ما كان للحرب الأهلية أن تندلع لولا خط الانقسام اللبناني الداخلي
ما كان للحرب الأهلية أن تندلع لولا خط الانقسام اللبناني الداخلي

شكّل احتلال فلسطين تحدياً للبلدين الصغيرين، الأردن ولبنان، لاستقبالهما مئات آلاف اللاجئين نتيجة الاحتلال الصهيوني.

أصبحت غالبية سكان الأردن من الفلسطينيين الذين أجبروا على النزوح من ديارهم أول مرة من فلسطين في 48، حيث استطاع استيعاب اللجوء بحكمة وذكاء، وساعده الاندماج السكاني التاريخي بينهما. كما أن معظم الوافدين إليه كانوا أغنياء عموما ومتعلمين فساهموا بنهضة الأردن. 

حصل اللجوء الثاني من الضفة الغربية بعد أن اشترك الاردن بحرب في1967، انطلاقاً من التزامه بالمصلحة العربية. فخسر القدس وغور الأردن. وفور انتهاء الحرب، نقل الفدائيون الفلسطينيون، بقيادة منظمة التحرير، قواعدهم العسكرية إلى الأردن، في الفترة بين 1967 إلى 1968 وصعّدوا الأعمال العسكرية ضد قوات الاحتلال الإسرائيلي. وزادت الدول العربية في دعمها المادي والمعنوي للفدائيين.

نشطت القوات الفدائية الفلسطينية بمعزل عن النظام الأردني، ودون أي تنسيق معه، ما جعلها أشبه بدولة داخل الدولة. فارتفع منسوب الغضب في الأوساط الأردنية. شهد العامان 1970 و1971 صراعا وتوتراً داميا في العلاقة بين السلطات الأردنية وبين المنظمات الفلسطينية، قبل أن تأتي أحداث استثنائية في العام 1970 ويأمر الملك حسين جيشه بالدخول في مواجهة شاملة مع المنظمات الفلسطينية، في "ميني" حرب أهلية يكاد يُجمع الكل على أنها كانت معركة من أجل البقاء.

انتهت المواجهة بإخراج الفصائل الفلسطينية من الأردن وانتقالها إلى لبنان وتعزيز قواعدها فيه. وبدأوا شن هجماتهم على إسرائيل مما سمّي فتح لاند.

وبينما استطاع الملك حسين أن يستوعب ما حدث في أيلول الاسود ويؤمن الاستقرار للأردن ويحفظه. نفس الامتحان، تسبب بانقسام لبنان وأدخله في حرب أهلية لم يخرج من تداعياتها ونتائجها حتى الآن.

اللجوء الفلسطيني الأول إلى لبنان في العام 1948، على عكس الأردن، شكل عبئا على السكان بسبب دقة التوازن الطائفي، ولما نتج عنه من هجرة جنوبية فلاحية تجاه بيروت، أشعرتهم بالتهميش والحرمان، الذي أضيف فوق الحرمان الذي عانوه مع السلطنة العثمانية.. وظهرت إثر ذلك حركة موسى الصدر الذي نظّم الشيعة فأُنشئ المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى وتشكلت حركة المحرومين.

وكانت هذه إحدى قواعد الاشتباك التي ستظهر نتائجها لاحقاً.

أما الدخول الفلسطيني الثاني إلى لبنان، فكان مسلحاً إثر قبول المفاوض اللبناني باتفاق القاهرة عام 69 الذي سمح للفلسطينيين – السنة في بلد الطوائف - بحق العمل العسكري من جنوب لبنان، مع ما عناه من رمي ثقل القضية الفلسطينية على أصغر بلد عربي، فأدّى للخلل الكبير الثاني واندلعت الحرب الأهلية.

نتج عن فتح جبهة الجنوب الاجتياح الاسرائيلي عام 1982، وسط رفض سكاني لممارسات الفلسطينيين التسلطية، ولو بدرجة أقل من تسلّط حزب الله الحالي، ما جعل السكان يستقبلون الإسرائيلي بالأرز، قبل أن يتحولوا إلى مقاومته.

ما كان للحرب الأهلية أن تندلع لولا خط الانقسام اللبناني الداخلي الذي يجعل من المسلمين ميالين إلى القضايا العربية، فرحبوا بالسلاح الفلسطيني، بينما يميل المسيحيون إلى الغرب وفرنسا خصوصا. فاختل التوازن الهش بين الطوائف ووضع الفئتين في مواجهة بعضهما البعض.

ارتكز هذا الانقسام أيضاً على خلل إضافي للانقسام السياسي، وهو وجود انقسام أو صراع آخر على المستوى الاقتصادي – الاجتماعي. وذلك على خلفية جمود النظام اللبناني الذي أوصلت إليه ممارسات المارونية السياسية التي رفضت التخلي عن أي من امتيازاتها عشية الحرب الأهلية.

هذه الانقسامات تجعل الطوائف المتنازعة تلجأ إلى تحالفات مع طرف خارجي على حساب أو ضد الطرف الداخلي الخصم. فمررنا بأزمنة سياسية عدة (الناصرية، الفلسطينية، السورية، الاسرائيلية، السعودية والإيرانية الآن). يُسمح للخارج بوضع يده على السلطة السياسية، (خاصة عندما يترافق ذلك مع السلاح كحالة الفلسطينيين والسوريين والإيرانيين) مقابل منافع سلطوية ومصالح فئوية. لكن الاستعانة بجيش النظام السوري كان إيذاناً بالخراب العظيم والذي دخلت بواسطته إيران.

ولا بد هنا من الإشارة أنه في كل مرة ابتعد فيها لبنان عن الحياد الضمني الذي مارسه المؤسسون الأوائل في التأكيد على دور لبنان كصلة وصل بين الغرب والشرق، وكفله ميثاق 1943 الوطني، دخل في صراعات داخلية وعنف أهلي.

عندما نعاين موقع الأردن بين دول مجاورة ذات خصوصيات تنعكس على وضعه الداخلي وعلى توازناته واستقراره بأشكال مختلفة تتعلق بالحقبة التاريخية من ناحية وبخصوصية النظام المجاور من ناحية اخرى، أدت في بعض المراحل إلى دخول الأردن الجبهات القتالية المفتوحة التي لم ينتج عنها سوى خسارة الأرض وهزائم الجيوش وإظهار ضعف قدرة الدفاع عن الذات وحفظ السيادة.

مع ذلك وبالرغم من الصعوبات التي يعانيها، ظل الأردن بعيداً عن المخاطر والعنف الذي تعرضت لها بعض البلدان المجاورة له كسوريا والعراق ولبنان.

لا نستطيع أن نرجع ذلك سوى إلى السياسات التي أرساها الملك حسين، الذي اختار، كبديل عن بلاغة خطابات المواجهة وادعاءاتها، الكلامية في معظم الأحيان، اعتماد سياسات مختلفة تتسم بالاعتدال وتعمل على المعاهدات الأمنية والتسويات لتهدئة الأمور سلمياً؛ كمثل قرار التخلي عن الضفة الغربية بدل المواجهة مع السلطة الفلسطينية. وهو بهذا يعرقل خطط إسرائيل بالتخلص من إقامة دولتين بواسطة إيجاد وطنا بديلاً للفلسطينيين.

بينما شكّل إدخال لبنان في خضم الصراعات، منذ مطلع السبعينيات، بحلقات عنف متجددة، لكنه لم يتحوّل إلى المواجهة والعدائية مع نظام المصلحة العربية، إلا بعد هيمنة إيران عليه. أدخلته مشاركة حزب الله، كتابع للحرس الثوري يتصرف باسم الطائفة الشيعية، في الحروب لصالح تمكين النظام الإيراني الذي لم يدخل بلداً إلا وخربه. من سوريا الى اليمن مروراً بالعراق. فأصبح لبنان بلداً معتدياً على الجوار. لكن ذلك تسبب بخرابه وانهياره غير المسبوق.

الفرق بين الأردن ولبنان، أن الحكم في الأردن يحظى بشرعية تاريخية لا تسمح بوضعه موضع تساؤل عند أي أزمة. بينما العكس في لبنان، إذ يوضع النظام موضع تساؤل عند كل منعطف، بدل ممارسات الهيمنة بدلاً لصالح الخارج. ذلك أن أطماع زعماء الطوائف تجعلهم يمعنون في تأجيج العصبيات المذهبية والطائفية خدمة لمصالحهم، ضاربين عرض الحائط مصلحة الدولة اللبنانية والنظام العربي.

وفي حين عمل الملك حسين على تغليب المصلحة العربية في لحظات الخطر الكبرى كدخول حرب 1967 (خسارته الضفة للوقوف مع مصر)، من ضمن سياسة تغليب التناقض الاساسي على التناقض الثانوي، مع ممارسة الحياد عموماً؛ مُنِع لبنان من ممارسة الحياد والالتزام بالمصلحة العربية العليا، وأصبح رهينة شعارات تحرير القدس الفارغة من أي مضمون. لم ينتج عن كل هذه المقاومات المتناسلة سوى الانهيار التام الذي نعيشه، باسم الكرامة والقضية، دون حصول أي تقدم فيما يخص القضية الفلسطينية، بل العكس!!

فأي فائدة استراتيجية نتجت عن تدمير لبنان تحت شعار تحرير فلسطين، سوى خراب لبنان وفلسطين لصالح تمكين إسرائيل وهيمنة إيران؟ 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.