قوات روسية خلال تدريب في أبريل الماضي
قوات روسية خلال تدريب في أبريل الماضي قرب جزيرة القرم

منذ اندلاع الأزمة الروسية الأوكرانية سنة 2014 وقيام موسكو باحتلال شبه جزيرة القرم والتدخل في شرق أوكرانيا (إقليم دونباس الانفصالي) وإلى الآن، لم تتخذ موسكو أي خطوة استراتيجية تغير قواعد الاشتباك المتفق عليها ضمنيا بينها وبين الناتو والاتحاد الأوروبي، حيث إن الأطراف كافة شبه ملتزمة بضوابط النزاع، ومن المستبعد أن  تخرج الأمور عن السيطرة بالرغم من عودة الحشود العسكرية الروسية إلى الحدود الأوكرانية، وقرار بعض الدول الغربية تزويد الجيش الأوكراني بأسلحة متطورة من أهمها مضادات الدروع. فجميع اللاعبين، وفي مقدمتهم واشنطن وموسكو، غير معنيين بنقل الصراع من حدوده التكتيكية إلى التصعيد الاستراتيجي.

بالنسبة لموسكو التي يؤرقها الحيز الأوكراني ويؤثر على مصالح أمنها الوطني، تضطر دائما إلى تذكير الأوروبيين والناتو بخطوطها الحمراء في حال حاولوا ضمها إلى واحد منهما، إذ لا يمكن لها الفصل بين مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية عن البعد العرقي أو الديني أو التاريخي في علاقتها مع أوكرانيا، وهذا ما يوفر للكرملين غطاء نخبويا وشعبيا روسيا في أي خطوة تصعيدية تجاه كييف.

وكما إن الإصرار الروسي في التركيز على هذه العلاقة التكوينية بين روسيا وأوكرانيا، كان لها تداعياتها على الرأي العام في أوروبا، الذي لا يرى فرقا بين الروس والأوكران. وهذا التعقيد في الفصل بينهما تستفيد منه دول أساسية في أوروبا بهدف المراوغة وتأجيل ضم أوكرانيا  إلى الاتحاد الأوروبي أو إلى الناتو.

لذلك فإن العلاقة الشائكة ما بين أوكرانيا وروسيا من جهة، ومن جهة أخرى ما بين أوكرانيا والغرب، منحت موسكو فرصة دائمة لابتزاز الأوروبيين والناتو عبر كييف. فمنذ قمة الناتو في بوخارست شهر نيسان 2008 وإلى الآن، لم يتخذ الناتو أي إجراءات حقيقية في مسألة ضم أوكرانيا وجورجيا إليه، هذا الجمود أو المراوغة في الموقف الغربي من المسألة الأوكرانية اكتفى ببعض التغييرات النسبية، بالرغم من التحولات السياسية الداخلية في أوكرانيا واتخاذها خطوات الاقتراب أكثر من الغرب، كما أن التحركات العسكرية الروسية منذ أزمة القرم وإلى الآن لم تثر حفيظة الناتو للقيام بخطوات أكثر استراتيجية لحماية اوكرانيا.

عمليا، عززت معضلة أوكرانيا الجيوسياسية شكوك النخب الأوكرانية بأن الدول الغربية الفاعلة لا تريد من بلادهم إلا أن تكون منطقة عازلة بينها وبين روسيا، حيث أن كلفة تحويلها إلى منطقة عازلة أقل بكثير من ضمها على المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية. ومن أجل الحفاظ على هذا الستاتيكو، فإن الدول الأوروبية لم تزل متمسكة بالكلام المبهم الذي صدر عن قمة الناتو في بوخارست  2008، والذي اكتفى بالقول قبل 13 سنة بأن جورجيا وأوكرانيا سيصبحان يوما ما عضوين في الناتو دون تحديد إطار زمني لهذا الانضمام، وهذا ما عاد وصرّح به أمين عام الحلف من أيام في خضم التهديدات الروسية لأوكرانيا.

من هنا تتبع موسكو لعبة الاستفزاز والابتزاز معا، فهي على قناعة أن الدول الغربية لن تخوض مواجهة مباشرة مع روسيا من أجل أوكرنيا قد تؤدي إلى صراع عالمي، وتستغل فصل الشتاء وارتفاع أسعار الغاز من أجل تليين الموقف الألماني والفرنسي، والذي يظهر في كيفية التعاطي الروسي مع رباعية النورماندي، التي حوّلها وزير خارجية روسيا، سيرغي لافروف، في تصريحه، الخميس الفائت، إلى أداة ضغط دبلوماسي على كييف، إذ أكد قوله: "لن نشارك في اللقاءات إلا عندما نتبلغ بتنفيذ كييف كل ما تم إدراجه في القرارات السابقة. ويشمل ذلك قبل كل شيء تحديد الوضع الخاص لمنطقة دونباس وتثبيت هذا الوضع في الدستور الأوكراني، الذي يجب إدراج جانب من اللامركزية فيه، حسبما جاء في اتفاقيات مينسك".

 وقد سبق كلام لافروف موقفا للرئيس الروسي يستكمل الضغط الاستراتيجي على أوكرانيا، إذ وقّع الرئيس بوتين مرسوما يقضي بتقديم الدعم الإنساني لسكان مناطق معينة في جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك. مرسوم بوتين يعتبر من جانب كييف خطوة نحو الاعتراف الرسمي باستقلال الإقليم، والذي يُعتبر خطوة روسية استفزازية، مدعومة بانتشار عسكري جديد على الحدود وتحذير من عواقب أي ردة فعل أوكرانية قد تؤدي إلى تدخل روسي مباشر. فالجميع بات مقتنعا بأن الاستفزازات الروسية جاءت نتيجة قناعة موسكو بأنها قادرة على تطويع الأوروبيين وتقويض خياراتهم. 

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"
يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"

كأنّ هناك عقلًا واحدًا يتحكّم بصانعي الفوضى في العالم، اذ إنّ هؤلاء لا يجدون سوى وصفة واحدة لإحلال السلام: الاستسلام لهم!

ومن يدقق بالعبارات التي يستعملها صانعو الفوضى في العالم، يتفاجأ بأدبيّات موحّدة، فالقيادة الروسية بزعامة فلاديمير بوتين تحمّل الغرب مسؤوليّة دخول حربها على أوكرانيا عامها الثاني، لأنّ هذا الغرب يزوّد أوكرانيا بمقوّمات الصمود العسكري والإنساني، مما يحول دون استسلامها.

بالنسبة للقيادة الروسيّة: السلام مستحيل، والتصعيد ضرورة، والدمار واجب، والقتل حتمي، طالما أنها عاجزة عن تحقيق أهدافها المعلنة في أوكرانيا، فالطريق إلى السلام قصير جدًا، إذا سارت كييف بشروط موسكو.

هذه العقلية الروسيّة لا تعير أيّ اهتمام للقانون الدولي وللسيادة الوطنية وللمصالح الإقليمية وللسلم الدولي ولموازين القوى، فهي إمّا تنتصر وإمّا تفني العالم، من خلال رفع مستوى التهديد باللجوء إلى احتياطاتها الخطرة من الرؤوس النووية.

وثمّة دول مستفيدة من هذا الانحراف الروسي، فالصين التي تنافس الولايات المتحدة الأميركية على زعامة العالم، تجد في القيادة الروسيّة ضالتها، إذ إنّ هوسها بالانتصار المستحيل سوف يوهن موسكو ويلحقها ببكين، وسوف يضعف الاتحاد الأوروبي ويبعده عن دائرة التأثير في صناعة موازين القوى الاستراتيجية في المستقبل.

ولكنّ دون هذا الهوس الروسي من جهة أولى وهذا الهدف الصيني، من جهة ثانية، يقف وعي غربي جماعي، إذ اكتشفت دوله أنّ تعاضدها ووقوفها في صف واحد مع الولايات المتحدة الأميركية، وحده كفيل بتوفير مستقبل سيادي لها ولشعوبها.

قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، كان الغرب شبه مفتّت ووحدته شبه متفسّخة، إذ كانت المصالح الاقتصاديّة تتقدّم على كل المخاوف الاستراتيجية.

بعد الغزو الروسي، وفي ظل القراءة العميقة للأداء الروسي، اختلفت الأحوال، إذ إنّ الوقاية من مخاطر المستقبل تمرّ بتوفير الشروط اللازمة للحيلولة دون استسلام أوكرانيا، بصفتها بوابة أوروبا،  أمام "الدب الروسي" الذي سوف يسلّم نفسه والآخرين لمشيئة "التنّين الصيني".

ومن روسيا ننتقل مباشرة إلى لبنان، حيث منطق "حزب الله" لا يختلف بشيء عن منطق "حزب الكرملين".

يريد "حزب الله" المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأجندة الإيرانية أن يُبقي لبنان "عمقًا استراتيجيًا للجمهورية الإسلامية في إيران"، وفق "تكليف" صادر عن المرشد الاعلى علي خامنئي، وذلك خلافًا لإرادة سائر القوى السياسية التي تريد أن يعود لبنان عنصرًا فاعلًا في محيطه العربي وفي بعده الدولي.

ولهذا يسعى "حزب الله" إلى أن يفرض رئيس الجمهورية الذي يناسب مخططه، وهو من أجل تحقيق ذلك يترك البلاد لقمة سائغة في فمّ الفراغ المنتتج للفوضى وللفقر وللجوع.

وكالعادة  لا  يتحمّل "حزب الله" تبعة ما يقدم عليه، بل يلقيه على عاتق من يتصدّى لمخططاته، وهو، من أجل إعطاء صدقية لمقولات "الهروب إلى الأمام"، يقحم الولايات المتحدة الأميركية ويهددها بفوضى تشمل كل المنطقة.

ولسان "حزب الله" يقول: هاتوا الرئيس الذي نريد  ويحقق لنا ما نرغب به فنعفيكم من الفوضى والكوارث!

وترفض غالبية اللبنانيين الرئيس الذي يصرّ عليه "حزب الله"، وتطرح عليه حلولًا وسطًا، لكنّ الحزب يرفض ذلك، على قاعدة: استسلموا تسلموا!

صحيح أنّ القوى التي ترفض الرضوخ لـ"حزب الله" ليست أوكرانيا والقوى الخارجية المؤيّدة لها لا تفتح أمامها مخازن السلاح وخزائن المال، ولكنّ الصحيح أيضًا أنّ من بيدهم القدرة على انتشال لبنان من جحيمه يقولون للبنانيّين: إذا استسلمتم لإرادة "حزب الله" لا تهرعوا علينا، فنحن لن نساعد دولة تضع إمكاناتها في مساعدة أعدائنا.

وكما تعرض روسيا الاستسلام لتوقف حربها في أوكرانيا كذلك يعرض "حزب الله" الاستسلام على سائر اللبنانّيين حتى لا يوقعهم أكثر في الفوضى والجوع.

المشكلة مع هذا المحور الذي يعاني منه السوريون واليمنيون والعراقيون والإيرانيون أنّه يعرض عليك الحياة لينتزع منك…الحياة!