متظاهرون ضد الاستيلاء العسكري على السلطة
متظاهرون ضد الاستيلاء العسكري على السلطة

مواصلة للنهج الأحادي الذي اختطاه منذ انقلابه على الحكم الدستوري في 25 أكتوبر الماضي, قام قائد الجيش بتعيين مجلس سيادي استبعد منه أعضاء المكون المدني الشرعيين واستبدلهم بآخرين من إختياره في الوقت الذي تتصاعد فيه الأنشطة الجماهيرية السلمية المنددة بالانقلاب والرافضة لكل ما يترتب عليه. 

ويبدو جليا أن الانقلابيين لم يدرسوا مستقبل الخطوة التي قاموا بها واكتفوا بالرهان على إقصاء المكون المدني وإحكام سيطرتهم على السلطة عبر إستخدام العنف الذي بدأت وتيرته تتصاعد مع تواصل الحراك الشعبي حيث بلغت حصيلته 20 شهيدا وحوالى 176 جريح وأكثر من 400 معتقل منذ تاريخ وقوع الإنقلاب. 

يتضح ذلك الأمر من خلال التخبط  في القرارات الصادرة من قبل السلطة الانقلابية, فعلى سبيل المثال قال قائد الجيش في المؤتمر الصحفي الذي عقده في اليوم التالي للانقلاب أنه قرر قيام الانتخابات في النصف الثاني من عام 2023 , ولكن بعد مرور حوالى ثلاثة أسابيع من ذلك الحديث صدرت تصريحات عن مجلس السيادة الذي كونته السلطة الانقلابية تفيد بأنه قد تقرر قيام الانتخابات خلال 8 أشهر . 

ومن المعلوم أن قيام الانتخابات يرتبط بإنجاز العديد من الخطوات التي يأتي في مقدمتها إقامة إحصاء سكاني وتكوين مفوضية للانتخابات تقوم على إعداد قانون يوضح الكيفية التي سيجرى بها التصويت وتوزيع الدوائر الانتخابية والعديد من الأمور والإجراءات التفصيلية الأخرى, ومن المؤكد أن هذه الخطوات لا يمكن أن تكتمل بالصورة المطلوبة في ثمانية أشهر فقط. 

كذلك ينعكس عدم دراسة الخطوات التالية من قبل السلطة الإنقلابية في تبنيها لإستراتيجية تقوم على إنكار الحقائق, ومن ذلك التصريحات التي أدلى بها السكرتير الصحفي لقائد الجيش عقب المواكب التي شهدتها البلاد في يوم 13 نوفمبر حيث أنكر فيها نجاح تلك التظاهرات وقال أن الشارع رفض الإستجابة لنداءات القوى الثورية المُطالبة بمقاومة الانقلاب.       

ويقول الطب النفسي في أحد تعريفات حالة الإنكار أنها تمثل إحدى الوسائل التي يستخدمها العقل لحماية الجسم وحماية النفس من بعض الحقائق البغيضة, وهى أيضا تمثل آلية دفاع تعطي الإنسان إحساسا كاذبا ينفي وجود تلك الحقائق. 

وبما أن آلية الإنكار تستخدم في الأساس لتفادي الحقيقة الماثلة فهى تجعل صاحبها يعيش في حالة توهم تهدف لصرف إهتمامه عن القضية الأساسية "الحقيقة" وتوجه إنتباهه لقضايا أخرى إنصرافية وهامشية يعطي الإهتمام بها والتركيز عليها إحساسا بالنجاح يؤدي لنوع من الرضا والسكينة. 

هذا الشعور الزائف بالطمأنينة لا يمثل في واقع الأمر إلا نوعا من التخدير المؤقت لأنه ببساطة شديدة لا يخاطب تلك الحقائق البغيضة بل يسعى للإلتفاف حولها في محاولة لنفيها عن طريق تحقيق إنجاز في الوهم وليس الواقع بينما تظل تلك الحقائق شاخصة لا تتغير. 

 

وتتمثل خطورة آلية الإنكار في أنها, وكونها لا تخاطب الحقيقة, تقف حائلا دون العمل على تشخيص المشكلات الماثلة في الواقع بصورة سليمة من أجل إيجاد الحلول التي تتناسب معها وبالتالي فهى تشكل الوصفة السحرية لتكريس واستمرار تلك المشاكل. 

ويؤكد حقيقة حالة الإنكار لدى الإنقلابيين أنهم إستخدموا كل الأساليب الممكنة للحد من حجم المشاركة في المواكب السلمية المناهضة للانقلاب, ومن بينها قطع الإنترنت (مستمر منذ 3 أسابيع) و إغلاق الجسور واستخدام القوة المفرطة في مواجهة المتظاهرين, ومع ذلك خرجت الجماهير للشوارع في مدن العاصمة الثلاث والولايات في حشود ضخمة عكستها عدسات القنوات الإعلامية الفضائية . 

إن التخبط في إتخاذ القرارات وإنكار الحقائق ليست سوى مقدمات و مؤشرات لحتمية فشل السلطة الانقلابية في إحكام قبضتها على الحكم, حيث ظن العسكريون أنهم بصدد الدخول في معركة قصيرة الأجل تنتهي بإستخدام القوة في إجهاض الوضع الدستوري والقمع الشديد في مواجهة المعارضين, بينما هم في واقع الأمر قد تورطوا في صراع طويل لا يمتلكون الأدوات الكافية لإدارته والسيطرة عليه. 

ويدرك أصحاب البصيرة أن معركة التحول المدني الديمقراطي لم تعد مجرد شعار معلق في الهواء بل أضحت قضية مصيرية وقناعة راسخة لدى شعب عانى كثيرا من الحكومات العسكرية والشمولية التي أقعدت السودان وسرقت موارده وصادرت حريته وأضاعت مستقبل أجيال عديدة من أبنائه طوال 52 عاما هى فترات الحكم العسكري التي شهدتها البلاد من مجمل 64 عاما منذ نيل الاستقلال من المستعمر البريطاني. 

هذه القناعة الراسخة هى التي دفعت الملايين للخروج للشوارع وتقديم التضحيات الجسام طوال 4 أشهر منذ إندلاع الثورة في ديسمبر 2018 وحتى سقوط الطاغية المخلوع عمر البشير في أبريل 2019 , وهى ذات القناعة التي ستجعلهم يصبرون ويثابرون في مقاومة السلطة الإنقلابية حتى ذهابها غير آبهين بالقمع والعنف الشديد الذي يواجهونه من القوات الأمنية. 

لا يجب على السلطة الانقلابية الإطمئنان لإجراءات القمع والتنكيل المؤقتة التي تُوهم ببسط سيطرتهم على مجريات الأمور, فالمعركة الحالية طويلة الأجل وتوضح مقدماتها أن صف الانقلابيين سيبدأ في التصدع مع مرور الوقت وظهور التناقضات بين مختلف مكونات الانقلاب وتحالفاته, بينما تتماسك وتنتظم صفوف الجماهير وتتوحد قواها الحية حول شعارات الثورة و هدفها العريض المتمثل في التحول المدني الديمقراطي.      

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.