(FILES) In this file photo taken on August 3, 2021 from the "Iconic Tower" skyscraper shows a view of construction work ongoing…
صورة لـ"العاصمة الإدارية الجديدة" في مصر

في الوقت الذي تحاول فيه مصر التقدم والازدهار بعد ثورتين عاصفتين وبعد وباء عالمي وفي الوقت الذي تكلمت فيه العديد من الصحف العالمية مؤخرا عن مبادرة الرئيس السيسي "الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان" وفي الوقت الذي تحاول فيه مصر جذب المزيد من الاستثمارات الخارجية المباشرة، وفي الوقت الذي تنطلق فيه الدولة المصرية للبناء وجذب السياحة العالمية تخرج علينا الصحف بخبر حبس الكاتب المصري أحمد عبده ماهر بعد قضية رفعها عليه المحامي سمير صبري بتهمة ازدراء الدين الإسلامي.

والمحامي المذكور هو أبرز شخص في شبكة من المحامين في مصر تحولوا إلى ما يشبه الجلادين، حيث يقومون برفع قضايا ضد من يعتقدون أنهم يخرجون عن الأعراف والتقاليد، وغالبا ما يحصلون على أحكام بالحبس ضدهم.

وضحايا هؤلاء المحامين كثر ومن بينهم الفنانون والمثقفون والسياسيون ورجال الأعمال، وحتى من يعرفن بـ"فتيات التيك توك".

فعلى سبيل المثال لا الحصر، رفع المحامي سمير صبري قضايا على الممثلة "رانيا يوسف" بسبب فستانها في أحد المهرجانات وهو أيضا من تسبب في حبس حنين حسام في قضية "فتيات التيك توك" المعروفة.

وقد كشف سمير صبري بنفسه في برنامج "يومين وبس" على قناة المحور، وكما ورد في جريدة "المصري اليوم"، أنه تقدم ببلاغات للنائب العام ضد فنانين وسياسيين ورجال أعمال يصل عددها إلى أكثر من ثلاثة آلاف بلاغ!

والسؤال هنا هو لماذا يفعل سمير صبري كل ذلك؟ فثلاث آلاف بلاغ تتكلف على الأقل 10 مليون جنيه مصري لرفعها في ساحات القضاء. فهل الرجل يريد شهرة فقط أم أنه مدعوم من منظمات مثل منظمة الإخوان لتشويه سمعة مصر ونظام الرئيس السيسي عالمياً؟ 

فبلاغات المحامي سمير صبري ضد المشاهير تصل إلى الجرائد العالمية، مما يتسبب في تشويه لصورة الدولة المصرية ويؤثر سلبا على سمعتها واقتصادها والثقة فيها.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، فإن البعض يتساءل هل إذا سافر إلى مصر للسياحة سيتم سجن زوجته لأنها صورت نفسها وهي ترتدي البكيني أو وهي ترقص ونشرتها على شبكات "التيك توك" للتواصل الاجتماعي كما حدث لحنين حسام؟ ويتساءل آخرون ممن يفكرون في الاستثمار في مصر من أتباع الديانات البوذية والهندوسية والكنفشيوسية هل سيتم سجنهم إذا قرأوا كتبهم المقدسة في فنادقهم داخل مصر بتهمة ازدراء الدين الإسلامي؟ 

والبعض يسأل هل الرئيس السيسي صادق حقا في مبادرة حقوق الإنسان وفي تجديد الخطاب الديني كما يقول للعالم، بعد أن أصبح إلقاء العديد من المفكرين الدينيين في السجن أمرا معتادا نتيجة لقضايا السيد سمير صبري؟  

فللأسف تسبب سمير صبري وأمثاله في أذى شديد لمصر ولصورتها الحضارية ولاقتصادها ولصورة رئيسها المخلص لها، فلا يحتاج الأمر إلى عالم فضاء أو خبير في علوم الذرّة ليدرك أن صورة الدول في أعين العالم تؤثر على اقتصادها وعلى قدرتها التنافسية في جلب المزيد من السياحة والاستثمارات الخارجية المباشرة.

وليس عندي أدنى شك في إخلاص القيادة المصرية الحالية لمصر، ولكن للأسف الشديد فإن تصرفات المحامي سمير صبري وأمثاله تجعل العديد من جهدها يذهب سداء ويشوه صورة الدولة لدى الكثيرين.

وقد يتساءل البعض لما القلق؟ فالسياحة منتعشة حاليا في مصر. وقد يكون هذا صحيحا بالمقارنة بفترات سابقة ولكن السؤال الأهم هو لماذا تستطيع دولة مثل "إسبانيا" اجتذاب أكثر من 80 مليون سائح سنويا ولا تستطيع مصر اجتذاب أكثر من 12 مليون سائح بالرغم من تفوق مصر بمئات المرات على إسبانيا في عدد وتنوع الآثار التاريخية، وفي جودة وانتشار الشواطئ الجميلة على مدار العام!

قد يكون هناك عدة عوامل وراء هذا الأمر ولكننا لا يمكننا إغفال عامل "صورة الدولة" والتي يحاول أمثال المحامي سمير صبري تشويهها بقضاياه الشاذة.

فهل حان الوقت وآن الآوان لأن توجه الدولة المصرية الاتهام إلى المحامي سمير صبري وأتباعه بتهمة تشويه صورة مصر عالميا ودوليا؟ 

وللحديث بقية! 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.