مستقبل الاتحاد الأوروبي سوف يتشكل في ضوء الطريقة التي يتعامل بها مع هذا الملف
مستقبل الاتحاد الأوروبي سوف يتشكل في ضوء الطريقة التي يتعامل بها مع هذا الملف

المهاجرون غير الشرعيين، وغالبيتهم من الشرق الأوسط، يحاصرون أوروبا من جميع الجهات تقريبا. هذا ليس تشبيها أو مبالغة، ولكنه حقيقة تزداد وضوحا كل يوم.

فعلى طول الحدود الجنوبية والشرقية للقارة يتأهب مئات الآلاف من هؤلاء لأية فرصة أمامهم لعبور البر أو ركوب البحر باتجاه الحدود، وخلف ذلك تقف دول عربية وإسلامية جاهزة دوما لإنتاج المزيد منهم كل يوم.

ويبدو أن مستقبل الاتحاد الأوروبي سوف يتشكل في ضوء الطريقة التي يتعامل بها مع هذا الملف. هل يستقبل المزيد من المهاجرين وبالتالي يغامر بتغيير الطابع الديموغرافي لبلدانه وما يرافق ذلك من اضطرابات داخلية عنيفة بسبب عدم التجانس أو القدرة على الاستيعاب، أم يقاوم ويوصد أبوابه تماما، ولكن كيف وإلى متى؟

حتى الآن تبدو السياسات الأوروبية مزيجا من الاثنين، فمن جهة تستقبل هذه الدول أعدادا من اللاجئين وخاصة الفئات الأضعف، والهاربين من مناطق النزاعات، ولكنها في الوقت نفسه تسعى لاتخاذ إجراءات للحد من الهجرة غير الشرعية سواء عبر الضغط على دول المنبع أو تشديد القيود على الحدود.

لكن جميع هذه الإجراءات كشفت مع ذلك عن ضعف وعدم وجود سياسة موحدة وفاعلة تجاه هذا التحدي الكبير. ففي حين تتشدد بعض الدول الأوربية (خاصة الشرقية والجنوبية منها) في مسألة اللجوء والهجرة غير الشرعية، فإن دولا أخرى تفتح أبوابها من دون قيود.

والأهم أن هذه السياسات لم تردع المهاجرين غير الشرعيين من التدفق على هذه الدول، بل أنها في حالة دولة مثل ألمانيا التي استقبلت أكثر من مليون مهاجر في السنوات الماضية، شجعت المزيد من هؤلاء على القدوم.

وفي الواقع تواجه الدول الأوروبية معضلة. فقوانينها وقيمها تمنعها من وصد الأبواب أمام اللاجئين الذين يتهدد حياتهم الخطر في بلدانهم، وفي الوقت نفسه فإن أعداد هؤلاء آخذة بالتزايد على نحو مخيف. في العادة فإن قوانين الهجرة مصممة كي تستوعب أعدادا معقولة من اللاجئين سنويا، لكن عندما يكون هؤلاء مثل الطوفان فمن المفهوم أن تصاب هذه الدول بالقلق والذعر.

والملاحظ هو أن السياسات الأوروبية الضعيفة والمتسمة بالكثير من التردد تجاه الهجرة غير الشرعية أغرت بعض الحكومات الاستبدادية لاستخدام هذه الورقة ضدها.

ويعتبر فتح جبهة بيلاروس والتي تجاور لاتفيا وليتوانيا وبولندا، أي الحدود الشرقية للاتحاد الأوروبي، هو الأحدث في هذه الحرب. فمن الواضح أن العملية كلها مدبرة وتقف خلفها الأجهزة الأمنية البيلاروسية، والهدف هو إحراج أوروبا وابتزازها. ولولا الموقف المتشدد من جانب بولندا وكذلك تحرك الاتحاد الأوروبي لفرض عقوبات على شركات الطيران التي تنقل المهاجرين وكذلك الأشخاص المتورطين في تهريب البشر، لكان الجسر الجوي إلى مينسك لا يزال مستمرا ولشاهدنا عشرات وربما مئات الآلاف من المهاجرين يطرقون أبواب الاتحاد الأوروبي.

والذين يتهمون أوروبا بالقسوة ويستنكرون رفضها استقبال المهاجرين غير الشرعيين، هم أنفسهم لا يقبلون بوجود هؤلاء على أراضيهم ولا يمنحونهم أية فرصة للبقاء أو اللجوء.

هذه الأعمال لا علاقة لها باللجوء، هذا نوع من الغزو البشري لأسباب اقتصادية يتم من مناطق الشح إلى مناطق الوفرة. وهو كان يحدث باستمرار عبر التاريخ وفي معظم مناطق العالم. الذي اختلف الآن هو أنه لم يعد مقبولا بسبب وجود دول ذات حدود وسيادة، وحيث لا يمكن لأية دولة أن تسمح بدخول الناس إليها بطرق غير شرعية وغير قانونية وإلا انتهكت سيادتها ولم تعد لقوانينها أية قيمة.

وعدا عن القضايا المتصلة بالقانون والسياسة فإن ثمة مخاطر أمنية أيضا. فليس هناك ما يمنع التنظيمات الإرهابية مثل القاعدة وداعش والإخوان المسلمين وغيرها من استخدام سلاح اللجوء والهجرة غير الشرعية، سواء عبر تشجيع الناس في المناطق التي تسيطر عليها أو تنشط فيها، أو الإيعاز إلى عناصرها بالهجرة إلى الدول الغربية إما لتنفيذ عمليات إرهابية أو تأسيس خلايا أو ملاذات آمنة.

إن الصورة الأكبر لهذه المشكلة ليست فيما يحدث اليوم على الحدود بين بيلاروس وبولندا أو في المياه الجنوبية للبحر المتوسط، ولكنها في الحقيقة أن عدد سكان الدول العربية والإسلامية يتزايد باضطراد ومشاكل هذه الدول تتضاعف وتصبح أكثر استعصاء، ويبدو أن إحدى وسائل الحكومات فيها للتخفيف من هذه المشاكل هو فتح الأبواب لجزء من سكانها للهجرة باتجاه أوروبا. وهذا يعني أن طوفان الهجرة غير الشرعية لن يتوقف، بل ربما يزداد مع الوقت، ومع الوقت أيضا لن تعود أوروبا هي نفسها التي نعرفها اليوم ما لم تسع إلى تغيير قواعد اللعبة بصورة جذرية.

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.