السلطات البيلاروسية نقلت مئات المهاجرين إلى مستودعات ومخازن مؤقتة
السلطات البيلاروسية نقلت مئات المهاجرين إلى مستودعات ومخازن مؤقتة

فيما العالم يتابع تفاصيل محنة طالبي اللجوء العالقين بين حدود بيلاروسيا وبولونيا، والتي شهدت الأسبوع الفائت تطورات دراماتيكية ترافقت بزخم دبلوماسي وسياسي مكثف. مازال هاجس الهروب يتنامى لدى معظم شعوب العالم النامي، وبشكل خاص شعوب الشرق الأوسط. الذين سبق وأن تابعوا المآسي التي حلت ببعض طالبي اللجوء من مواطنيهم قبل سنوات، ومازالوا يتابعون مايحدث اليوم. لكنهم في نهاية المطاف يعتبرون أنها أثمان يجب أن تدفع، ولابد من تذوق بعض المرارات الآيلة للزوال ببعض الصبر، ويأملون أن العالم لن يتخلى عن أولئك العالقين الحالمين باللجوء، كما لن يتخلى عنهم بدورهم فيما لو خرجوا بأحلام ومغامرات مماثلة. 

باختصار، اتُخذ قرار الرحيل داخل النفوس ولم يتبق إلا تحقيقه، وفقدت جميع المؤثرات العاطفية التي تربطهم بأوطانهم فاعليتها في الضغط أو ثني الناس عن حلم المغادرة، حتى لو كان إغواء كرمة عنب أو نخلة أو شتلة زيتون، أو دموع أهل ورجائهم، أو رائحة ذكريات المنزل وسطوتها، أو افتقاد بعض الصحبة من غير القادرين على المغادرة لأسباب قاهرة. 

لاتحتاج أوضاع الدول التي ينتمي إليها طالبو اللجوء العالقون اليوم بين فكي بيلاروسيا وبولندا إلى شرح مسهب لأسباب مغادرتها أو سرد مبررات الهروب منها، وهي العراق واليمن وسوريا وإيران وأفغانستان، أضف إلى العديد من اللبنانيين الذين انضموا خلال أقل من عامين فقط إلى قائمة الشعوب المقهورة والمنكوبة بعشرات الويلات. 

لكن في المستجدات، يمكن بداية استعراض التطورات الأخيرة التي تخص السوريين الذين، وبعد عقد من الحرب وماأفرزته من تشظ وكوارث لاتحصى، واجهوا خلال العامين المنصرمين حالة من انسداد الأفق التام، ترافقت مع الاجراءات الدولية التي فرضتها جائحة كورونا التي أغلقت بدورها جميع المنافذ في وجوههم. وقبل أن يتنفسوا الصعداء، انهارت الليرة السورية مع بدء تنفيذ عقوبات قانون قيصر، ليلفوا أنفسهم وكأنهم حوصروا إلى حد الاختناق بشكل لم يسبق له مثيل. 

بدون مقدمات، فتحت مؤخراً أمامهم أربعة نوافذ فرج دفعة واحدة، الأولى باتجاه دبي، وهي وجهة لايقدر عليها إلا الميسور للغاية، والثانية باتجاه مصر والثالثة باتجاه أربيل في كردستان العراق. وهي وجهات مشروطة نسبياً وترحب مثل غيرها بأصحاب رؤوس المال أكثر من غيرهم. لتبقى نافذة بيلاروسيا الأكثر فرجاً للفقراء والمعدمين، والتي قصدها معظم طالبو اللجوء والحالمون بالهجرة، ليس لأن دربها الأكثر تيسيراً، بل لأنها تفتح أبواب أوروبا التي تحترم حقوق الانسان في نهاية المطاف، وتقدم للاجىء ما لا تقدمه الدول العربية إلا مأجوراً. 

وعليه نشطت بشكل هستيري جميع مكاتب السفر والنقليات لتقديم الخدمات المأجورة التي تسهل الحصول على التأشيرات وكافة الثبوتيات والخدمات اللوجستية لقاصدي دبي ومصر وأربيل  وبيلاروسيا. وخصصت صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي لتقديم كافة التفاصيل المتعلقة بالسفر والمراكز الحدودية والنصائح التي يجب على المسافر اتباعها ابتداء من مواعيد السفارات والوقت الأنسب للسفر وكافة التعليمات المتعلقة بلقاحات وباء كورونا المستجد. 

خلية نحل سورية حقيقية في أقصى نشاطها خدمة لهدف السفر، فقط لاغير. ولأجله بات الناس يعرضون أراضيهم أو بيوتهم مع محتوياتها من أثاث للبيع بأسعار مخفضة ومغرية، وسياراتهم، ومجوهرات زوجاتهم، وكل مايمكن أن يباع بما فيها مؤونة الطعام المخزنة، ومن لم يتمكن من السفر هذا العام، مازال يجهز أموره، وقد حزم حقيبته وركنها قرب باب الدار، بانتظار ساعة الفرج. 

لاتختلف تجهيزات اللبنانيين بالمثل، ولا العراقيين، ولا اليمنيين ، ولا أي من الحالمين بالهروب، الذين عقدوا العزم على الرحيل، لا يودعون أحداً ولا يلتفون إلى الخلف وهم يغادرون، وقد أصابت اللعنات هذه الأمم، فولوا هاربين منها، وكأن شبح الفراغ يلوح عن بعد، وستغدو بلدانهم بلا شعوب في القريب العاجل.    

وحين تجرب أن تستمع إلى بعض دردرشات وجدالات وسائل التواصل الاجتماعي من مثل: "أوروبا لاترحب بكم..الأوربيون ضاقوا ذرعاً باللاجئين.. الاقتصاديات الأوربية تعاني الأمرين في العامين المنصرين.. بيلاروسيا تتاجر بكم اليوم لأجل أغراضها السياسية.." وغيرها. يأتي الجواب شبه موحد بأن":جميع الدول من صناع القرار ملزمة بإيوائنا لأنها مسؤولة عن كوارثنا منذ أكثر من قرن، سواء بمراحل الاستعمار والاحتلالات المتعاقبة التي أفرزت دولاً ضعيفة، أو بالحكومات الهشة التي نصبتها فوق رقابنا وأوصلتنا إلى ماوصلنا إليه من بؤس وشقاء"!!      

عام 1973 انطلقت مع بدء تصاعد موجات الهروب لطالبي اللجوء والهجرة من دول المغرب  العربي، أغنية جزائرية شهير بعنوان(ياالرايح) بصوت المطرب الشعبي الجزائري دحمان الحراشي، ثم مع ازدياد موجات الجرة في التسعينيات، عادت واكتسحت شهرتها العالم العربي والعالم بعد أن أعاد إحياءها المغني الجزائري الراحل رشيد طه سنة 1993. 

يقول مطلع الأغنية: "ياالرايح وين مسافر تروح تعيا وتولي..  شحال ندمو العياد الغافلين قبلك وقبلي". بمعنى أن المسافر أينما ذهب سيعاني من الشوق وسيعود إلى بلاده ويندم كما ندم من سبقه. وتستطرد الكلمات التي وجهت كوصايا للمهاجر، بأنه لن يجد في بلاد الغربة الا التهميش والاقصاء ولن يعثر على أصدقاء محبين عند الحاجة، وغيرها من المعاني التي جربت تضخيم معاناة الاغتراب وثني الناس عن فكرة الرحيل. 

وفي حقيقة الأمر ومرارته معاً، لاشك أن الشوق والحنين يصيبان المهاجر واللاجىء وكل من يغادر راحلاً. لكن السنوات الطويلة الفائتة، أثبتت أن معظم من هاجروا استقروا أفضل استقرار، لم يعانوا من تهميش ولا إقصاء، بل أتيحت لهم فرص الحياة والحرية، فاندمجوا واجتهد من اجتهد وتبوأ مراكز عالية، وتفوق أطفالهم في مدارسهم وتمتعوا بحقوق الغذاء والدفء والاطمئنان، وهي نِعَمٌ باتت كالسراب في بلدانهم. حتى الأصدقاء في هذه البلدان التعيسة أغلقوا أبوابهم وصدورهم الرحبة والحنون، لأن فاقد الشيء، لايعطيه.  

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.