. استطلاعات الرأي تشير تراجع التأييد الشعبي لأردوغان في أعقاب أزمة العملة وركود حاد وجائحة فيروس كورونا
. استطلاعات الرأي تشير تراجع التأييد الشعبي لأردوغان في أعقاب أزمة العملة وركود حاد وجائحة فيروس كورونا

يبدو أن شمس حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان آخذة في الأفول. ومع كل انخفاض لقيمة الليرة في مقابل الدولار ينغرس مسمار جديد في نعش هذا الحكم. وقيمة الليرة هي تعبير صادق عن حالة الاقتصاد التركي ومن ثم الوضع المعيشي للمواطنين الأتراك. 

في أوج الانتعاش الاقتصادي لتركيا كان الدولار يساوي أقل من ليرتين تقريبا (عام 2012). لكن مع التخبط في السياسات الاقتصادية لحكومة حزب العدالة والتنمية والمغامرات الخارجية للرئيس أردوغان، أخذت الليرة تهوي تدريجيا، وفي حين كان الدولار قبل خمس سنوات فقط يحوم حول ثلاث أو أربع ليرات، فقد كرت السبحة بعد ذلك إلى أن وصلت اليوم إلى حوالي 9.8 ليرة للدولار. وإذا ما استمر الوضع على ما هو عليه (وهذا متوقع إلى حد كبير) فسوف يصبح من الصعب التنبؤ إلى أين سيجر السقوط الحر لليرة الاقتصاد التركي بأكمله. 

في الأوضاع المشابهة تلجأ الحكومات عادة (من بين إجراءات أخرى) إلى استخدام الاحتياط من العملات الأجنبية لضخه في السوق بهدف دعم العملة المحلية، لكن يبدو أن الحكومة التركية لم يتبق لديها ما تضخه بعد أن استهلكت جميع ما بحوزتها من احتياطيات (حوالي 100 مليار دولار)، وفي الأوضاع المشابهة أيضا ومع توالي الانخفاض في قيمة العملة يبدأ المواطنون بفقدان الثقة فيها، ويلجؤون إما إلى العملات الأجنبية مثل الدولار أو اليورو أو شراء الذهب أو أي إجراء آخر يحافظ على قيمة مدخراتهم. لكن فقدان الثقة هذا يؤدي إلى المزيد من خسارة العملة المحلية لقيمتها وهكذا. 

وفي الحالات المشابهة كذلك تقوم بعض الحكومات بطباعة النقود التي تكون من دون غطاء مالي، وذلك لإشعار المواطنين بوجود وفرة في السيولة والتعويض عن الخسائر الناجمة عن التضخم، لكن هذا الإجراء لا يفعل سوى جعل العملة تخسر أكثر وتدخل من ثم في حلقة مفرغة. 

ويبدو أن حكومة أردوغان بدأت تفعل ذلك، الأمر الذي دفع رئيس المجلس التنفيذي لاتحاد الغرف التجارية والبورصات التركية، "رفعت هيصار جيكلي أوغلو"، وهو من الموالين لحكومة أردوغان، إلى انتقاد هذه السياسة حيث قال "تحاول الحكومة تجاوز هذه الأزمة بطباعة النقود ورفع الحد الأدنى للأجور، ولكنها لا تدري العواقب الوخيمة التي ستحدث على المدى البعيد".

ولأن المصائب لا تأتي فرادى، كما يقال، فإن الانخفاض المستمر لقيمة العملة التركية أحدث معه موجات اقتصادية أخرى متوقعة مثل التضخم والارتفاع الكبير في أسعار المواد الغذائية والخدمات.  

وقد كشف معهد الإحصاء التركي عن معدلات التضخم الجديدة، التي ارتفعت بنسبة 2.39 %، ليبلغ معدل التضخم السنوي 19.89 %. وإن كان زعماء المعارضة التركية أمثال وزير الاقتصاد الأسبق، علي باباجان، ورئيس حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، يعتقدون بأن معهد الإحصاء يتلاعب بالبيانات وأن معدلات التضخم هي في الواقع ضعف هذا الرقم المعلن.

ما الذي دفع تركيا التي كانت تتمتع باقتصاد قوي إلى هذا المصير؟

يمكن التحدث هنا عن عاملين. العامل المباشر هو اقتصادي، وهو مرتبط بالسياسات الحكومية الخاطئة والتدخل المستمر للرئيس التركي في القرارات الاقتصادية، بما في ذلك التلاعب في أسعار الفائدة وإقالة المسؤولين الماليين والاقتصاديين الذين لا يشاطرونه آراءه.   

وفي أحدث استطلاع للرأي عن شهر أكتوبر، نشره رئيس الأبحاث في شركة «أوراسيا»، كمال أوزكيراز، أظهرت النتائج أن 62.1 % من الأتراك المستطلعة آراؤهم مقتنعون بأن إدارة الرئيس أردوغان لدفة الاقتصاد سيئة للغاية.

العامل الثاني وهو سياسي ويتمثل في النهج الذي اتبعته حكومة أردوغان طوال السنوات العشر الماضية، والمتمثل في إثارة التوترات وخلق العداوات، فضلا عن المغامرات العسكرية مع دول الجوار ومع العالم الخارجي عموما. 

وتعتبر المناكفات والمشاحنات مع الاتحاد الأوربي سواء المتعلقة بشرق المتوسط أو قضية اللاجئين، وكذلك التراجع الحاد في العلاقات مع الولايات المتحدة، عاملا حاسما في التأثير على الاقتصاد التركي وهز ثقة المستثمرين الأجانب والمؤسسات المالية العالمية.

وفي عالم اليوم من الصعب على أي دولة أن تحافظ على وضع اقتصادي مستقر ومتين وفي الوقت نفسه يحيط الغموض والتوجس علاقتها مع أكبر الاقتصادات في العالم وكذلك مع أكبر شركائها التجاريين.  

وقد عانى الاقتصاد التركي على سبيل المثال من الانعكاسات السلبية الناجمة عن العداء الذي ساد في السنوات الأخيرة بين حكومة أردوغان وحكومتي السعودية والإمارات، قبل تحقيق بعض الانفراج مؤخرا.

في الإجمال يشعر الأتراك (وهم محقون) بالقلق من أن حالة اقتصادهم لا تسير على ما يرام، وأنه ما دام الرئيس التركي وحزبه في السلطة فإن الأسوء ربما يكون في الطريق. ورغم أن الفرصة سوف تتاح للأتراك بعد عامين لاختيار رئيس وبرلمان جديدين في الانتخابات العامة عام 2023، إلا أن العقلية السلطوية لأردوغان تلقي بظلال من المخاوف أيضا من أنه وحزبه ربما يرفضان تسليم السلطة في حال خسارتهما، وقد يلجآن إلى فبركة أحداث وخلق ظروف تجعل من المتعذر تأمين انتقال سلمي هادئ للسلطة.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.