انتظر إيستوود أربعين عاماً لتنفيذ فيلمه
انتظر إيستوود أربعين عاماً لتنفيذ فيلمه

تطول الأعمار أو تقصر تبعاً لأقدارها، في الحالتين تمنح الحياة أصحابها فرصة ثمينة ووحيدة لعيشها. قد يهدرها البعض ويغادرونها دونما أثر، أو يعثر القلة على هدف ما يستحق العيش لأجله، سيتحول مع مرور الوقت إلى شغفٍ يمنح صاحبه موهبة التقاط حبال الحياة والتشبث بها لأطول وقت ممكن.

إلى الفئة الأخيرة، ينتمي نجم هوليوود الكاوبوي الشهير كلينت إيستوود- 91 عاماً، الذي يحتاج إلى رقية أو خرزة زرقاء وهو يواظب على إدهاش العالم باختياراته المتميزة من الأفلام التي يقدمها كل حين، إخراجاً وإنتاجاً وتمثيلاً. مانحاً معجبيه درساً فريداً في شغف العيش لأجل هدف، المتلازم لديه برغبة الاستمرار في صناعة سينما، لم يشبع أو يسأم منها خلال خمسة وستين عاماً، بل يبدو وكأنه عقد معها تحالفاً خاصاً يقتضي أن تهبه فائضاً من الحياة كلما منحها فائضاً من الحب.

في فيلمه الأخير (Cry Macho) المترجم للعربية بـ(صياح ماتشو) والذي بدء بعرضه في الصالات الأميركية قبل شهرين، يختار إيستوود توقيتاً مثالياً لإطلاق فيلمه ذي المحتوى الإنساني الخالص، المترافق مع التحسن الملحوظ الذي شهدته العلاقات الأميركية-المكسيكية بعد قرار الرئيس الأميركي جو بايدن في شهر فبراير من هذا العام إيقاف تمويل الجدار الحدودي الفاصل بين البلدين وإلغاء حالة الطوارئ وإعادة النظر في قوانين الهجرة ولم الشمل التي أقرت في عهد سلفه الرئيس ترامب.

انتظر إيستوود أربعين عاماً لتنفيذ فيلمه الذي يلعب فيه شخصية بطل (روديو) أي مروض للجياد الجامحة، مسن ومتقاعد، يعود إلى ملعبه المفضل ضمن أجواء أفلام الويسترن، التي ستخلو هذه المرة من أية استعراضات تقليدية للقوة أو العنف أو أزيز الرصاص، مستعرضاً قصة بسيطة المظهر تدور أحداثها بين تكساس والمكسيك، تتعلق بمهمة خاصة لتخليص فتى مراهق من أمه المكسيكية المدمنة على الكحول وإعادته للعيش مع أبيه في الولايات المتحدة.

مهمة لن تكون سهلة وسط أجواء محتقنة متبادلة بين الجانبين، ستواجه بالكثير من التحديات والصعاب، تبني ركائزها على ثلاث خطوط درامية رئيسة تخدم رسالة الفيلم العامة التي تتماهى مع نبذ العنف والتسامح ومعاني الانتماء. يتجلى أحدها في محاولات تطهير الذات من خلال العلاقة الروحية المتبادلة بين الانسان والسماء، حيث تعاد هنا طرح أسئلة إشكالية عميقة عن المفاهيم الضيقة للطوائف الدينية أمام رحابة الخلق والخالق، وكأنه بحث متأخر عن أجوبة شافية ومقنعة يحتاجها رجل متقدم في نهايات العمر.

كما ستشكل رحلة الهروب بين الحدود، فرصة ذهبية للتعرف على أداء رجل مكسور الخاطر يقف عند الحافة الأخيرة من عمره، يرافقه ديك وفتى يافع نزق الطباع ومحطم الفؤاد بدوره يبتدئ مشوار حياته لتوه. الفارق بين جيليهما ثمانية عقود والكثير من المعرفة والخبرات. بحيث يحرص هذا اللقاء أن يلفت انتباه الكبار إلى لا معنى تباهيهم واستعراضاتهم الفارغة أمام الجيل الجديد الشاب الذي يمتلك بدوره وعيه ومقدراته وخبراته الخاصة بزمنه، وأهمية ترويض جموحهما المشترك بعاطفة الحب وحدها.

فيما يصيب خطه الدرامي الثالث هدفه المرجو المتمحور حول حسن العلاقات الانسانية في مثل هذا التوقيت الذي تتنامى فيه ثقافة الكراهية والعنصرية والعصبيات بين شعوب العالم، وذلك بالإضاءة على الجماليات الكامنة في النفس البشرية والمعاني السامية العميقة التي تربط بين الشعوب وعلاقاتها بين بعضها، وهي العلاقات التي تسممها في المعتاد السياسة والحروب وصراع المصالح العليا.

بهذا التوجه الأخلاقي والعاطفي الأخير نحو المكسيكيين، يؤكد إيستوود استمرار تبنيه لنهج الانفتاح الذي ابتدأه في رائعته السينمائية (غران تورينو) قبل ثلاثة عشر عاماً من خلال علاقته مع جيرانه الكوريين آنذاك، وإعادة فتح ملفات العلاقات الاشكالية مع بعض الشعوب والأميركيين لأسباب عدة أبرزها الحروب. بحيث تهدف في مجموعها إلى احترام اختلاف الهويات، وإفساح المجال أمامها للتعبير عن ذاتها، بصفتها جزءاً هاماً ورافداً مضافاً من تنوع وثراء النسيج الأميركي والنسيج العالمي.

(Cry Macho) فيلم مفعم بالمشاعر الخالية من المبالغة أو البكائيات، يستفيض وبفيض بالحب وأهمية البحث عنه والانتماء إليه أينما وجد، ودعوة لإزالة الحدود الواهية بين البشرية، بحيث لا يرتبط مفهوم الانتماء للوطن أو للعائلة بالأفق الضيق ومسقط رأس الانسان ووثائقه الرسمية، بل في أي حضن يمنح المرء الحب والأمان والدفء والاعتبار لإنسانيته المفتقدة، وهو ما سيفعله إيستوود في نهاية الأمر، بانحيازه الصريح للحب واستقراره في المكسيك.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!