زوار في الجناح الأردني في إكسبو دبي 2020
زوار في الجناح الأردني في إكسبو دبي 2020 | Source: social media- Jordan Pavilion Expo 2020

كل شيء قابل لأن يكون "خبرا" في الأردن. والخبر في الأردن دوما مرشح لأن يُكوِنَ أمواجا عالية من الآراء والتعليقات المحتقنة والغاضبة، وعواصف جدل في وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية.

في معرض "إكسبو 2020" في دبي- الإمارات العربية المتحدة، هنالك جناح أردني مشارك، وكالعادة فإن خيال التصميم لأي جناح أردني في أي مشاركة دولية لن يتجاوز مجسمات البتراء وبعض أعمدة جرش والمدرج "الروماني"، وعرضا للجميد الأردني، وزيت الزيتون، وطبعا صور الملك رأس الدولة.

لا أقصد إدانة كل ذلك، فالبتراء مدينة نبطية تاريخية تصادف أنها في جغرافيا الدولة الأردنية الحديثة، وجرش مدينة رومانية كانت أحد المدن العشر "الدياكوبوليس" في الإمبراطورية الرومانية، التي تحالفت ضد الأنباط، ولا أعلم من هو المهندس الروماني الذي قام بتصميم مدرج الاستعراض في "فيلادلفيا" القديمة، لكن المسكين فقد حقه في التكريم، لأنه بقي مجهولا، أما الجميد فهو منجز أردني قادم من ابتكار الصحراويين الرحل من البدو لتجفيف اللبن الذي يفسد بسرعة، وبقي الجميد منتجا حيا رغم كل تقنيات تبريد الألبان المتوفرة في كل بيت، أما زيت الزيتون فهو مساهمة الأردنيين بمنتج ينافسون به وبجدارة جيرانهم في حوض المتوسط.

صورة الملك، ضرورة بروتوكولية فهو رأس الدولة ورمزها، تلك الدولة التي تدخل مئويتها الثانية لاتزال بارتباك، رغم أن دخولها المئوية مع كل ما مرت به في مئويتها الأولى من مؤامرات وأزمات وتحديات هو إنجاز ينبغي الاحتفال به بجدارة.

في الجناح الأردني أيضا، احتفالية "متكررة دوما" عبر عرض تلفزيوني "توثيقي" للثورة العربية الكبرى، تلك التي أعلنها أمير مكة والحجاز الشريف، حسين بن علي، من أرضه في الحجاز، وتحديدا من قصره في مكة التي كانت عاصمة مشروع مملكته العربية المستقلة عن الاحتلال العثماني.

التاريخ كان له رأي آخر في سيرورته المتخمة بالتفاصيل والمؤامرات في الرؤية البريطانية مع الحلفاء  لمصير ذلك المشرق العربي، فانتهت طموحات الشريف حسين في مملكة عربية مع نهاية ثورته التي أدت وظيفتها بإخراج العثمانيين من المنطقة، وانتهى الشريف نفسه منفيا في قبرص.

حمل الأمير، عبدالله بن الحسين، "أبن الشريف حسين" فكرة الدولة العربية الواسعة "، التي وأدها البريطانيون، معه في طريقه إلى بلاد الشام وانتهى باتفاق عقلاني وبراغماتي مع وزير المستعمرات البريطاني آنذاك، ونستون تشرشل، إلى إقامة إمارة شرق نهر الأردن، بوصاية بريطانية ( وحتى لا يزاود أحد، فكل الكيانات "المستقلة" آنذاك كانت تحت وصاية بريطانيا أو فرنسا وبقرارات أممية تحت مظلة عصبة الأمم).

بعد الإمارة، كانت المملكة التي تم إعلانها عام ١٩٤٦ بمباركة أممية من لدن الأمم المتحدة، وبنهاية الوصاية البريطانية وعام ١٩٤٩، تم عقد مؤتمر في أريحا ضم فيه الملك، عبدالله الأول، الضفة الغربية إلى دولته الناشئة، بما في ذلك مدينة القدس التي اغتيل فيها عام ١٩٥١.

من كل ما سبق - وهو سرد تاريخي يمكن الرجوع إلى تفاصيله التي لا تخلو من جدل- فإن الثابت الوحيد أن الدولة التي أنشأها الملك، عبدالله الأول، بفكرة حملها من رحم هزيمة موجعة في الحجاز، أنجزت مئويتها الأولى بجدارة رغم كل الأزمات والتحديات التي واجهت بل وهددت وجودها في مراحل مبكرة من مسيرتها.
--
في معرض إكسبو 2020 الأخير، والذي أتاحت فيه دولة الإمارات العربية المتحدة مساحات "عرض" مفتوحة لكل العالم، بقي خيال الدولة الأردنية الرسمي محصورا بالسهل غير الممتنع، وفي حادثة تلفزيونية بطلها قناة رؤيا الأردنية، " مشكورة على كشف الواقع الرديء"، كان هناك مشهد مصور لشاب "محسوب على الجناح الأردني"، وفتاة أيضا مثله محسوبة على الجناح الأردني، تحدث الشاب عن "الحرب العربية الكبرى"، بثقة العارف، فقال إنها بدأت بسوريا وانتهت باليمن، أما الفتاة وبجهل كله ثقة اعتبرت رام الله مدينة أردنية، وهي تشير إلى صورة مدينة أردنية، لم يعرف أحد حتى الآن ما هي !

كلا الخطأين يعتبران من الطرائف، ويمكن أن يدرجا في برامج الأخطاء والعثرات في الترفيه التلفزيوني في الوضع العادي، وبافتراض وجود دولة واثقة لا مرتبكة، لكن الطرفة تتلاشى أمام واقع كشفته عثرات الصدفة التلفزيونية لقناة رؤيا، وهو واقع صار مثار جدل الأردنيين، ويكشف حجم الهوة في مؤسسات الدولة التي لا تزال تتعثر بأخطائها الجسيمة، وما حدث في إكسبو 2020 في تلك اللقطة التلفزيونية تحديدا كان يمكن أن يمر مرور كثير من التفاهات لولا أن واقع المشهد الأردني متخم بالاحتقانات التي تتربص بأي "عثرة"، والعثرة نفسها تكشف خطايا خفايا عديدة تتجاوز جهلا "متوقعا" من شاب وفتاة ضحلين بمعلومات عامة ومعروفة عند كل الأردنيين.

طبعا تواصلت كصحفي مع مصادر رسمية عديدة لفهم "العثرة" التي تخفي خلفها خطايا بحجم فساد وترهل مؤسساتي وإداري بات أيضا معلومة بديهية عند الأردنيين مثل معلومة " البتراء مدينة أثرية في جنوب الأردن".

لم أتفاجأ بالطبع وأنا أستمع لحكايات تكشف أول الخطايا، وهو تشابك وتداخل الصلاحيات حد الفوضى وعقدة "المسؤول" عن كل شيء والتي تقصي "الاختصاص" ليخرج الجناح الأردني بحالة بائسة تتفوق عليها أجنحة مثل أنغولا والبيرو مثلا، رغم أن مجلس الوزراء استعرض حال الجناح الأردني بالمقارنة مع غيره قبل الافتتاح بأيام فقط ( وتلك أيضا من الخطايا)، ورغم حضور "الرغبة الإيجابية" في ذات الجلسة من الوزراء بدعم الفعاليات ماليا ولوجستيا، إلا أن المال لا يكفي بدون إدارة واضحة وحصيفة وشفافة توضح الصلاحيات والتخصصات والمهام الموزعة.

مثلا، مما قيل لي أنه وقبل الافتتاح بأيام، اكتشف المسؤولون الذين تولوا الملف بمرحلة متأخرة وقد ورثوه من إدارات سابقة أهملت كل التفاصيل، بأن هناك مشكلة تقنية بالعروض المصورة، وطبعا كان هناك تدخل فردي استثنائي ومشكور من قبل مواطن أردني مقيم بالإمارات وبتطوع مجاني لإنقاذ الموقف، لكن الأحداث لا يمكن إدارتها دوما بمنطق "الفزعة"!

الشابان المغتربان اللذان أبدعا بكشف ضحالة المعلومات لديهما عن بلدهم الأردن، يتبعان لشركة متخصصة بإدارة الشباب المتطوعين للدعم اللوجستي في حدوده الدنيا كالاستقبال والمرافقة، والشركة تلقت أمرا من الجهة الرسمية المفوضة بإدارة الجناح بعدم التحدث أمام وسائل الإعلام، ما حدث قبل يوم من حادثة "الفضيحة المعلوماتية على الإعلام" أن مسؤول الشركة المتخصصة بالشباب المتطوعين أصر على أن شبابه يمكن لهم أن يتحدثوا للإعلام، بل هي مسؤولية شركته وطاقمها، وأنه تلقى تعليمات بذلك!
لم أجد أيا من مصادري يوضح لي من هي الجهة التي أصدرت التعليمات، والتي كانت في مواجهة أوامر الجهة الرسمية المفوضة في إدارة الجناح الأردني.

( من الخطايا مثلا، أن وزيرا أردنيا اصطحب لفعاليته التي هي مجرد ندوة لا أكثر كل الطاقم الإعلامي التابع للجناح يوم الحادثة. وهذا تصرف فردي عبثي ترك الجناح مفرغا من المتخصصين الذي ملأته شركة غير متخصصة إلا بشباب موهبتهم الوحيدة توزيع الابتسامات).

ومن وحي إدراج للصحفية الأردنية اللامعة، هبة جوهر، ( لن يعرفها معظم المسؤولين الغارقين بعلاقات عامة مع فهلوية الدكاكين الإعلامية) أستطرد:
ألم يكن أجدى من عرض باهت لزجاجات رمل ملونة ( وكان حضورهم بعقد تضمين غامض التفاصيل) أو زيت الزيتون الذي صار الحديث فيه سخرية، وأملاح البحر الميت التي تتفوق إسرائيل فيه بالتسويق الاستثماري، استحضار جهات وفعاليات تقدم الأردن بصورته الواقعية لا تلك الصورة الكاريكاتيرية منتهية الصلاحية؟ 

 هناك مؤسسة اسمها "إرث الأردن" مثلا معنية بتاريخ الأردن الاجتماعي وبالعمق ( مع اختلافي الجدلي  مع كثير مما تطرحه أدبياتها كحقائق)، لها مطعم متميز في عمان يقدم الأطباق الأردنية مصحوبة بتاريخها المحلي وجغرافيتها الاجتماعية، يقوم عليه شباب أردنيون بأهلية معرفية وتعليمية عالية، لماذا لم يتم تقديمهم ليقدموا طبقا شهيا من المعرفة؟

أليس لدى الأردن غير مطرب واحد "مع وافر التقدير له وأنا من مستمعيه" ؟ هناك موسيقيون لهم حفلاتهم العالمية، وفنانون تشكيليون لوحاتهم حاضرة في محافل فنية معروفة. هل يعرف عنهم أصحاب المعالي والعطوفة شيئا؟ 

باختصار..

الحضور الأردني ليس تشريفيا، بل حالة وجودية لدولة تحتفل بمئويتها الثانية، وتصر على أن ترتبك في كل احتفالاتها، رغم أن التحضير لفعالية مثل تلك في مساحة لا تتجاوز ٩٠٠ متر، كان مستحقا منذ عام 2019، وحضور وباء كوفيد مدد للمسؤولين السابقين واللاحقين مدة سنة إضافية كان يمكن خلالها وبسهولة تدارك النواقص!

وفي دولة المؤسسات والقانون، وهي دولة يعرف كل مسؤول فيها صلاحياته وواجباته أكثر من حقوقه وامتيازاته الوظيفية، فإن كل ما حدث، كان سيكون نكتة متداولة كطرائف وأخطاء وعثرات مضحكة، لا موجة غضب تكشف حجم الترهل الإداري في أجهزة الدولة المدججة بعروض "الباور بوينت" وطليقي اللسان بالإنكليزية.

وكالعادة، سينجو الجميع، وهناك ضحية واحدة في الحدث كله يتم تعليقه كبش فداء الخطايا المميتة، ويغلق الملف ضد مجهول.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.