مسيحيون في أثيوبيا
الحل العملي في الواقع الغربي هو التعايش، المتوتر حيناً والمتجاهل للتعارض أحياناً بين السرديتين

في القرن الثامن عشر، استكملت "النهضة"، والتي ابتدأت قبل ذاك القرن ببضعة مئات من السنين، اغترافها من كتب القدماء، بمنهجية نقدية جديدة، لتخطو الخطوات الأولى نحو "الأنوار"، أي نحو تغليب العقل على النقل، والتجربة على التقليد، وباتجاه التقاء الفكر الحر مع الفطرة السوية التي ترى الحرية والمساواة أساساً للاجتماع. كان جلياً أن "الكتاب المقدس"، أساس المرجعيات الروحية والفكرية والاجتماعية حينئذ، بحاجة إلى مراجعة عميقة تنقد بعضه، بل ربما تنقض البعض الآخر. وهكذا كان، تمهيدياً.

القرن التاسع عشر أضاف، فيما أضاف، أوائل القدرة على استبيان الأرض. الحفريات الأثرية برزت كمدخل جديد إلى الماضي الغابر، كميزان جديد لنصوص الأخبار، دينية كانت أو دنيوية. لا عجب أن الأهواء هي التي قرأت السجل المستجدّ النابط من الأعماق في أول خروجه، فرأت تصديقاً لطوفان هنا وتأكيداً لخروج من مصر هناك.

كان لا بد من العودة لاحقاً، بعد استذخار السجل، إلى هذه التأييدات لاستيضاحها. وهي أوضحت حكماً أنه لا لقاء بين التاريخ الوقائعي المبني على قواعد البحث، وبين القصص الديني المعاضد بالإيمان. لا يضرّ ذلك المؤمن المطمئن بإيمانه، فكتابه ليس مدوّنة تاريخ، بل دعوة إلى التقوى.

القرن العشرين، في الغرب، إذ استثمر اللسانيات للمزيد من المتابعات التاريخية، شهد تعايشاً بين سرديتين متوازيتين، كليهما لا تدّعي الكمال، وكل منهما يبني عليها الإنسان الغربي قناعاته الوجودية، وفق معادلة وموازنة تختلف بين الفرد والآخر.

الأولى هي السردية الدينية، وقد رضي معظم الناس في الغرب أن بعضها مجازي. قلّة قليلة تصر على حرفيتها وزعم احتوائها على كل علم، فيما الغالبية العظمى قد سلّمت بأن أول فصولها رمزية وحسب. السردية الدينية الغربية المعاصرة، بصيغتها الأكثر رواجاً، لا تزعم الاشتمال على كل أمر، بل تترك لـ "العلم" مساحات عدّة يملؤها.

ولكنها تصرّ على الغلبة في موقعين: ما قبل العلم، أي حيث تقف الطروحات العلمية عند إشكالية الوجود من العدم (الإله من حيث الحد والتعريف معفي بالأصل من هذه الإشكالية)، ثم في إجمال القصة الكتابية، وإن لم يكن في تفاصيلها.

لسان حالها لخصومها هو أن جادلوا إن شئتم بشأن تاريخية الأنبياء، قد نسلّم بالرمزية في أخبار بعضهم، لا كلّهم، ولكن نرفض بتاتاً الطعن بحقيقة بني إسرائيل وبشخص المسيح. قد نختلف حول معنى ألوهيته، ولكن مفصليته لنا، للتاريخ، للعالم، أمر متحقّق، وخلفيته الإسرائيلية، صعوداً إلى داود ومن سبقه قائمة، وإن أعاق الضباب التاريخي جلاء مشاهدتها.

المعضلة، من وجهة نظر القراءة الأخرى، والتي يريد أصحابها لها أن تكون موسومة بالعلمية، هي أن "التسوية" التي ارتضتها السردية الدينية بعيدة جداً عمّا لديهم للتوّ من نتائج. "الكتاب المقدّس" برمّته، لا ببعض أوجهه وحسب، لا يلامس الوقائعية. أي لا تاريخية لبني إسرائيل، بل لا تاريخية للمسيح إلا بشقّ الأنفس وبما لا يلتقي مع القناعة الدينية قط. وكل التعاليم الكتابية التي تشرح العالم، تؤدي أداءها بالنواقص المتوقعة من معارف ما قبل تراكم العلم. أي قد يجري من خلال قراءتها عصر بعض نقاط ممّا يتوافق والعلم المنهجي، إنما شرط غضّ النظر عن فيض ما يتعارض.

الحل العملي في الواقع الغربي هو التعايش، المتوتر حيناً والمتجاهل للتعارض أحياناً بين السرديتين. والكلام هنا بوضوح هو عن سردييتين وليس عن فرقتين. أي في حين أن ثمة من يزعم الاقتصار في قناعته وخطابه على إحديهما، فإن المثال الرائج هو تعايشهما في فكر الشخص الواحد.

حتى في أوساط دعاة اللاإلهية الجدد، والذين يلتزمون موقفاً مسقِطاً للدين والإيمان، يمكن استشفاف رضوخ أو صمت أو اعتماد لأقسام أساسية من السردية الدينية، سواء في مسعى تفسير حياة المسيح دون اللجوء إلى الغيبيات، أي القبول بتاريخية حيث لا تاريخية مؤكدة، أو في اعتماد قصص العهد القديم أساساً للحضارة الغربية، بالتزاوج مع التراث اليوناني الروماني، دون مساءلة جوهرية لصدقيتها التاريخية، مع ما يستتبع ذلك من تأييد لمواقف عقائدية وسياسية.

ثمة عودة هنا إلى ما يشابه أحوال "الفلاسفة الوثنيين"، الصيغة المعتمدة في عالم هؤلاء كانت التجاور بين قناعات العامة حول الآلهة وأدوارها في حياتهم، ما يقتضي استرضاؤها بالعبادات والقربات، والذبائح والصدقات، وبين رصيد تأملات الخاصة والتي تمكنت من تحديد جملة الأسئلة التي يلزم أن تطرح لاستيعاب الكون والمجتمع والإنسان، والتي سارت في مسعى التوصل إلى إجابات، دون أن تزعم لإجاباتها مطلق الحق واليقين.

الكثير من هؤلاء "الفلاسفة الوثنيين" تعبّد في معابد الآلهة، وقدم لها الأضحية. لم ينفِ تعبّده هذا اعتماده الحكمة إطاراً، ولا هو كان كاذباً في أدائه.

ليس هذا التجاور بين المنظومات الفكرية والإيمانية حكراً على التجربة الغربية، بل إن تجليه الأعظم في التاريخ قد يكون التجربة الصينية، حيث تتعايش وتتكامل ثلاث منظومات، الطاوية في نظرتها الكونية، والبوذية في أبعادها الروحانية، والكونفوشيوسية في تأطيرها التشريعي.

وحتى داخل الإطار الإسلامي، أشكال التجاور، استشفافاً جاءت متعددة، سواءاً عبر المذاهب أو الفرق أو الطرق، بشكل ضمني، أو عبر الفلسفة بشكل صريح. بل يمكن اعتبار كتاب "فصل المقال" لابن رشد مسعى لتأصيل هذه العلاقة، وإن بمقدار من التطويع الذي يغشّي الانقطاع ويزكّي الاتصال.

المعضلة، إسلامياً، هي أن المهيمن على المتداول الثقافي هي الأصوات المصرّة على شمولية السردية الدينية وتمام صدقيتها وعلى أن التجاور بين سرديتين يهدف في نهاية المطاف إلى إبطال الدين،  وإلى أن المجتمعات "الإسلامية" لم تعرف ازدواجية السرديات ابتداءاً.

ولكنها هيمنة تكاذب. والتجاور واقع حاصل لا ينفع معه الإنكار. في كافة الاختصاصات العلمية الصرفة والتجريبية علماء مسلمون مؤمنون صادقون بإيمانهم، يمارسون مهنهم ومهامهم بما هم عليه من كفاءة وخبرة، ثم يؤدون واجباتهم الدينية وفق قناعتهم بالمفروض عليهم، ولا يحتاجون إلى ما يقدم عليه البعض لا من محاولات التشذيب ولا من مساعي التوفيق القسري.

البعض المشذّب يتحف الجمهور بآرائه القاطعة التي تسقط علوماً بأكملها، وتصفها بالكذب والغش والغباء، لأنها تتعارض مع محكم النص القرآني أو صحيح الحديث، وحصيلة إنكاره بعد عقود من التنظير والتبجح هي لا شي البتة.

والبعض الموفّق يدخل هذه النصوص من أبواب مدهشة مخفية ليخرج بالتقاء غير محسوب، يبدو لوهلة وكأنه حقق النصرة للدين والإعجاز للقرآن والسنة، إذ أظهر كيف أن الاكتشافات العلمية والنظريات الكونية كان سبق أن استحضرها النص الديني. لينكفئ الموفّق ويطلب السترة يوم تتعدّل القراءات العلمية كما هي حكماً تفعل.

ثمن أن يصدح المشذّبون والموفقون باتفاقهم حول شمولية الإسلام وخالص صدقيته، وأن يقفوا بالمرصاد لكل من يتجرّأ على الإقرار بحقيقة أن السردية الدينية عاجزة عن الإحاطة بكل ما يعتبر، ليس عرقلة المسعى العلمي وحسب، بل كذلك تشتيت السردية الدينية باتجاه التصادم والتنافي.

ليس صحيحاً، كما قد يطرح بعض اللادينيين واللاإلهيين، بأن السردية العلمية سائرة بخطى ثابتة إلى يقين ينفي الأديان، بل هي بذاتها، انطلاقاً من محدودية الفكر البشري، تواجه مسائل مرحلية متواصلة بالإضافة إلى سقف دائم. ولكن بالمقابل، فمزاعم الإطلاق والكمال والشمول، والتهويل إزاء من يتجرأ على الاعتراض عليها، لم تعد مفيدة للسردية الدينية. الخيار المطروح هو الاستمرار بالتكاذب أو إتاحة بعض المجال لقدر من الإقرار بالتجاور.  "دين ودنيا" هو ما يعيشه معظم الناس. ليت الخطاب يرتقي إلى مستوى المعاش.

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!