تناقضات المواقف والتحوّل مِن التبني والدعم إلى الرفض ليس ظاهرة مستغربة في بلدٍ مثل العراق
تناقضات المواقف والتحوّل مِن التبني والدعم إلى الرفض ليس ظاهرة مستغربة في بلدٍ مثل العراق

كم هو بسيطٌ وهَيّنٌ تبديل المواقف عند زعماء الطبقة السياسية في العراق، ولم يعد مستغرَباً تشخيص التناقض والتحوّل مِن موقفِ التبني إلى الرفض بشأن قضيةٍ واحدة! فعندما يكونون فائزين بالانتخابات يرفضون الطعنَ بنزاهتها وادعاءات التزوير، ولكن عندما يخسرون لا يبتكرون طعناً ولا تهمةً إلا ويتم توظيفها في الطعن بالانتخابات.

والتناقض نفسه يمكن تشخيصه عندما تكون لديهم المقاعد الأكثر في البرلمان، إذ تجد أصواتَهم تتعالى بضرورة ترك التوافقات السياسية وتشكيل حكومة على أساس الأغلبية. ولكن عندما تكون مقاعدهم قليلة يعودون إلى دعوات حكومة الوحدة الوطنية أو الشراكة الوطنية، وهي بالتأكيد الوطنية منها بريئة كبراءة الذئب مِن دم يوسف. 

تناقضات المواقف والتحوّل مِن التبني والدعم إلى الرفض ليس ظاهرة مستغربة في بلدٍ مثل العراق، لأنَّ السياسةَ فيه تقوم على أساس منطق التغالب والمعيار الذي تكون على أساسه المواقف هو التشبث بالسلطة ومغانمها، ولذلك لا مكان لِلمبادئ والقيم التي يفترض أن تنعكس في الفعل السياسي، ولذلك باتت المهمةُ الأصعب في العراق تحويل الأقوال إلى أفعال. 

حتى الأزمات في العراق هي انعكاس لأزمات المواقف الشخصية وليس تعبيراً عن تقاطعات في الرؤى والمواقف السياسية، فالمعادلة التي تحكم تفكيرَ الساسة في العراق قائمة على أساس: رابح- خاسر. ولذلك تجدهم يفكرون إما أن يكون الجميع رابحين أو التوجه نحو الصِدام المسلَّح أو إشاعة الفوضى وعدم الاستقرار. وهنا تكون السجالات والتصعيد بالمواقف لِلبحث عن ضمانات لِلبقاء ضمن دائرة السلطة ونفوذها. وإطلاقاً لا يكون الخلاف بشأن قضايا وطنية أو تتعلّق بهموم المواطن الذي هو خارج معادلة تفكيرهم أصلاً.  

لا يمكن لأيّ أحدٍ من الفرقاء السياسيين ادعاء البراءةَ من أبوّة الفشل، فالجميع شارك في صنعه وتكريسه، رغم أنهم الآن يتباكون على أطلاله. وما سُمي زوراً وبُهتاناً بالتوافقية، هو بعيدٌ كلّ البُعد عن فلسفة وأسس النظام الديمقراطي التوافقي؛ لأنَّ التوافقية تعني المشاركة في صنعِ القرار السياسي ورسم السياسات العامة وليس تقاسم المناصب العليا في الدولة وتحويل مواردها إلى غنائم تتقاسمها الأحزابُ الطائفية والقومية. ومن ثمَّ فهي ليست توافقية وإنّما محاصصة بين زعماء الطوائف والقوميات في تقاسم موارد الدولة ومؤسساتها. 

لذلك فإنَّ جميع الحكومات التي تشكّلت على قاعدة المحاصصة وتحت ادعاء "التوافقية"، كانت حكومة أسست لِلفشل والفساد وسوء الإدارة وهدر المال العام، لأنَّ مؤسسات الدولة تحوَّلت فيها إلى دكاكين لشخصيات الحزبية التي تعمل مِن أجل مصلحة الحزب وبعيدة كلّ البُعد عن تحقيق المصلحة العُليا لِلدولة. والفشل والخراب الذي أنتجته هذه المنظومة الحاكمة ليس تهمة ولا ادعاء، بل هي حقيقة بات المواطنُ يتلمّسها في جميع مفاصل حياته اليومية وفي علاقته مع الدولة ومؤسساتها، ويعترف به جميع أفراد الطبقة السياسية. 

الحكومة التوافقية تعني العَودة إلى أكذوبة التكنوقراط، إذ فشلت هذه الحكومات التوافقية لأنَّ وزراء "تكنوقراط" أثبتوا أنَّهم الحلقة الأضعف في إدارة وزاراتهم وأنَّهم مجرّد واجهات ديكورية لِلحزب الذي حصل على هذه الوزارة أو تلك. وبما أنَّ الوزير "التكنوقراط" لا يهمّه إلا الحصول على الامتيازات والتمتع بممارسة السلطة والعيش في أجواء رفاهيتها، فهو راض بدور الواجهة الديكورية وفشله، وإنَّ إخفاقه يعود بالضرر عليه وعلى عنوان "التكنوقراط"، ونجاحه –إنْ وُجِدَ أصلاً- فسوف تشاركه فيه أحزاب السلطة. 

في المقابل، رغم أنَّ حكومة الأغلبية قد تكون البداية نحو تصحيح مسار النظام السياسي الذي بدأ يتهاوى أمام الضعف والعجز عن الاستجابة لمتطلبات الجمهور، فإنَّ الذهاب نحو حكومة الأغلبية ليس خياراً سهلاً، لأنَّ الأغلبية هنا ستكون مجرّد عدد لأعضاء مجلس النوّاب، لا يجمعهم مشروعٌ واضحٌ وصريحٌ لإدارة الدولة، وإنما هي مجرّد تعبير عن اتفاق بين زعمائهم السياسيين، وهم مجرد أفراد تابعين لقرارِ تحالفهم، إنْ وُجِدَ أصلاً مثل هذا التحالف. وحكومةُ الأغلبية مِن دون مشروع سياسي لإنقاذ ما تبقى من روح الدولة وفاعلية مؤسساتها يحتاج إلى رؤية متكاملة، وقيادة من رجال دولة حقيقيين يقودون معركةً على جبهات عدّة. 

المنظومة السياسية في العراق بعد 2003 تأسست على وفق نظام الصفقات التي يتم على أساس تقاسم المناصب العليا ومؤسسات الدولة. لذلك مِن الطبيعي أن يرفض بعض الشركاء السياسيين وتحديداً ما بات يعرف بـ(البيت السياسي الكردي) و(البيت السياسي السني)، الذهاب نحو تحالف الأغلبية السياسية الذي على أساسه تشكّل الحكومة؛ لأنَّ الذهاب نحو حكومة الأغلبية يعني وجود معارضة سياسية مقابلة لها، وهذه المعارضة ستكون حجر عثرة أمام تمرير الصفقات التي تتعلَّق بقضايا اقتصادية وإدارة موارد الدولة المالية التي يجري عقدها في غرف التفاوض السياسي. 

إذاً، من تعلَّم على المشاركة في الغنائم، والهروب من تحمل المسؤولية طوال السنوات الماضية لا يريد حكومةً تستند إلى أغلبية برلمانية، ومعارضة فاعلة على مستوى الرقابة، لأنّها خيار لا يرغب به من يعتاش على الأزمات ويريد الابقاء على حكومات هشّة وضعيفة ومهتمها الرئيسة توزيع المغانم.

اعتقدُ أنَّ مرحلة ما بعد انتخابات تشرين يجب أن تكون نقطة فاصلة في مشروع استعادة الدولة، فإمّا أن تتنصر الدولة أو تكون الغلبةُ لِقوى اللادولة. فجميع المؤشرات السياسية والأمنية والاقتصادية لم تعد تتقبل البقاء ضمن دائرة انصاف الحلول، فإمّا أن يتم إعلان وفاة الدولة بعد أن بقيت تصارع طوال ثمان عشر عاماً، أو التوجّه نحو إعطاء جرعة إنعاش لها لِلبدء باستعادتها، فالدولةُ والنظام السياسي لم يعد مِن الممكن بقائهما ساحةً للصراع بين مافيات السياسية ومافيات السلاح، ودولة أحزاب ودولة مليشيات. لا بدَّ مِن وضع نهاية لثنائية تقاسم السلطة بين أصحاب السلاح والنفوذ السياسي على أساس الصفقات التي تكون بعيدة عمّا تفرزه نتائج الانتخابات.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.