عاني السوريون في سنوات الحرب من الدمار والتهجير والقتل
عاني السوريون في سنوات الحرب من القتل والدمار والتهجير

في رد فعلها على زيادة وتيرة التواصل والاعتراف والتعويم والقبول الحديثة التي صار يحظى بها النظام السوري مؤخرا، فإن المعارضة السورية تشبه روحا فلسطينية كانت صعدت أثناء الهجوم الإسرائيلي على مدينة بيروت في صيف العام 1982. فالنزعة الفلسطينية وقتئذ، كانت تتمثل في الجلوس بالقرب من صخرة الروشة الشهيرة في ساحل مدينة بيروت، مع توجيه ملامة عُظمى للفاعلين والمنخرطين، وحتى لكل العالم، والصياح بأعلى صوت "يااا وحدنا". 

بالضبط كما كان ذلك الصوت الفلسطيني، المليء بكل أشكال الطهرانية السياسية والمظلومية النفسية وتبرئة الذات من كُل لوثة طوال الدروب التي أوصلتهم إلى تلك النقطة، فإن فضاء المعارضة السورية راهنا تفعل شيئا كثيرا من ذلك: تقدم الصُراخ وتمنع المحاكمات العقلية، تستجر الخطابات الأخلاقية وترفض المناقشة والفهم المعرفي والسياسي لأسباب ما جرى، تستدعي لغة المؤامرات ومنطق الخرافات وتتقصد عدم الاعتراف بمصالح الآخرين ورؤية حقوقهم الطبيعية في حفظ ذواتهم. وقبل كُل شيء تميل لعبارة أسطورية في عالم السياسة "لأننا أصحاب مأساة، فعلى الآخرين أن يساندوننا، وإن على حسابهم، وإلى أن ننتصر". 

الطريق السورية نحو هذه الهوة الكارثية، بدأ منذ عشر سنوات، ومرّ بأربعة مفاصل أساسية. كانت المعارضة السورية، بنُخبها وتنظيماتها وأيديولوجياتها، مسؤولة عن تلك المفاصل في كل لحظة ومفصل، وما تزال. وهذه المفاصل بالضبط، هي من أسست هذه الكارثة، وساهمت في إيصال السوريين إلى هذه اللحظة، التي تعني فعليا نهاية كل أمل، والعودة إلى ما دون شروط انطلاق الثورة السورية نفسها. فالسوريون اليوم وأحوالهم هي ما دون الصفر بكثير.   

في الشهور الستة الأولى من الثورة السورية، فشلت هذه الجهات المعارضة تماما في القول "ما هو شكل ومضمون الكيان السوري في مرحلة ما بعد الأسد"، إلا بعض العبارات الفلكلورية النمطية المنمقة عن الديمقراطية ودولة المواطنة المدنية واحترام حقوق الإنسان. شيء مما فعلته قوى الحُرية والعدالة في السودان مثلا أو الاتحاد العام للشُغل في تونس، أو عدد آخر من الجهات التي حملت روح الانتفاضات التي جرت طوال العقد الماضي في الدول الأخرى.

كان السوريون يتحججون بأن أوضاع سوريا في ظلال الأسدية كانت أكثر خرابا من تلك الدول، لذلك لم يفرزوا مثل تلك الجهات، وهي حجة متهافتة للغاية، أثبتتها عشر سنوات متراكمة من العمل السياسي. إذ لم يستطع مثلا مئة شخص نخبوي سياسي سوري من الاجتماع وقول شيء بمضمون ومعنى وبإغراء وتأثير على ملايين الشابات والشبان السوريين الذين كانوا الأكثر إيمانا بهذه الثورة. 

فشل هؤلاء في إفراز مقولات وطروحات كان من المفترض أن تطمئن السوريين والمحيط الجيوسياسي والقوى الدولية ومؤسساتها على حد سواء. عن شكل الحياة السياسية داخل سوريا مستقبلا، حقوق الجماعات الأهلية والعرقية في ظلال حروبها الباردة والساخنة التي امتدت لعقود، وتملك ذاكرة متبادلة شديدة الغضب والقلق من بعضها، لم يقولوا شيئا عن موقف سوريا المستقبلي من مسائل الهوية والضخ الإيديولوجي، علاقة سوريا المتوقعة من صراعات المنطقة، وشكل الدولة وهويتها ومضمون طاقة المدن الرئيسية وسلطتها المركزية على البلاد.  

عدم قول كل ذلك طوال عقد كامل، جرى بسبب الروح القومية المستترة لأغلبية هذه النخبة، التي كانت تنادي ببعض الشعارات، لكنها تستبطن أسدية عقائدية وروحية عميقة، ظهرت فما تحمله من طائفية وعرقية وميل للتخوين والخلاص الفردي.

المفصل الثاني كان يتمثل في غض النظر عن الإسلام السياسي، العنيف منه بالذات. فحمل السلاح لحماية التظاهرات، الذي بدأ منذ خريف العام 2011، ما لبث أن تحول بعد شهور قليلة إلى إسلام سياسي عنيف، وفي أكثر من بقعة في سوريا، وفوق ذلك كان يملك أجندات وخيارات وتطلعات مستقبلة منافية تماما لما خرج السوريون لأجله، بالذات قيم الحرية والأعراف المدنية وأسس الدولة الديمقراطية.

لسطحية بعض القوى السياسية المعارضة، ولما كان يضمره بعضها الآخر، فإنه لم يكن في القاموس السياسي لهذه المعارضة أية رؤية أو نقد واضح لهذا الإسلام المسلح. فطوال المؤتمرات التي عقدتها في إسطنبول والقاهرة، وحينما أسست المجلس الوطني ومن ثم الائتلاف السوري، وبعد مرور أكثر من عام ونصف على نشاط ذلك الإسلام السياسي العنيف، فإنه لم يكن من قول فصل تجاه ذلك. كانت السذاجة السطحية متغلغلة في أعماق بعضهم، لدرجة الاعتقاد بإمكانية استغلال الإسلام السياسي في مواجهة الأسد، والذي حدث فعليا أن هذه الأخيرة فقط هي من استخدمت سطحيتهم تلك.

استغلت الأسدية ذلك تماما. فمن جهة تراكمت مخاوف القوى الإقليمية والدولية من أي بديل للأسد، ومن جهة أخرى التصقت الطبقات الاجتماعية الوسطى والعليا والجماعات الأهلية الداخلية المرعوبة من هذا الإسلام السياسي بالأسد تماما. لكن الأهم كان خسارة القضية السورية لأهم عناصرها، المتمثلة بالكتلة المدنية المؤمنة بقيم الحداثة، التي هي البديل الحقيقي والوحيد لنظام الأسد، والتي صارت في وجدانها العميق تماهي بين المعارضة والإسلام المُسلح. 

المفصل الثلاث كان كامنا في هذه القابلية المريعة لنسبة واضحة من أعضاء ونُخب هذه المعارضة لأن يكونوا مجرد "أدوات" بيد رجال الاستخبارات وأجندة الدول والأطراف الإقليمية والدولية، الناشطة في المسألة السورية.
ليس في ذلك أية ميول للاتهام أو التخوين، وحيث أن ترسانة واضحة من قرارات وسلوكيات النُخب السورية المعارضة تدل على ذلك بوضوح تام. 

إذ كيف يمكن فهم لحظة الكارثة السورية هذه، من دون تذكر أن رأس النُخبة المعارضة هذه باركت غزوا خارجيا لمنطقة من بلادها، غزوا لم يكن يستهدف النظام السياسي الحاكم لذلك البلد، بل جماعة أهلية تكوينية من سكان البلاد، هم الأكراد. وحيث هجرت تلك الغزوات مئات الآلاف منهم، وسمحت لقطعان الرعاع من عناصر فصائلها المُسلحة بنهب مدن ومناطق بكاملها، وإحداث تغيير ديموغرافي مريع بحقهم. شيء في أفضل الأحوال يوازي الأسدية نفسها، ما لم يكن يفوقها.

وكيف أيضا يمكن فهم لحظة الكارثة السورية من دون تذكر تنظيمات مثل جيش الإسلام وأحرار الشرقية، الذين كانوا يعتبرون فعليا ورسميا الأذرع العسكرية لهذه المعارضة، بينما كانوا يمارسون أعتى أشكال الفاشية بحق المختلفين طائفيا وعرقيا. لكن المعارضة كان ترعى هذه التشكيلات العسكرية موضوعيا وذاتيا، استجابة لأجندات إقليمية واضحة الفاعلية. 

أخيرا، فإن أفراد وتنظيمات هذه المعارضة أظهرت سمات يُستحال الاعتداد بها، نرجسية فائقة، مضافة لصراعات شخصية متراكمة، ومعها قابلية لا تُصدق للفساد، وسوء قابلية للانتظام، وبعدها جاهزية تامة للانجراف نحو الأهواء، وأخطرها سوء ولاء وإيمان بالقضية التي يعملون عليها.

خلال السنوات الماضية تضخمت الثروات المالية لأغلبية واضحة من أعضاء نُخبة هذه المعارضة، صارت عائلاتهم ومصالحهم خارج البلاد، وشبكة علاقاتهم مع المسألة السورية مُجرد نوع من البريستيج المعارض، لتغطية أفعال شائنة يندى لها الجبين، يُمكن سماعها وتصديقها وإيجاد دلائل عليها في كُل حدب. 

طبعا كان ثمة استثناءات، لكنها لسوء طالع السوريين كانت قليلة جدا. فالذين سيطروا على العمل السوري المعارض كانوا مزيجا متهالكا من المُغتربين العاطلين عن العمل مع قادة سابقين مهمشين من الجيش السوري، يكتنزون احتقانا طائفيا مع رغبة مُلحة للظهور والسُلطة والنفاذ إلى العالم الخارجي، ومعهم بعض النُخب الإسلامية المؤدلجة، وهؤلاء جميعا هُم الأكثر خلطا بين السياسية والتجارة واللعب. 

سيجلسون على خرائب بلادهم ويصرخون "يااا وحدنا"، لكنهم المُنعمون، والخراب من حصة ملايين الناس، الذين ما كانوا يريدون إلا شيئا واحدا، حياة كريمة، صارت بعيدة تماما. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!