A mob of supporters of U.S. President Donald Trump fight with members of law enforcement at a door they broke open as they…
حشد من أنصار ترامب خلال اقتحامهم مبنى الكابيتول بواشنطن في السادس من يناير 2021

مع استمرار تحقيقات الكونغرس ووزارة العدل باقتحام مبنى الكابيتول من قبل أنصار الرئيس السابق، دونالد ترامب لقلب نتائج الانتخابات الرئاسية، واستمرار المقاومة الشرسة من الجمهوريين لهذه التحقيقات، ومع اقتراب الانتخابات النصفية بعد سنة، وهيمنة لغة العنف والترهيب على الخطاب السياسي وخاصة من قبل اليمين المتطرف الديني والعنصري، تزداد التحذيرات من مغبة انزلاق الولايات المتحدة إلى حقبة أوتوقراطية تقوض تقاليدها الديموقراطية العريقة وتعمق من انقساماتها السياسية والاثنية بطريقة غير معهودة منذ الحرب الأهلية قبل أكثر من قرن ونصف.

 بعض المؤرخين والمحللين يقولون إن الخطاب السياسي المتشنج يذكرهم بالخطاب السياسي الذي ساد البلاد في عقد الخمسينات في القرن التاسع عشر الذي سبق الحرب الأهلية. الاستقطابات الجذرية في السنوات التي سبقت اندلاع الحرب الأهلية في 1861 تمحورت حول مستقبل مؤسسة العبودية في البلاد، والتي جعلت الخطاب السياسي يتسم بالترهيب وشيطنة الآخر،  والمواقف السياسية المطلقة، واللغة الغيبية الدينية، وتبرير العنف السياسي. وهذا بالضبط ما ينضح به الخطاب السياسي الراهن.    

العنف السياسي قديم قدم الجمهورية الأميركية، ولكن لم يحدث في العصر الحديث أن "شرعّن" رئيس أميركي العنف الداخلي، أو تحدث عنه بسهولة وحتى باستخفاف كما فعل الرئيس السابق ترامب، الذي كان يشجع أنصاره في مهرجاناته الحزبية على ترهيب معارضيه، والذي لا يزال يدافع عن اجتياح مبنى الكابيتول الذي نجم عنه مقتل خمسة أفراد وجرح أكثر من 140 شرطيا، والذي لا يتردد في الدفاع عنهم على الرغم من أنهم كانوا يطالبون برأس نائبه مايك بينس.

بعد أكثر من خمس سنوات من هيمنة ترامب على الخطاب السياسي للجمهوريين بما في ذلك شرعنة وتطبيع التهديد بالعنف لتحقيق أهداف سياسية، لم يكن من المستغرب أن يقول 30 بالمئة من الجمهوريين، و40 بالمئة من الأميركيين الذين يثقون بالأخبار التي تبثها وسائل الإعلام اليمينية إن "الوطنيين الحقيقيين" قد يضطرون إلى استخدام العنف "لإنقاذ" الولايات المتحدة . كما يصدق 68 بالمئة من الجمهوريين "الكذبة الكبرى" التي يروجها الرئيس السابق ترامب، من أن الرئيس، جو بايدن، والديموقراطيين قد "سرقوا" الانتخابات منه في 2020.

مواقف ترامب المناوئة للمهاجرين من أفريقيا والدول ذات الأغلبية المسلمة، ولغته العنصرية السافرة، أصبحت جزءا من السجال السياسي "الطبيعي" في أوساط الجمهوريين. ولذلك لم يكن من المستغرب أن يدعو الجنرال المتقاعد، مايكل فلين، وأول مستشار أمن قومي في ولاية الرئيس السابق ترامب، إلى اعتبار المسيحية الدين الوحيد في الولايات المتحدة. وفي مؤتمر حول إحياء الدين في أميركا، قال فلين الذي حكمت عليه محكمة فدرالية بتهمة الكذب على مكتب التحقيقات الفدرالي (إف بي آي) وعفى عنه ترامب، إن أميركا يجب أن تكون أمة واحدة في ظل الله، وفي ظل دين واحد. هذا الموقف السافر يتعارض كليا مع الدستور الذي يرفض بوضوح أن يكون للجمهورية الأميركية دين رسمي، أي دين، كما يرفض بوضوح مماثل أي قيود تفرض على العبادة أو الحريات الدينية. ويعتبر فصل الدين عن الدولة من أهم البنود في الدستور الأميركي. 

وقبل أيام قرع حوالي مئة مسؤول وخبير سابق في شؤون الأمن القومي من جمهوريين وديموقراطيين خدموا في مناصب بارزة ناقوس الخطر، وحذروا من أنه إذا لم يسارع الكونغرس إلى اتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية التي تحمي صدقية ونزاهة الانتخابات قبل موعد الانتخابات النصفية في نوفمبر 2022، فإن المؤسسات والأعراف الديموقراطية في البلاد ستواجه "خطرا حقيقيا".

وقال الموقعون على الرسالة المفتوحة لأعضاء الكونغرس " نكتب لنعبّر عن قلقنا العميق جراء الجهود المستمرة لزعزعة وتخريب الانتخابات من خلال  حملات التضليل المقصود، والجهود الأخرى الهادفة إلى زج الحزبية في الإدارة المهنية لعملية الانتخابات". وتابعت الرسالة في إشارة إلى الإجراءات التي اتخذها الحزب الجمهوري في عدد من الولايات التي يسيطر على مجالسها التشريعية المحلية لتعيين مسؤولين حزبيين للتصديق على الانتخابات، أو فرض إجراءات إدارية تحد من حرية الناخبين الذين يميلون إلى التصويت للمرشحين الديموقراطيين " نحن نؤمن أن هذه الجهود تضر بالعمق بأمننا القومي، بما في ذلك تعريض انتخاباتنا للتدخل الأجنبي واحتمال التلاعب بها".

ومن بين الموقعين على الرسالة وزيرا الأمن الوطني السابقين الجمهوري، مايكل تشيرتوف، والديموقراطية، جانيت نابوليتانو، ووزير الدفاع السابق، الجمهوري، وليام كوهين، وجيمس كلابر مدير الاستخبارات الوطنية في عهد الرئيس السابق باراك أوباما ، والجنرال مايكل هايدن، مدير وكالة الأمن الوطني ووكالة الاستخبارات المركزية (السي آي أيه) في عهد الرئيس السابق، جورج بوش الابن، وغيرهم من الديبلوماسيين السابقين مثل السفير، رايان كروكر، الذي خدم في بيروت ودمشق وبغداد.

وأضاف موقعو الرسالة أن معظمهم خلال خدمتهم قاموا بتحليل ودراسة الأخطار التي كانت تمثلها الديموقراطيات الهشة والمضطربة في العالم، " ولكننا لم نتخيل أننا يمكن أن نرى أخطارا مماثلة في وطننا. للأسف هذه اللحظة قد وصلت الآن. لدينا مؤسسات وتقاليد ديموقراطية قوية، ولكنها تتعرض إلى خطر كبير في المناخ الراهن". وأنهوا رسالتهم بمطالبة الكونغرس بالارتفاع إلى مستوى التحدي " وإقامة الدفاعات التي تضمن صدقية مؤسساتنا الديموقراطية المقدسة".

وعقب الرسالة مقال للجنرال، مايكل هايدن، ومدير الاستخبارات الوطنية السابق، جيمس كلابر، في صحيفة واشنطن بوست حذرا فيه من أنه إذا لم تتخذ الإجراءات القانونية السريعة لصيانة نزاهة وصدقية الانتخابات، فسيكون لهذا الإخفاق عواقب تضر بالسياسة الخارجية الأميركية، وبسمعة وقوة الولايات المتحدة في العالم "التي لا تعتمد فقط على القوة العسكرية، بل أيضا على استقرارها السياسي وازدهارها الاقتصادي وديموقراطيتها الحيوية. وهذا ما جعل أميركا نموذجا يحتذى به في العالم بسبب "قوتها الناعمة"، التي وقفت وراء ديبلوماسيتها وشجعت انتشار الديموقراطية في العالم."  وأضاف المقال، "ولكن الاحترام الكبير والسابق للديموقراطية الأميركية أصبح الآن في حالة انحدار، ومعه النفوذ الدولي والسمعة الأخلاقية لأميركا". 

وتأكيدا لهذا التقويم القاتم لسمعة أميركا في العالم، جاء في استطلاع للرأي أجرته مؤسسة بيو في 17 دولة متقدمة في العالم بمن فيها الولايات المتحدة في الأشهر الماضية، وكشفت عنه قبل أسبوعين أن عددا ضئيلا في هذه الدول " يعتقد أن الديموقراطية الأميركية هي مثال يجب أن تحتذي به الدول الأخرى". وشارك في الاستطلاع   18,850شخصا في دول من بينها بريطانيا وكندا وفرنسا وأستراليا وألمانيا وكوريا الجنوبية. وبينما رأى 17 بالمئة أن الديموقراطية الأميركية هي مثال للدول الأخرى، رأى 57 بالمئة أن الديموقراطية الأميركية "كانت مثالا صالحا، ولكنها لم تعد كذلك في السنوات الاخيرة".

استعادة ثقة العالم بديموقراطية الولايات المتحدة وتقاليدها ومؤسساتها لن يكون سهلا، وقد يصبح مستحيلا إذا استمرت الانقسامات السياسية والثقافية والاجتماعية والأثنية التي تعصف حاليا بالبلاد، أو إذا نجحت حملة التضليل الخطيرة والعميقة التي يقودها الرئيس السابق ترامب في تلطيخ سمعة ونزاهة الانتخابات، وهي جزء مهم من الصرح الديموقراطي الأميركي. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.