عرض عسكري لحزب الله في وادي الحجير جنوبي لبنان (أرشيفية)
عرض عسكري لحزب الله في وادي الحجير جنوبي لبنان (أرشيفية)

جميعنا نعرف حكاية الذئب والحمل، التي كتبها شعرا لافونتين تحت عنوان "حجة الأقوى هي الأفضل دائماً". فالذئب أتى يوما جائعا الى ساقية يبحث عن طريدة، فوجد حملاً يشرب من مائها الصافي الجاري. فابتدره الذئب قائلاً: كيف تجرؤ على تعكير شرابي، سوف أعاقبك على ذلك. دافع الحمل عن نفسه فقال إنه يشرب بعيداً عن النبع فكيف يمكنه تعكير صفو الماء؟ لقد عكرتها، أجابه الذئب حجري القلب، سبق ان  فعلت ذلك العالم الماضي ايضاَ. اجابه الحمل ولكني لم اكن قد ولدت حينها! وإن يكن قال الذئب: اذا لم تكن انت فهو إذن أخاك. ليس لدي أشقاء اجاب الحمل. إذن احد اقاربك، ويجب أن أعاقبك وأثأر منك. قال فيما يلتهمه!  

وجد حزب الله حملاناً كثيرة يلتهمها بعد أن عجزت حتى عن مجادلته، منذ العام 2005 وحتى الآن. عدا عمّن أقامت معه حلفاً فاوستياً اضاع لبنان.  

عند كل محطة حاولت حملان السلطة، متبوعة بقطعانها، تبرير تنازلاتها وخيباتها بالحفاظ على السلم الأهلي والاستقرار الاقتصادي. الى ان انهار الاقتصاد وارتهن السلم الأهلي لمزاج القمصان السود ومشغلينهم.  

قبل ذلك ظل حزب الله في خلفية المشهد، متخفياً بثوب "مقاومة". ولم يحمّله أحد مسؤولية التدهور وظل فضل الله نائب الحزب،  متأبطاً ملف الفساد كفزاعة الحقل. فبالرغم من غزوته لبيروت في 2008 وفرضه الثلث المعطل في الحكومات، اول مسمار في نعش الجمهورية ودستورها، وتعطيل الأكثرية البرلمانية وإسقاط حكومة الحريري في 2011، بواسطة التيار الوطني الحر. الى أن عطّل انتخاب رئيس الجمهورية كي يفرض من اختاره لنا بموافقة الحملان.  

نجح طويلاً في العثور على ورقة تين يخفي عوراته خلفها ليظل خارج عدسة الكاميرا. حتى عندما اندلعت ثورة 17 اكتوبر، والتي عملت على تحييده فلم تطالب باستعادة لا السيادة على السلاح ولا على الحدود؛ مع ذلك انبرى سيد الحزب بالتصويب على الثوار وتهديدهم ورفع لاءاته بوجههم وأرسل شيعته لقمعهم بالحناجر والخناجر. 

كل ذلك لم يعرّي حزب الله أمام الشعب اللبناني الى حين انفجار المرفأ وتداعياته. كان يكفي أن يقاوم قاضٍ أعزل واحد ويقوم بعمله بنزاهة وشجاعة، كي يكشف وجهه ويضطرّه الى ممارسة ضغوطا مكشوفة وصلت الى حد تعطيل الحكومة كي "يقبع" القاضي البيطار، ليخفي آثار جريمة المرفأ.  

ربما كان سيمر التعطيل هذه المرة أيضاً دون ضجة أو ردود فعل شعبية غاضبة، لو ان الوضع الاقتصادي كان مقبولاً. لكن تلاحق الانهيارات والنكبات على المواطنين الذين انعدمت  سبل عيشهم، ليس الكريم، بل مجرد العيش، جعلت مسلسل الاعتراض يتوسع لمواجهة عنجهية الحزب واستقواءه واستهتاره بحياة اللبنانيين ومستقبلهم.  

المضحك المبكي أنه يذل الشعب اللبناني تحت شعارات: الكرامة الوطنية، وسيادة لبنان، التي تعلن إيران احتلاله، وصون الوحدة والمصلحة الوطنية والإستقرار الداخلي والسلم الأهلي. وعاينّا تمرين حراسة ميليشيا الحزب لهذا السلم في هجوم عين الرمانة وفي انتشارهم في جرود عيون السيمان، بسوادهم وكامل أسلحتهم، حيث نصبوا حاجزاً على بعد كيلومتر واحد من حاجز الجيش اللبناني.  

ولسان حال اللبنانيين: ونِعْمَ مثل هذان الاستقرار والسلم الأهليين، ناهيك عن الكرامة والمصلحة الوطنية!! 

مع ذلك يجادل السيد نصرالله من يتهمه انه بات يحكم لبنان لصالح ايران، في أنه عاجز حتى عن تنحية قاضٍ عن ملف معين؟ وأنه لبّى مطلب عدم إيصال سفن المازوت إلى الشواطئ اللبنانية!! ولم يتمكن من فَرْضْ إعادة التنسيق والعلاقات مع سوريا ومع الشرق؟”. متغافلاً عن أن إيران نفسها تخضع للعقوبات وتعجز عن مخالفتها الا بالحيلة. فكيف له إذن ان يستقبل سفناً إيرانية في لبنان؟  

كان حرياً بالسيد نصرالله، قبل ان ينفي أن إيران تهيمن على حزب الله وعلى لبنان، أن لا يشهر جنديته وتبعيته المالية للخامنئي، ويتفق مع قياداتها كي لا تصرح هي باحتلالها للعواصم العربية الأربعة، بما فيها بيروت، وان يمنع قاسم سليماني من الإعلان "عن فوز طهران بـ 74 مقعدا في البرلمان اللبناني في انتخابات العام 2018". وكان سليماني نفسه قد صرّح في المقابلة الوحيدة التي أجراها "أن السيد نصرالله لا يشرب كوب ماء قبل ان يستشيره". 

لا ينتبه السيد نصرالله ان ذرائعه المنطقية تبرهن عكس مرادها. فهو يعترض حتى على وجود جيوب لا تزال تبدي مقاومة مدنية لتمنع احتلاله الكامل وبناء دولته الاسلامية في امبراطورية ايران الكبرى. فهو إن لم يحظ بكامل السلطات على غرار النموذج الخامنئي، يأمر فيطاع،  يتمسكن ويزعم انه لا يتحكم بلبنان، متغافلاً عن أنه يتسبب بانهيار آخر ما بقي في هذا البلد البائس بمنعه الحكومة من الاجتماع والقيام بأدوارها المطلوبة داخلياً وإقليمياً ودولياً.  

فأن تحكم يعني لهؤلاء الإمساك المطلق بالسلطة. وحتى القدرة على التحكم بقرارات ومزاج من هو خارج الحدود، حكومات الخليج وسياسة بلدانهم. فيعلق على مقاطعتهم للبنان بعد ان طفح كيلهم من انواع الاعتداءات الموصوفة والمتنوعة التي يمارسها، فيجد أنهم يبالغون بردة فعلهم!! 

علّق أحد الظرفاء: "بعد ال 2006 طلع سماحته يخبرنا انو ردة فعل الاسرائيلي على خطف جنديين، مبالغ  فيها وما كان لازم حرب بهالحجم. امبارح طلع يخبرنا انو ردة فعل السعودية على سياسة الحزب وتصريح القرداحي مبالغ فيها وما بدها هالقد!!! 

يا خيي في مجال بس بدك تعمل مشكل مع حدا، تتفق انت واياه عردة الفعل اللي بتناسبك؟! 

بعد امرك يعني لان ما بقى فينا نتحمل..." 

كل هذا يظهر ان دروس التاريخ تذهب هباء. فالحزب يسير على هدي خطى منظمة التحرير وممارساتها في لبنان التي أوصلت من حماها برموش العيون الى ان ينثرون الأرز على الجنود الاسرائيليين الغازين المحتلين. 

يتراكم القهر وتتراكم الضغائن، التي لا بد ستنفجر غضبا عظيماً في لحظة ما. والدليل على ذلك، تصريحات غالب ابو زينب نفسها، التي اراد منها "فضح الخصوم – الشركاء" في السلطة. فعرّى خطابهم المزدوج، عالي النبرة أمام الجمهور والمتزلف الخاضع للحزب تحت الطاولة. صحيح انه بذلك يظهر قوته وجبروته واستهانته بالشركاء، إلا أنه لا يتمعن بمغزى ما ينقل من معلومات. فغاب عنه ان تصريحاته اعتراف واضح لمدى موجة الاعتراض والغضب والرفض المتعاظمة الذي يكنها له معظم الشعب اللبناني.  بحيث يكفي إظهار بعض العداء له ومقاومته كي يكتسب اي كان شعبية وجماهيرية. 

مهما تنصل الحزب وقادته من إيصال البلاد الى الانحطاط الذي وصلت اليه، فلن ينجح. يكفيه أن يقرأ في جريدته المسماة الأخبار ليطلع على أوضاع الناس، او ربما يستمع الى برامج الاذاعات الصباحية التي تترك الهواء للمواطنين للتعبير عن مشاعرهم ليلمس النقمة على ما يعيشونه، خصوصاً بعد أن حُرِموا حتى الدواء. لم يجد مواطناً عاجزاً مثلوم القلب سوى:" الله يصطفل فيهم واحد واحد". 

امام هذا الواقع، تصبح مسؤولية مواجهة هيمنة الحزب على لبنان، مسؤولية مشتركة بين المسؤولين والمواطنين اللبنانيين الرافضين لهيمنته وبين الدول العربية والدول الغربية. جميع الأطراف تحملت جزءاً من المسؤولية لتمكينه في مرحلة ما. وعلى الجميع الآن العمل على الخروج من هذا البئر. 

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.