مظاهرات تأييد لملك الأردن عام 2011
مظاهرات تأييد لملك الأردن عام 2011

ولّدت نتائج أعمال "اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية" في الأردن، مناخاً من "الارتياح الحذر" بإمكانية تحقيق تقدم ملموس على مسار الإصلاح السياسي المعطّل في البلاد منذ عدة سنوات ... ونقول ارتياحاً حذراً، لأن سيل الشكوك في فرص نقل هذه التوصيات إلى حيز التنفيذ، ظل يتدفق متغذياً بتجارب فشل سابقة كانت من نصيب لجان ومبادرات مماثلة، شغلت الأردنيين واحتلت فضاءاتهم طوال السنوات العشرين الفائتة. 

على أنه لن يمضيَ وقت طويل، قبل أن ينقلب "الارتياح الحذر" إلى تشاؤم مطبق، بعد أن كشفت الحكومة عن تعديلات دستورية ألحقتها بتلك التي توصلت إليها اللجنة الملكية، والمحصورة أساساً بمواءمة الدستور مع مشروعي قانوني الأحزاب والانتخابات اللذان اقترحتهما، فضلاً بالطبع عن بعض الأراء والأفكار والمقترحات المعنية بتطوير آليات العمل البرلماني. 

التعديلات المقترحة من الحكومة، تخطت القانونين المذكورين، إلى ما هو أبعد منهما ... فهي إن مررها البرلمان بغرفتيه، ستنشئ مجلساً للأمن الوطني والسياسة الخارجية، يرأسه الملك، ويعين اثنين من أعضائه الذين سيتم اختيارهما بصفتيهما الشخصية، في حين سيتم اختيار بقية الأعضاء بصفاتهم الوظيفية وليس الشخصية ... المقترحات الحكومية الدستورية، ستضيف إلى صلاحيات الملك الواسعة، صلاحيات جديدة في تعيين كبار مسؤولي الدولة المدنيين والدينيين، بعد أن أناطت به تعديلات سابقة صلاحيات حصرية في تعيين قادة الأجهزة الأمنية والعسكرية ومؤسسات الرقابة والنزاهة والقضاء وغيرها. 

في تبرير تعديلات دستورية سابقة، لم تكن مفهومة من قبل كثيرٍ من الأردنيين والأردنيات، نهضت "السردية" الحكومية على فرضية "تحصين الأردن ومؤسساته السيادية من أمنية ودفاعية" قبل الدخول في تجربة الحكومات البرلمانية... والنتيجة أن سنوات عدة على تلك التعديلات التي جرّدت الحكومة من صلاحيات واسعة كانت تمتلكها – ولو نظرياً على الأقل – قد انقضت من دون أن تبصر الحكومات البرلمانية الضوء. 

اليوم يبدو أن هناك من تنبه لأهمية "تحصين الفضاء الديني" فاستلحق أهم منصبين حكوميين في هذا المجال، بوضعهما في تصرف الملك من دون تنسيب من الحكومة، أو توصية منها ... أما الكيان الدستوري الجديد المقترح: مجلس الأمن الوطني والسياسة الخارجية، فيخشى كثيرون من أنه سيتحول إلى حكومة ظل، لا تحاسب ولا تُساءل، أكثر سلطة وسطوة في اتخاذ القرار ورسم السياسات، من الحكومة القابعة على "الدوار الرابع" في عمان، والتي تتطوع أو ترغم على اقتراح سحب معظم سلطاتها وصلاحياتها التي تمليها القاعدة الدستورية حول "الولاية العامة" للحكومة. 

مع أن مخرجات اللجنة الملكية وما أعقبها من تصريحات بهذا الشأن، استبعدت إقدام الأردن على خوض غمار تجربة البرلمانات الحزبية والحكومات البرلمانية بصورتها المتقدمة، قبل أقل من عشر سنوات، فيما اقترح بعضم إطاراً زمنياً يصل إلى عشرين عاماً، لترجمة فكرة "التدرج" في ولوج مسار الإصلاح السياسي ... لكن مع ذلك، فثمة "صفة استعجال" في إقرار التعديلات، لكأننا أمام خطر داهم، أو تهديد قائم. 

الأردن في ظل الوجبة المنتظرة من التعديلات الدستورية، يقف أمام واحد من سيناريوهين اثنين: الأول؛ أن تمر عملية تجريد الحكومة من صلاحياتها من دون أن نصل إلى الحكومة البرلمانية ... والثاني؛ أن يجري تحويل الحكومة إلى "مجلس بلدي موسّع" لا أكثر، وعندها فقط يمكن التفكير بالحكومات البرلمانية والتناوب على السلطة. 

في مطلق الأحوال، ليس منتظراً، حتى وفقاً للسيناريو المتفائل الذي خرجت به اللجنة الملكية أن يلج الأردن عتبات التناوب على السلطة وتشكيل حكومات من الأغلبية النيابية قبل عشر سنوات في أدنى تقدير ... أي أن لحظة قطاف ثمار الإصلاح مؤجلة لعقد من الزمن، فيما عملية تفريغ الحكومة من مكانتها وتجريدها من صلاحياتها، تجري على قدم وساق. 

الرسالة التي تبعث بها الإضافات الحكومية للتعديلات الدستورية التي اقترحتها اللجنة محمّلة بالدلالات والمعاني السلبية، فما كان تحقيقه متعذراً في فضاء عمل اللجنة المفتوح، جرى طبخه في غرف الحكومة ومؤسسات صنع القرار المغلقة ... ويمكن القول بلا مواربة، أن الحكومة نجحت في شق "طريق التفافي" حول نتائج عمل اللجنة ومخرجاتها، وشرعت في التحسب والتحوط لهواجس وفزّاعات، قبل حصلوها، وبزمن طويل. 

من الناحية الشكلية، الحكومة قدمت ما لديها لمجلس النواب، ومجلس النواب "سيد نفسه" كما يقال في الخطاب السياسي الأردني، لكن تجربة الأردنيين مع حكومات وبرلمانات بلدانهم المتعاقبة، أظهرت بما يدع مجالاً للشك، بأن الأولى هي صاحية اليد العليا، وأن ما تريده يمرر في مجلس النواب ويتقرر في مجلس الأعيان، ليستقر في نهاية المطاف، على صفحات "الجريدة الرسمية". 

والشاهد أن الذين أزعجتهم نتائج أعمال اللجنة، بل وفكرة الإصلاح على تواضعها ومحدوديتها و"تدرجها" كما تكشفت في وثائق اللجنة، قد قرروا التصدي لها، ليس برفض التوصيات والمقترحات ذاتها، بل بإضافة المزيد عليها، وبصورة تكفي لإبطال أثرها، واحتواء نتائجها، بل وقلبها رأساً على عقب. 

فكرة الإصلاح، أي إصلاح، وفي أي بلد كان وليس في الأردن وحده، تقوم على توزيع السلطات والصلاحيات وتفويضها، وليس على مركزتها، وتربط الصلاحية بالمسؤولية والمحاسبة، وتعلي من شأن الهيئات المنتخبة بوصفها التعبير عن الإرادة الطوعية للشعب، وليس خلق مزيدٍ من الهيئات المعينة، التي لا تطالها يد المحاسبة والمساءلة. 

فكرة الإصلاح والتحديث في الأردن، وكما جاء في الأوراق النقاشية ووثيقة اللجنة الملكية، ستنقل إلى فضاء ملكية دستورية وحكومات برلمانية منتخبة وبرلمان قائم على التعددية الحزبية ... لقد استبشرنا خيرنا بقانون الانتخاب على أمل أن يقربنا من الهدف الأخير، لكن تعديلات الحكومة، تلقي برزم من العصي في دواليب الحكومات البرلمانية والملكية الدستورية. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.