من داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية
من داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية

لا يختلف اثنان أن آخر ما تريده أميركا وإدارة جو بايدن هو مواجهة عسكرية مع إيران لوقف برنامجها النووي. إنما مع التعطيل والعقبات في المفاوضات قيد الاستئناف في فيينا في 19 الجاري، هناك تشاؤم أميركي وغربي عموما من اختراق ديبلوماسي.

التشاؤم مرده اليوم تجاوزات إيران الضخمة في خرق الاتفاق النووي الموقع في 2015، من مضاعفة مستوى التخصيب إلى عرقلة مهام مفتشي وكالة الطاقة الذرية وعدم وضوح استراتيجية المتشددين وإبراهيم رئيسي، ومن صاحب القرار في الفريق التفاوضي. فضلا عن ذلك يرفض الفريق الجديد الالتزام بما وافق عليه حسن روحاني وجواد ظريف، مما يجعل أفق رفع العقوبات والعودة إلى الاتفاق أكثر انسدادا. 

إيران أيضا تتردد في توقيع اتفاق مع إدارة بايدن كما فعلت مع إدارة باراك أوباما في 2015، لترى دونالد ترامب يفوز بالرئاسة بعد عام ويمزق الاتفاق النووي. اليوم شعبية بايدن هي في أدنى مستوياتها، وما من ضامن بأن ترامب لن يترشح في 2024 ويعيد الكرة. ومن دوم مصادقة الكونغرس على اتفاق خارجي، يضع التغيير في البيت الأبيض فرص أي اتفاق في مهب الريح. 

هناك الانقسامات داخل الفريق الدولي الذي يفاوض إيران أي ممثلي الدول الخمس زائد واحد. ففي حين تسعى واشنطن وحلفائها الأوروبيون إلى زيادة الضغوط على إيران، لاتزال الصين تشتري النفط الإيراني وتمد شريان حياة للنظام، ما يجعله أقل رغبة بالتنازل حول طاولة فيينا. هناك روسيا أيضا التي تفاوض حول مصالحها مع الغرب قبل النقاش في إنعاش الاتفاق النووي. 

أميركيا، تتراكم الضغوط على إدارة بايدن بين الأعباء الاقتصادية وتضخم في الأسعار هو الأعلى منذ 1990، وتتراجع شعبية الرئيس والديمقراطيين قبل أقل من عام على الانتخابات النصفية. أي تنازل سيقدمه بايدن لإيران يجب أن يلاقي المناخ الأميركي العام، الذي يرى اليوم في الانسحاب من أفغانستان مؤشر ضعف وتململ في القوة الأميركية. إدارة بايدن لا تريد الانغماس في وحول الشرق الأوسط، سواء كانت إيران أو سوريا أو العراق أو اليمن، ووزير الدفاع لويد أستن يصل المنطقة اليوم في محادثات لإعادة تصويب الوجود الأميركي في المنطقة، وترسيخ أولويات احتواء الصين قبل إيران من باب القواعد في الخليج. 

هذا كله يقلص فرص الاختراق الديبلوماسي مع إيران في الجولة المرتقبة في فيينا، ويفتح الباب على سلسلة خيارات أهمها:

1-  إقناع واشنطن والأوروبيين للصين بتبني مسار تصعيدي ضد إيران لتغيير نهجها في المفاوضات. هذا يشمل العقوبات الاقتصادية وكبح بكين لتعاملاتها النفطية مع إيران. قمة بايدن مع الرئيس الصيني شي جينغبينغ تمحورت حول تعاون في هذا الشأن إلى جانب رص تحالف آسيوي مع اليابان والهند لموازنة سعر النفط العالمي بعد تعنت أوبك. 

نجاح هذا الخيار ورص تعاون صيني-أميركي سيزيد من دون شك الضغوط على إيران وعلى السعودية وروسيا، في الخلاف حول أسعار النفط.

2- توقيع اتفاق تمهيدي يخفض مستوى التخصيب ويرفع عقوبات محددة عن إيران من دون العودة الكاملة للاتفاق النووي. هكذا مقايضة نقلها موقع "أكسيوس" هذا الأسبوع ومقترحها مستشار الأمن القومي الأميركي جايك سليفان. المشكلة فيها أنها لا تحل مسألة التفتيش ولا تؤخر الساعة النووية بالكثير كما تعارضها إسرائيل وهي نقلت موقفها للبيت الأبيض.

3- تصعيد وترك الكرة في ملعب إسرائيل: هذا يعني أن الفشل في فيينا سيضع عجلة المواجهة على نار ساخنة، ويزيد من احتمالات الضربات أو الهجمات السرية وأعمال القرصنة الإسرائيلية ضد البرنامج الإيراني. 
على وقع هذا التوتر وتضاؤل فرص نجاح المفاوضات مع إيران، تتحرك الدول الإقليمية لمد جسور مع طهران ليس محبة بسياستها بل لحماية وتحصين موقع هذه الدول وأمنها في حال وقعت المواجهة مع إيران، سواء اقتصاديا أو إسرائيليا. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.