهديد والوعيد من قبل، ويُتهم من فصائل مسلحة بأنه عميل للأميركان، وأنه متواطئ في مقتل قائد فيلق القدس قاسم سليماني، ولهذا تسمع المسؤول الأمني لكتائب حزب الله، أبو علي العسكري، يُهدد بقطع أذني الكاظمي، وتسمع أيضا الشاعر والمدون، أحمد عبد السادة، المُقرب من الفصائل المسلحة يُطالب بتأديب سلطة التآمر في العراق، ويدعو لاستنساخ تجربة أنصار الله (الحوثيين) في اليمن، حين طردوا الرئيس، عبد ربه منصور هادي، وقتلوا الرئيس الأسبق على عبد الله صالح.

قبل ثلاثة أسابيع كتبت مقالا في موقع الحرة بعنوان "بعد الانتخابات.. العراق بين النهوض والفوضى"، تساءلت كيف للحشد الشعبي والفصائل المسلحة المُقربة منه والموالية لإيران، والتي تعتبر نفسها "الدولة"، أن تخسر الحكم، وتخسر الدولة التي كانت تسيطر عليها؟ وتوقفت عند التهديدات التي أطلقت بعد نتائج الانتخابات، وتساءلت أيضا إن كانت ستظل مناوشات وبالونات في سياق التجاذبات السياسية، وهل ستبقى الاحتجاجات تحت السيطرة ويمكن تطويقها، أم هي مقدمة لصراع مسلح دامٍ خارج صناديق الاقتراع؟

محاولة الاغتيال الفاشلة خروج، وتغيير لقواعد الاشتباك التي سادت في العراق منذ سقوط نظام صدام حسين، وهي تتجاوز حدود اللعبة السياسية، وستكون لها تداعياتها في ترسيم التحالفات وشكل السلطة السياسية القادمة.

الرئيس الكاظمي رغم مطالبته بضبط النفس، وجه الاتهام لجهة داخلية وليست خارجية، وقال "طرف سياسي له مشروع سياسي وشريك في العملية السياسية وراء محاولة الاغتيال، مؤكدا أن الطائرات المسيرة الجبانة لا تبني أوطانا".

التفاصيل الأولية عن محاولة الاغتيال ما تزال تتجمع لكشف الضالعين في محاولة الاغتيال، وأول المعلومات أن الطائرات المسيرة التي استخدمت مشابهة ونسخة من طائرات استخدمت في مهاجمة معسكرات أميركية في العراق سابقا، واتهمت حينها كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق بأنها وراء هذه العمليات.

اللواء، يحيى رسول، المتحدث باسم قائد القوات المسلحة العراقية أعلن أن الجهود الاستخبارية تمكنت من تحديد موقع ومسار انطلاق الطائرات، وهو يبعد 12 كم شمال شرق بغداد.

وأوضح أن الطائرات المسيرة حلقت على ارتفاعات منخفضة، ولهذا لم تكشفها الرادارات، ولم تمر بالقرب من السفارة الأميركية حتى تنطلق صافرات الإنذار التي تعمل على "منظومة سيرام"، نافيا مسؤولية "داعش" عن محاولة الاغتيال.

عملية الاغتيال التي تعرضت لإدانات دولية قد تُسهم في تعزيز قوة ونفوذ الكاظمي في العراق، وتدعم فرص عودته لرئاسة الحكومة مرة أخرى، وتُعطيه تفويضا وطنيا ودوليا لوضع حد للانفلات والتنمر على الدولة، وتحجيم القوى والفصائل المسلحة التي تخرج على سيادة القانون، هذا سيناريو، والآخر أن محاولة الاغتيال بداية النهاية لحكم الكاظمي، وهي رسالة للزعيم مقتدى الصدر بالتفكير أكثر مرة قبل ترشيحه ودعمه للعودة للرئاسة.

كنت في عشاء بالسليمانية في كوردستان العراق قبل أيام، حين سألت شخصية سياسية مُقربة جدا من الرئيس الكاظمي عن احتمالات اندلاع صراع (شيعي-شيعي) على خلفية نتائج الانتخابات، ومخاوفي من استخدام الحشد الشعبي والفصائل المسلحة المُقربة منه للقوة لفرض سيناريوهات سياسية، والاستحواذ على السلطة، فكان جوابه باطمئنان مبالغ به أن القوة التي يملكها التيار الصدري قادرة على حسم أي صراع على الأرض خلال 24 ساعة، وأن الأطراف الأخرى تعرف هذه الحقيقة، ولهذا فإن "توازن الرعب" كفيل بحماية المسار السياسي في البلاد من الانزلاق لاقتتال طائفي.

الاتهام لم يوجه رسميا إلى المليشيات العسكرية الموالية لإيران بأنها تقف وراء محاولة الاغتيال، لكن التلميحات غير المباشرة تغمز من طرفهم، وتُستجمع كل التصريحات لقادتهم لتوضع في برواز واحد، ويبدو أن كل كلامهم المُندد لن يجدي في دفع التهمة عنهم، فزعيم عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، يُحذر من محاولات أطراف مرتبطة بجهات مخابراتية لقصف المنطقة الخضراء، وإلقاء التهمة على فصائل المقاومة، وأبو علي العسكري، يخرج بتصريح غريب حين يقول "لا أحد مستعد لأن يخسر طائرة مسيرة على منزل رئيس الوزراء، هناك طرق أقل كلفة وأكثر ضمانا كفيلة بالإضرار به"، وقبلها كانت قناة صابرين الواجهة الإعلامية لعصائب أهل الحق تنشر تفاصيل شخصية عن قادة أمنيين ومسؤولين في المنطقة الخضراء، وتضع عناوينهم وصورهم، وتدعو الفصائل المسلحة للثأر منهم، بما يتوافق مع تهديدات الخزعلي بالانتقام لدماء الشهداء الذين سقطوا خلال المواجهات الاحتجاجية مع رجال الأمن.

كثير من المناوئين للرئيس الكاظمي ينظرون لقصة محاولة الاغتيال على أنها مسرحية رديئة الإخراج لخلق التعاطف معه، وإعطاء شرعية لافتعال معركة مع خصومه السياسيين، وفي مقدمتهم الكتل السياسية والأحزاب الموالية والمُقربة من إيران، وهؤلاء يرون أن طهران ليس من مصلحتها اندلاع فوضى على حدودها مع العراق، وهذا يُفسر سرعة وصول قائد فيلق القدس، إسماعيل قاآني، إلى بغداد لاحتواء الأزمة المتصاعدة، وتفويت الفرصة على اللاعبين السياسيين والدول التي تحاول تأجيج الصراع، والنتيجة وبغض النظر عن التحليلات والفرضيات، فإن محاولة الاغتيال تصب "الزيت على النار"، وتفتح الباب على سيناريوهات مُقلقة.

حسم المعركة التي خلفتها محاولة الاغتيال الفاشلة يعتمد على المعلومات الاستخبارية التي ستُكتشف في الأيام القادمة، وتفضح المتورطين أو من يقف خلفهم، وهذا سيدفعهم إما للهجوم للدفاع عن أنفسهم وحمايتها، أو السكون ومحاصرتهم في الزاوية، ويعتمد ذلك أيضا على قوة الكاظمي ومدى إمساكه بخيوط اللعبة، وسيطرته على القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وفي هذا السياق يُفهم اجتماع مجلس الأمن الوطني على أنه استعراض للقوة، خاصة حين يؤكد أن لا أحد أعلى من الدولة، واصفا من قاموا بمحاولة الاغتيال بـ "جماعات مجرمة".

ليس بعيدا عن كل ما جرى يقف الرجل الأقوى في العراق الزعيم، مقتدى الصدر، ليُقرر إن كان سيمضي في مشروعة السياسي في تشكيل حكومة أغلبية سياسية، وحصر السلاح بيد الدولة، وهو وحده القادر على فرض قواعد جديدة للاشتباك، فالذهاب إلى مواجهة الميليشيات المسلحة واستئصالها يحتاج ضوءا أخضر منه، والتعاطي مع دعوات تُطالب بإعلان حالة الطوارئ في البلاد لن تجد قبولا إذا لم يدعمها، واستمرار الكاظمي أو أفول نجمه يحتاج مباركته.

مرة أخرى، العراق على مفترق طرق، الحروب بالوكالة تعود لتطل برأسها بأيادٍ عراقية، والضوء الذي كان يظهر في نهاية النفق يخفت وَميضه، والقطع مع مرحلة التبعية لأطراف إقليمية طريق ليس سهلا، ومحفوف بالمخاطر.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.