الأشد قسوة وثقلاً من هذه الوقائع هي أنها هي نفسها ليست موضوع السياسة في هذا البلد البائس
الأشد قسوة وثقلاً من هذه الوقائع هي أنها هي نفسها ليست موضوع السياسة في هذا البلد البائس

بدأ الانهيار اللبناني يتفشى على نحو أفقي أشد ايلاماً، لكنه تفشٍ صامت ينطوي على القبول واستسلام. أن تتوجه إلى دائرة رسمية لإنجاز معاملة وتجد أن الموظفين لم يحضروا لأن رواتبهم لا تكفي لوصولهم إلى مكاتبهم، فهذا أمر صار عادياً ويومياً، وأن تلاحظ أن إشارات السير في بيروت قد أطفأت، واستعيض عن بعضها برجال شرطة متعبون ويرتدون بدلات رثة، فهذا ما لم يعد يثير اهتمام أحدٍ، أما الحصول على الدواء والغذاء فقد صار ممكناً ولكن لمن بحوزته عملة صعبة، أو ممن صاروا يسمونهم هنا في بيروت بـ"جماعة الفرش دولار" وهؤلاء لا تتجاوز نسبتهم في لبنان الخمسة في المئة المواطنين! أما الأفظع فهو أن تعلم، وعن طريق الصدفة، أن العام الدراسي في المدارس الحكومية وفي الجامعة الوطنية لم يبدأ بعد! الصدفة هي ما قادك إلى هذه المعرفة، وليس خبر في صحيفة أو صراخ متظاهرين محتجين، أو شكاوى أهالي التلامذة، فهذه كلها جرى خنقها، وصار الخبر هو أن تتمكن مدرسة من فتح أبوابها للتلامذة، وليس الخبر أن تعجز المدارس عن المهمة التي أنشأت من أجلها!

لكن الأشد قسوة وثقلاً من هذه الوقائع هي أنها هي نفسها ليست موضوع السياسة في هذا البلد البائس. السياسة في لبنان هي خطوط الاشتباك المذهبي بين حزب الله الشيعي والقوات اللبنانية المسيحية! وهي تصريحات وزير الاعلام جورج قرداحي التي أغضبت السعودية، وهي أيضاً "سلاح المقاومة"، وحصة التيار العوني في أي تعيينات إدارية، وفي أحسن الأحوال السياسة هي الضغوط الهائلة التي يمارسها الثنائي الشيعي للإطاحة بقاضي التحقيق في انفجار المرفأ طارق البيطار. أما رعاية مصالح الناس، والنظر في تلبية احتياجاتهم، وهي موضوع السياسة الأول، فهذا ليس شأن أحد من القوى التي سطت على الدولة وعلى مقدراتها.

ليست وظيفة الدولة في لبنان تشغيل إشارات السير أو تأمين شروط بدء العام الدراسي ولا تأمين الدواء للمرضى. مهمتها تأمين شروط بقاء الرئيس في القصر، وضمان حماية سلاح حزب الله، وعدم المساس بصلاحيات رئيس الحكومة وإلا اهتزت كرامة الطائفة السنية. ووظيفتها أيضاً، وبدل تأمين الدواء رفع الدعم عن الدواء، وبدل افتتاح العام الدراسي، رعاية سوق سوداء للشهادات الجامعية التي تؤمن عائدات للمؤسسات الجامعية من الدول المنكوبة مثل العراق وسوريا.

لبنان هذا صار وباء فعلياً، وصار خطراً يتهدد العالم كله. الفساد اللبناني امتد ليصيب النظام المصرفي السويسري عبر الودائع الملوثة، وهو توجه كشحنة مخدرات هائلة إلى السعودية، ومؤخراً عبر الحدود العراقية عبر 27 ألف شهادة جامعية مزورة أعطيت لموظفين وضباط ومواطنين عراقيين راغبين بالصعود بالسلم الوظيفي عبر هذه الشهادات!

أي لبنان هذا، وأي فساد، وأي عبقرية منعقدة حول هذه المهمة التي يؤديها. وإذا أردنا أن نستعين بما وصف به البابا الراحل جان بول الثاني لبنان، أي أنه رسالة، علينا أن نسحب المضمون الثقافي والتعددي الذي عناه البابا وأن نستعيض عنه بالفساد بصفته علامة رئيسة للتجربة اللبنانية، لا سيما في زمن ميشال عون وسلاح المقاومة، معطوفاً عليهما المساهمة الميقاتية ومن قبلها الحريرية، في هذا الإنجاز الهوياتي والثقافي.

الدولة في لبنان هي فعلاً مجرد راعِ للفساد ومحتضن للشر. لا يمكن إيجاد تعريف آخر لها. فنحن حيال سلم أهلي تسوده كل وجوه الحرب. المدارس مقفلة والناس جوعى والأدوية للأغنياء، والجنود، الذين لم يباشروا بعد استعمال أسلحتهم لانتزاع شروط بقائهم على قيد الحياة، ثمة دولة كبرى، هي أميركا، من يتولى طعامهم وكساءهم. كل هذا ولا يشعر الرئيس أن عهده فاشلاً، وحزب الله يواصل خطابه في التحريض على الطوائف الأخرى، والزعيم الثالث، أي سعد الحريري يواصل من منفاه الطوعي نفي الأخبار التي تتحدث عن نهايته السياسية والمالية، ويواصل أيضاً استقبال مساعديه ممن أصابتهم العقوبات الأميركية بسبب الفساد!

بالأمس قال أحد الأطباء إن رفع الدعم عن الدواء سينجم عنه ارتفاع في نسبة الوفيات، لا سيما كبار السن، يفوق بأضعاف الارتفاع الذي شهدناه في ذروة تفشي مرض كورونا. هذا الأمر لم يثر بأحد اهتماماً أو تفكيراً. مقدمات نشرات الأخبار المحلية تركزت على احتمال تسوية بين ميقاتي وحزب الله، بحيث يستقيل جورج قرداحي كمقدمة اعتذار من السعودية، ويُطاح بالقاضي طارق بيطار ليطمئن الثنائي الشيعي على أن أحداً لن يتهمه بالتسبب بانفجار المرفأ!

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!