رجال شرطة  أمام قسم الطوارئ بالفيوم
ارتفاع عدد جرائم القتل العمد في مصر

في مطلع شهر نوفمبر الحالي أقدم شخص في مدينة الإسماعيلية في مصر على قتل رجل أربعيني وفصل رأسه عن جسده بساطور، ثم تجوّل في وضح النهار أمام المواطنين وهو يحمل رأس المجني عليه بيد والساطور في اليد الأخرى، وتبين في ما بعد أن الجاني أعدّ لهذه الجريمة مسبقا نتيجة خلاف يتعلق بالتأخير في إصلاح ماكينة حلاقة لا يتجاوز ثمنها بضعة دولارات. وبعد بضعة أيام أقدم شاب في مدينة أربد في الأردن على قتل شقيقين وإصابة والدهما بجروح بليغة مستخدما حربة صنعها بيده خصيصا من أجل هذه الجريمة، ثم خرج بهدوء وتأّبط ذراع والدته في يد والسكين التي تقطر دما في اليد الأخرى. وصورت الحادثتان، وتناقلتهما صفحات مواقع التواصل الاجتماعي.  

وبعد يومين قام شاب من مدينة تيزي أوزو في الجزائر بحجز والدته، ذات الـ 70 عاما، وشقيقتيه داخل غرفة في الطابق الأرضي من منزلهم، وأغلق الباب ثم فجّر قارورة غاز منزلي عليهم مما أدّى إلى مقتل الفتاتين بينما تضاربت الأنباء حول مصير الأم. ولم يكتف المجرم بذلك بل تصدى لكل من حاول إطفاء الحريق وإنقاذ الضحايا.

في جميع هذه الجرائم كان الإعلام يتحدث عن المجرمين بإعتبارهم أشخاصا مضطربين نفسيا ومدمني مخدرات حتى تمر هذه الحوادث مرور الكرام دون الاعتراف بأن جرائم غريبة في وحشيتها تحدث كل بضعة أيام في هذه المنطقة من العالم.  

حالة الإنكار هذه منهج ثابت عند الإعلام العربي الذي يعمل على التقليل من عدد هذه الحوادث، ولا يتوسع في الحديث عن تفاصيلها وملابساتها، كما تتجنّب مؤسسات الدولة القيام بإحصائيات تكشف الأعداد الحقيقية لهذه الجرائم، نتيجة المعرفة بأن السلطات السياسية تتحمل جزءا رئيسيا من المسؤولية عن انتشارها وزيادة وحشيتها، مع أن الخطوة الأولى لمواجهة أي ظاهرة مرضيّة هي الاعتراف بوجودها، ثم محاولة تحليل أسبابها الحقيقية للعمل على وضع استراتيجية شاملة للتصدي لها.  

ففي العراق رغم توقف الحكومة عن نشر إحصائيات رسمية عن درجة إنتشار الجريمة، قال مدير التدريب والتأهيل في وزارة الداخلية، جمال الأسدي، إنه في عام 2020 حدثت في العراق 4700 جريمة قتل بارتفاع 12 في المئة عن العام السابق، وما ذكره رقم مرعب وقد يكون من الصعب تصديقه، لكنه يؤكد على العدد الكبير لهذه الجرائم، كما قالت تقارير أخرى أن 3500 طفل يتم خطفهم سنويا في العراق، ويساعد الخاطفين على ذلك وجود بين 4 و5 ملايين يتيم في هذا البلد الذي مزقته الصراعات، وهو عدد يزداد يوميا مع استمرار دوامة العنف.  

وصحيح أنه من الممكن تبرير وجود أعداد كبيرة من الجرائم في العراق أو سوريا بإعتباره نتيجة طبيعية لانهيار مؤسسات الدولة وسيطرة ميليشيات مسلحة على هذين البلدين، يمارس كثير منها نشاطات إجرامية تحت يافطات سياسية. لكن كيف يمكن تبرير ارتفاع نسبة الجرائم في دول أخرى في المنطقة؟ ففي الجزائر أشارت أرقام رسمية إلى وقوع ربع مليون جريمة متنوعة خلال عام 2020 أي بمعدل يقترب من 700 جريمة يوميا، وعلّق على ذلك المحامي الجزائري إبراهيم دلولي بالقول إن الجريمة في الجزائر تحولت من حوادث عرضية إلى عمليات منظمة حتى أصبحت مع الوقت ظاهرة مألوفة في المجتمع الجزائري.  

وفي مصر رغم عدم وجود إحصائيات رسمية حديثة، أظهرت دراسة في عام 2017 زيادة 130 في المئة في جرائم القتل و350 في مائة في جرائم السرقة بالإكراه. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن عدد المشاجرات قد ارتفع أربعة أضعاف خلال العقود الماضية. وقبل بضعة أيام قال أستاذ الطب النفسي إيهاب خراط، في برنامج حواري على إحدى القنوات المصرية، إن هناك 6 مليون مدمن مخدرات في مصر من الدرجة الشديدة والمتوسطة، يضاف إليهم 9 مليون آخرين درجة إدمانهم أخف. وكانت النقطة الأكثر أهمية في ما قاله أن عدد مدمني الفئة الأولى قد تضاعف عما كان عليه قبل ثلاث أو أربع سنوات فقط، وتابع أن 45 في المئة من الشباب المصريين قد تعاطوا المخدرات بنسب مختلفة، ووصف الأمر بـ"وباء" يجتاح مصر بل استوطن فيها.  

وما قاله الدكتور عن أوضاع المخدرات في مصر يسلّط الضوء على أحد أهم الأسباب في ارتفاع أعداد الجرائم وزيادة عنفها في بعض الدول العربية، رغم عدم وجود إحصائيات رسمية موضوعية ودقيقة حولها. ففي بعض الدول مثل العراق وسوريا ولبنان تقوم جهات نافذة وميليشيات مسلحة متداخلة مع أجهزة الدولة بزراعة وصناعة وتجارة المخدرات دون أن يستطيع أحد منعها مما أدى إلى تفشي هذه الظاهرة بشكل واسع داخل هذه الدول، كما ساعد انتشار الفساد في الدول المجاورة على تسهيل دخول هذه المواد إلى بقية دول الإقليم مما أدى إلى هذا الارتفاع غير المسبوق في أعداد المدمنين.  

ولذلك من الصعب مكافحة مشكلة المخدرات دون وضع استراتيجية شاملة على مستوى الإقليم تتضمن مكافحة تجارة المخدرات إنطلاقا من بلدان المنبع تلك. وكذلك من الأفضل أن يتعامل الإعلام مع هذه المشكلة الخطيرة بشفافية، والتوقف عن التغطية عليها من خلال الإدعاء بأن معدل انتشار المخدرات لا يختلف كثيرا عن بقية مناطق العالم في تجاهل لتضاعف أعداد المدمنين كل بضع سنوات، كما يجب تسليط الضوء على عجز الحكومات في أغلب دول المنطقة عن معالجة المدمنين نتيجة عدم وجود أعداد كافية من الأسرة المخصصة لمعالجتهم، ولذلك يتم اختصار فترة بقاء المدمن في المصح إلى أقل من الفترة اللازمة لفطامه عن المادة التي أدمن عليها، ويتم تخريجه قبل الأوان مما يجعل الفترة التي قضاها في المصح تذهب هدرا.  

والسبب الثاني في انتشار هذا النوع من الجرائم هو انخفاض مستوى المعيشة، وارتفاع أعداد من يعيشون تحت خط الفقر في تلك البلدان دون أن تفعل الحكومات شيئا لمواجهة ذلك، حتى عبر تقديم قسائم طعام مجانية للفقراء كما تفعل كثير من دول العالم مع أن مثل هذا الإجراء قد يقلل من نسبة الجريمة مع ما يترتب عليها من أعباء مالية، وكذلك على الحكومات بذل جهود إضافية لتأمين فرص عمل للشباب، ومن الصعب تحقيق ذلك اعتمادا على القطاع العام فقط بل يجب توفير بيئة آمنة تشجع على دخول استثمارات القطاع الخاص الداخلي والخارجي، وهذا يتطلب وجود دولة قانون ومؤسسات وهو أمر مازالت أغلب دول الإقليم بعيدة عنه.  

وهناك ناحية أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الشباب في هذه المنطقة يشعرون بأنهم مهمّشون ليس لهم أي دور في الحياة العامة أو رسم سياسات بلدهم، بل إن أجهزة الدولة التي من المفروض أن تكون مهمتها حمايتهم يقتصر عملها على مراقبتهم لمعرفة درجة ولائهم للحاكم، ولا تتورع بهدف تحقيق ذلك عن إهانتهم بشكل متعمد حتى لا يتجرّأ أي منهم على انتقاد سياسات الحكومة مما يرفع من درجة الغضب عندهم. كما أن السجون في هذه الدول بدل أن تكون دورا للإصلاح وإعادة التأهيل نراها مدرسة يتعلم فيها السجين كل ما فاته من فنون الإجرام.  

وكذلك هناك سبب آخر لا ينال الإهتمام الكافي كواحد من أسباب ارتفاع أعداد الجرائم وزيادة وحشيتها، وهو قيام الحكومات في تلك البلدان بالترويج لخطاب الكراهية عبر الإعلام وضمن المناهج التعليمية عبر الحديث الدائم عن مؤامرات تستهدف الوطن وإختلاق أعداء يتم تحميلهم مسؤولية المعاناة وحالة البؤس التي يعيشونها، ومشاعر الغضب المرضيّة هذه ربما تتحمل جزءا من المسؤولية عن الجرائم الثلاث التي تم التعرض لها في مقدمة المقال. ورغم وجود بيئة سياسية نموذجية لنمو الجريمة في كثير من الدول العربية، هناك دور مماثل للتركيبة الاجتماعية وهو موضوع المقال المقبل.
 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.