حسن نصرالله يلقي خطابا لأتباعه في "يوم الشهيد"
حسن نصرالله أشاد بتعامل إيران مع لبنان مقارنة بالسعودية

أجرى الأمين العام ل"حزب الله" حسن نصرالله مقارنة بين طريقة تعاطي إيران، من جهة والمملكة العربية السعودية، من جهة أخرى مع لبنان، في ضوء ما بات يُسمّى ب"أزمة قرداحي"، نسبة الى وزير الإعلام جورج قرداحي الذي هاجم الرياض و"أبو ظبي" ودافع عن الهجوات الإرهابية التي يشنّها الحوثيون على أهداف مدنية في السعودية. 

وقال نصر الله، في كلمة تلفزيونية له ألقاها، أمس، في أوّل تعليق له على قرار الرياض قطع العلاقات الدبلوماسية مع بيروت:" على الرغم من كل الشتائم لم تسحب إيران سفيرها من لبنان ولم تطرد السفير اللبناني منها". 

في ظاهر الحال، ما قاله نصرالله صحيح، ولكن من يعرف حقيقة الأمور، يدرك أنّ الرجل يثابر على تكتيك "التذاكي"، لماذا؟ 

قبل سنوات، تولّى وفد سياسي شكّلته قيادة "حزب الله" نقل رسائل واضحة الى عدد من القادة اللبنانيين الذين كانوا يرفعون الصوت ضد "الهمينة الإيرانية" على لبنان. 

الرسائل التي حملها هذا الوفد الى هؤلاء القادة، كانت واضحة: لا يمكنكم التعاطي معنا، بأيّ شكل من الأشكال، إذا ما واصلتم تهجّماتكم على الجمهورية الإسلامية في إيران. خذوا راحتكم في مناقشة خطواتنا وأفكارنا وقراراتنا، ولكن الهجوم على إيران خط أحمر. 

وقد التزم، كما تبيّن مراجعة التصاريح والبيانات والأقوال، معظم هؤلاء القادة بمضمون هذه الرسائل. 

وأسرّ لي أحد هؤلاء القادة: "أنا قبلت بهذه التسوية. سوف أحيّد إيران، من الآن فصاعداً".  

ومنذ ذلك التاريخ، بات النيل من إيران يقتصر على مجموعات سياسية أغلبها لا يمكن أن يصل الى أيّ مستوى من مستويات السلطة في لبنان، بسبب محاربة "حزب الله" له. 

وفيما أدخل "حزب الله" وحلفاؤه إلى الحكومة الجديدة شخصيات لها مواقف سلبية معلنة من المملكة العربية السعودية، مثل جورج قرداحي، لم يتم توزير أيّ شخصية لها في سجلّاتها القديمة أيّ موقف سلبي من الجمهورية الإسلامية في إيران. 

وكان اللافت للاهتمام أنّه بمجرّد أن أنهى وفد "حزب الله" جولته على القيادات اللبنانية المطلوب منها أنْ لا تأتي على ذكر إيران بأيّ كلمة "مسيئة"، صعّد نصرالله وفريقه الهجوم ضد السعودية، وحال دون أن يصدر عن الحكومة اللبنانية أيّ موقف مندّد بالاعتداءات المنسوبة الى "أنصار الله" اليمنية ضد منشآت مدنية ونفطية في السعودية. 

وهذا يعني أنّ إيران، ومن خلال "وكيلها الشرعي" في لبنان تولّت إسكات الأصوات السياسية الوازنة التي تنال منها. 

وحاولت قيادات تحرص على علاقات لبنان بالمملكة العربية السعودية وسائر دول مجلس التعاون الخليجي إقناع "حزب الله" بالإقلاع عن هجوماته المنهجية والمنظّمة ضد الرياض، ولكن محاولاتها باءت كلّها بالفشل. 

وهذا مفهوم في لبنان، ف"حزب الله"، عندما يطلب، يضع على الطاولة ترسانته العسكرية والأمنية التي ذاق مرارتها الجميع، إمّا غزوات وإمّا اغتيالات، في حين أنّ الجهات السياسية الأخرى، ليس لديها هذه "النعمة المنطقية". 

ومنذ أنْ نجح "حزب الله" في إيصال ميشال عون الى رئاسة الجمهورية، بدأ التوازن اللبناني الرسمي يختل، ففيما لم يعد إسم إيران يُذكر إلّا بالمديح والحمد والشكر، كان اسم المملكة العربية السعودية، يُشتم ويُهان ويُتّهم. 

ولو اقتصرت الأمور على "نتاج الألسن"، لهانت الأمور، ولكنّ "حزب الله"، وقد تصلّب تحكّمه بالقرار السياسي اللبناني، رفع من وتيرة تورّطه في صراع المحاور وحروبها، كإقامته "ترسانة" إعلامية في الضاحية الجنوبية لمصلحة القوى المعادية للمملكة العربية السعودية، وإرساله "الخبراء" العسكريين والأمنيين الى اليمن، ورعايته شبكات إرهابية في الكويت، ووقوفه وراء إغراق السوق السعودي بشتّى أنواع المخدرات. 

وأعطت الرياض إشارات عدّة الى لبنان عن امتعاضها من هذا الواقع، ولكنّ ذلك لم ينفع، فتدهورت علاقاتها، شيئاً فشيئاً، مع لبنان الرسمي: برّدت صلاتها به. أبعدت نفسها عن شجونه وهمومه. أوقفت استيراد بعض البضائع التي يتم استعمالها في تخبئة المخدرات المهرّبة. أحبطت كل الوساطات الدولية التي تهدف الى إعادتها للإهتمام بالملف اللبناني. وأخيراً، قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع لبنان. 

في المقابل، إنّ إيران التي ينسب إليها نصرالله فضيلة "الصبر على اللبنانيين"، لم تتعاطَ، يوماً، مع لبنان على أساس أنّه دولة، فهي طالما وجدت فيه جبهة متقدّمة لها، في مسعاها الى الهيمنة على المنطقة.  

وقد أدّت فلسفة التعاطي الإيراني مع لبنان الى تقويض الدولة الذي أنتج المأساة التي يعيش كوارثها اللبنانيون، منذ سنتين على الأقل. 

جلّ ما فعلته إيران أنّها ألحقت لبنان ب"الحرس الثوري الإيراني" الذي يتولّى إرسال المال والسلاح والوقود الى "حزب الله"، من خلال "المعابر غير النظامية" التي أنشأها على الحدود اللبنانية-السورية. 

لم تطرح إيران مشروعاً منتجاً واحداً على لبنان، إلّا على قاعدة "ربح زبون" جديد، يعينها على كسر منظومة العقوبات التي تفرضها عليها الولايات المتحدة الأميركية، منفردة هنا، وبالاشتراك مع المجتمع الدولي، هناك. 

في حين أنّ المجتمع الدولي، قبل المجتمع اللبناني، يعرف تاريخ التعاطي السعودي مع الدولة اللبنانية، بدءاً بالدفاع عنه في المؤسسات المالية والاقتصادية الدولية، مروراً بالمساهمات التي قدّمتها لإنجاح المؤتمرات الدولية الخاصة بلبنان، وصولاً الى الودائع المالية التي دعمت بها احتياطات مصرف لبنان. 

بالنسبة للدول التي ترغب في مساعدة لبنان في "إنقاذ" نفسه من الجحيم الذي أوقعه فيه استتباعه لإيران، إنّ حبك "حبل النجاة" مستحيل من دون المملكة العربية السعودية وحلفائها في مجلس التعاون الخليجي، حتى القيادة الفرنسية التي ينسب إليها "تعاطفها" مع الهيمنة الإيرانية على لبنان، وفي ضوء "ازمة قرداحي"، لم تجد ما تقوله سوى التذكير بمبدأ وجوب تحييد لبنان عن صراعات المحاور وحروبها، إذ قال وزير خارجيتها جان إيف لودريان، بوضوح:" إنّ فصل لبنان عن الأزمات الإقليمية له أهمية أساسية". 

وهذا الممر الإلزامي للإنقاذ تقفله إيران من خلال "حزب الله". 

في واقع الحال، إنّ إيران، في حال قطعت علاقاتها مع لبنان، يمكن أن توفّر على بلاد الأرز كثيراً من المصائب، لأنّها لا تقيم معه علاقات سوية، بل هي علاقات شاذة، بالمفهوم الدبلوماسي، في حين أنّ تدهور العلاقات مع السعودية جلّاب مآس، وليس هناك ما يمكن أن يفهم ذلك أكثر من الليرة اللبنانية التي، ومنذ إعلان السعودية قطع علاقاتها مع لبنان، سجّلت مستويات قياسية من الانخفاض. 

لا ضرورة للغوص أكثر في أقوال نصرالله لجهة الأمثلة التي قدّمها لنفي هيمنة إيران على لبنان، لأنّها أمثلة خاطئة، فما تريد إيران فعله للتمدّد في المؤسسات المالية والقطاعات المنتجة، تمنعه العقوبات الدولية تماماً كما تمنعه حتى في بلادها، وتالياً، فإحجامها عنه ليس نتاج انعدام الهيمنة الإيرانية على لبنان. 

وما يصح في هذا السياق يصح أيضاً في سياق نفي نصرالله أن يكون حزبه مهيمناً على لبنان. 

المثير للضحك في هذا الإطار قوله إنّ "أيّ لبناني يدرك أنّ المزاعم السعودية حول هيمنة حزب الله على لبنان غير صحيحة أبداً". 

في واقع الحال، إنّ قلّة من اللبنانيين فقط، وعملاً بتعليمات "حزب الله" تنفي هذه الحقيقة فيما الأكثرية الساحقة تؤكّدها، سرّاً وجهاراً. 

والأمثلة التي يعطيها "حزب الله" لتأكيد النفي، هي بدروها، مثيرة للسخرية، لأنّ أيّ سلطة في لبنان، مهما علا مقامها واشتدّ عودها، لا تستطيع أن تفرض ما تأمر به فرضاً، لأنّه، على الرغم من انهيار السلطات والمؤسسات، لا تزال هناك مجموعات صامدة، كما هي الحال في القضاء اللبناني الذي، بسبب "تمرّده" على أوامر نصرالله يدفع ثمناً غالياً جدّاً على كل المستويات بما في ذلك، على مستوى قوة هرميته وصلابة وحدته. 

إنّ الأمين العام ل"حزب الله" حسن نصرالله محترف في "خلط شعبان برمضان"، ولكنّ الزمن الذي كان فيه نهجه هذا يُنتج قد انتهى الى غير رجعة، ولكن نتائج هذه النهاية لم تؤتِ أُكلها بعد، لأنّ ترسانته السلطوية والعسكرية والأمنية لا يمكنها أن تطيل أمد النهاية، فحسب بل أن تجعلها مؤلمة، أيضاً. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!