أصبح السعي حثيثا للبحث عن شكل حديث للدولة، أقرب نوعا ما إلى الديمقراطية والليبرالية
الحرية في الليبرالية هي "الفكرة المركزية" التي تتمحور حولها بقية الأفكار

لا يزال الإنسان العربي في حالة عداء أصيل مع نفسه، ومع حريته، ومع الأيديولوجيا القادرة على منحه أعلى درجات الاستبصار في مسار التحقق الحُرياتي: الليبرالية. ثمة نفور واضح يتأسس على مزاج مُتَطبّع بالـ"قَطِيعِيّة"، من كل "تفرّد حرياتي"، مزاج لا تكون "المحافظة الساذجة" مادة وقوده؛ بقدر ما هو مزاج أصيل منغرس في جذور إرث ثقافي عميق يصل إلى أزمنة "غُزيّة" التي إن غوت؛ أصبح غاويا، وإن رشدت؛ فهو ـ بها ولها ـ مِن الراشدين !

أذكر أن أحد الرافضين للأيديولوجيا الليبرالية قال: ماذا يريد الليبراليون؟ هم يزعمون أن الليبرالية تعني: التحرر/ الحرية، بينما الحرية ليست حِكْرا على الليبرالية، الحرية موجودة في معظم الأيديولوجيات والديانات والأعراف الثقافية. ثم بنى على ذلك اعتراضا في صيغة سؤالين ساذجين: ما الحاجة لليبرالية؛ إذا كان المعنى المحوري الذي تدور عليه (الحرية) موجودا في غيرها ؟ ولماذا نتحمل "أخطارها" مع قدرتنا على الاستغناء عنها، بما لدينا من موروث أصيل زاخر بكل صور التأكيد على هذا المعنى الجميل: الحرية ؟ 

بعيدا عن كون الناطق بهذا الكلام- الاعتراض- لم يقصد غير التزلف الرخيص (الانتهازي الاستنفاعي في النهاية)، للتيارات المحافظة التي يشكل التمدد الليبرالي أكبر خطر عليها، فإنه كلام يكشف عن جهل أيضا، وعن تجاهل مراوغ يدور في حلقة هذا الجهل!

حقيقة، الليبرالية لا تعني مجرد إيديولوجيا تتضمن "الحرية"، أو تُشيد بها في لغة الشعارات. الليبرالية لا تدّعي ذلك، ولا أحد من الجادين في دراستها أو نقدها يدّعي أنها كذلك. تتميز "الحرية الليبرالية"، أو "الحرية في الليبرالية" بثلاث خصائص تجعلها مختلفة عما هي عليه في بقية الأيديولوجيات والأديان والثقافات: 

الأولى: الحرية في الليبرالية هي "الفكرة المركزية" التي تتمحور حولها بقية الأفكار- التصورات. هكذا هي في الليبرالية، بينما هي في غيرها موجودة؛ ولكن ليس كفكرة مركزية. إنها توجد ـ أحيانا، وهذا نادر ـ على قدم المساواة مع الأفكار الأخرى دخل المنظومة الأيديولوجية، أو توجد في مرتبة أدنى، أو هي هامشية جدا، أو هي غير موجودة أصلا.

الثانية: أنها "حرية فردية" على سبيل التحديد والأصالة. فحتى الحريات الأخرى في الليبرالية، نجد أنها تبدأ أساسا، وتشترط ـ تصورا واشتغالا، من زاوية فردانية. بينما الحرية في الأيديولوجيات الأخرى ذات طابع عمومي جمعاني/ كلياني. في غير المسار الليبرالي، نجد أن الحرية أو التحرر أو التحرير هي حرية  وتحرر وتحرير الشعوب أو الأقوام أو الجماعات الدينية. ويقصدون بذلك أن تكون الجماعة حرة بمجموعها، فلا تتحكم فيها جماعة أو قوة أخرى، بينما الأفراد داخل هذه "الجماعة الحرّة"، غير أحرار كأفراد، ولا ينبغي أن يكونوا كذلك. 

فمثلا ـ في هذا التصور غير الليبرالي ـ نجد أن كوريا الشمالية كشعب/ جماعة تتمتع بدرجة عالية من الحرية، إذ هي ـ كشعار جمعي ـ لا تخضع لأية قوة/ جماعة أخرى، فهي حرة وفق هذا الادعاء، بينما هي غير حرة إذا ما نظرنا إلى واقع الأفراد: واقع كل فرد. فالكوري الشمالي هو "الفرد" الأقل حرية من أي "فرد" في العالم، في الوقت الذي تكون في جماعة الكوريين الشماليين/ دولة كوريا هي الأكثر حرية/ تمردا على كل مواضعات المجتمع العالمي/ الدولي.

الثالثة: أن الحرية الليبرالية هي "غاية في ذاتها". أي ليس المقصود منها تحقيق شيء آخر غير تمثلها والتمتّع بها كحق إنساني خالص، كحق يحقق أسمى تجليات الظاهرة الإنسانية في الإنسان. وبهذا، تصبح الأسئلة المتكاثرة من نوع: ما الفائدة من الحرية الليبرالية؟ هل ستحقق هذه الحرية/ هذه الليبرالية تقدما/ تنمية أفضل؟ ألم تتقدم بعض الشعوب بأيديولوجيات مضادة للأيديولوجيا الليبرالية، كالصين مثلا؟...إلخ من الأسئلة الغبية التي تجهل أو تتجاهل أن الحرية الليبرالية غاية بذاتها؛ وليست مجرد وسيلة إلى غايات أخرى؛ على الرغم من يقين الليبراليين أن الحرية الليبرالية هي شرط أساس لاكتمال فعالية الإنسان في الوجود. ومن ثم قدرته ـ عبر مسارات معقدة، وغير مباشرة أحيانا، وطويلة الأمد في الغالب ـ على تحقيق الأفضل والأرقى، الذي هو ـ بالضرورة ـ الأكثر امتلاء بما هو إنساني.

هذه هي ـ تحديدا واختصارا ـ: خصائص "الحرية الليبرالية"، وهي الخصائص التي تميزها عن الحرية في سائر الأيديولوجيات. وهي أيضا الحرية المتحققة ـ بنسب متفاوتة ـ في العالم الغربي الذي لا يشكل اليوم ضمير العالم الإنساني فحسب، وإنما هو ـ من قبل ذلك ومن بعده ـ هو مبدع هذه الحضارة الكونية المهيمنة التي لا يملك حتى أعداؤها إلا الانطلاق منها في معاندتها أو معاداتها؛ لا لشيء إلا لكونها ـ في إبداع استثنائي غير مسبوق في التاريخ ـ حقّقت من المنجزات، بل ومن المعجزات، ما يجعل محاولة العيش خارج منطقها/ خارج نطاق منجزها، طقسا جنونيا من عبث صبياني معاند، أو هي ـ في أفضل الأحوال ـ: محاولة انتحار عنادي بدافع الإحباط. 

إن هذه الخصائص تؤكد  أن الحرية لا يمكن أن تكون حرية بحق إلا في تحققها المتعين، وهذا التحقق لا يمكن أن يكون إلا في صورة "الحرية الفردية" التي يمكن ضبطها وقياسها. ما يعني أن الحرية لا يمكن أن توجد حقا، وبالقدر المشروط إنسانيا، إلا في "سياق ليبرالي" يكون هو ظرفها الثقافي والتاريخي والجغرافي، كما يعني أن الرؤى التحررية الأخرى ذات التصور الجمعاني هي رؤى تُلغي الحرية حقيقة؛ من حيث هي تُثبتها وَهْما/ شعارا.   

إن حرية الجماعة/ الحرية الجمعانية يجب أن تبدأ من "حرية الفرد"، وليس العكس. التحقق الحرياتي متعين في الأفراد، وليس في الجماهير ولا الجماعات. ولهذا استراب بعض الليبراليين ـ في بعض المسارات التاريخية ـ بالديمقراطية الجماهيرية؛ لاسترابهم الأصيل والمُستديم بالوعي الجمعاني، وبالدعاوى التي تتكئ على هذا الوعي الجمعاني. وكما يقول غيا نوديا فـ"الليبراليون يخشون دائما من الرعاع كتهديد للحرية" (التعددية وتحديات الاختلاف، دانيال برومبرغ، ص113).

إن ما جعل ويجعل الغرب "عالما حرا"/ عالما أول، ليس هو التقدم التقني بالأساس، وإنما هو هيمنة التصور الحرياتي الفرداني المُحَفّز لكل صور الإبداع الأخرى. التقدم التقني إجراء أصم أحادي البعد، أحرزت فيه دولٌ شمولية ـ كالاتحاد السوفياتي قديما، والصين حديثا ـ كثيرا من النجاح المادي الخالص، بينما هي ليست أكثر من نماذج حيّة (قوية ومؤثرة) للتخلف الحضاري.    

عندما استعرض، صامويل هنتنغتون، الحضارات المعاصرة التي توقّع الصدام بين بعضها من جهة، وبين الحضارة الغربية من جهة اخرى، أكد في هذا المضمار أن "الفردية تظل العلامة المميزة للغرب بين حضارات القرن العشرين" (صدام الحضارات، ص152). فهذه العلامة المميزة هي التي تحققت من خلالها فَرادةُ الغرب قبل التقنية، وخلالها، وبعدها (بَعْد هنا، أي في منافسة الآخرين لها إنتاجا وابتكارا)، فالغرب تحقق كعالم إنساني من حيث هو عالم فرداني، وبالتالي، من حيث هو ليبرالي.

لا ريب أن هناك من يتفاءل كثيرا، ويرى أن النموذج الغربي/ الليبرالي فائق الهيمنة وبالغ التأثير، بحيث تصبح حتى الأنظمة الشمولية (التي تصرح بالعداء له، وتطرح نفسها كبديل له) أسيرة لمواضعاته الأساسية، وأن هذا الاسْتِئسار اللاّمقصود/ اللاواعي، واللاّمباشر، والمُتحقّق بالتدريج، سيأكل من صلادة الممانعة الشمولية للتحول الليبرالي الذي يفرضه النظام الحديث للعالم: سياسيا واقتصاديا.

من صور هذا التفاؤل ـ الشاطح نوعا ما ! ـ ما يطرحه الباحث التونسي/ محمد الحداد في مقدمة كتابه " الإسلام ونزوات العنف" مِن أن تنافس الآخرين مع الولايات المتحدة سيكون داخل المجال/ النظام الليبرالي؛ حتى الصين ! يقول: "إذا ما افترضنا نجاح أوروبا أو الصين أو اليابان في الاضطلاع بدور القطب المضاد، فإن المنافسة ستكون داخل النظام الليبرالي لا خارجه" (الإسلام ونزوات العنف، ص7). 

على أي حال، لا يمكن تجاوز حقيقة الاختلاف الكبير والعميق بين عالم ليبرالي متميز بحريات فردانية تمثل وقائع ملموسة بعدد أفراد هذا العالَم الليبرالي، وعالم شمولي كلياني تتسرب فيه الحريات ـ شحيحة محدودة مكيفة ـ من خلال ثقوب الاضطرار الذي تنتظمه إرادة توغل شمولي، إرادة تصبح الحرية المستقطعة في سياقها مجرد إسهام في تمدد وازدهار النّفس الشمولي.

إن سيادة الأيديولوجيات الثقافية الشمولية في العالم العربي ناتج عن كون مشروعية المثقف العربي تأسست على إسهامه في مشاريع التحرر من الاستعمار (الحقيقي أو المتوهم، الواقعي/ السياسي، أو المعنوي الثقافي)، وهي مشاريع جمعانية بطبعها. ولهذا، كانت الليبرالية دائما مستهدفة بهجاء مباشر أو غير مباشر. ومن لا يتعمد هجاءها، فهو يستريب بها، ويتعمد ـ بخلفية يسارية اشتراكية ـ تشويهها حتى في مواطنها الأساسية. وللأسف، يقع في هذا الاستشكال حتى لدى بعض الجادين من "الباحثين العرب المعاصرين" الذين ورثوا الضدية بالمجان: عداء الغرب؛ من حيث هو غرب، وصولا إلى عداء "العلامة المميزة للغرب": الفردية في السياق الليبرالي.     

قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)
قصر العدل في روما الذي يضم مقر محكمة الاستئناف العليا في إيطاليا (أرشيف)

بفضل العمل في عدة مؤسسات بحثية دولية، قُيض لكاتب هذه السطور أن يزور العاصمة الإيطالية روما عدة مرات خلال السنوات الماضية. حيث، وخلال كل زيارة من تلك، كانت العلاقة التي تربط سكان المدينة الحاليين بالذاكرة والتاريخ الأقدم للمدينة مثار غرابة وإعجاب على الدوام. بالضبط من حيث ما هم عليه من غنى ووصال وفاعلية في علاقتهم من مدينتهم القديمة. 

كان يحدث ذلك، مقابل العوز والمتاركة والقطيعة التي كان كاتب هذه السطور عليها، في علاقته العقلية والوجدانية والثقافية مع الحاضرة التاريخية التي ولد وعاش بين ثناياها. هو المتأتي من مكان كان يوماً عاصمة إمبراطورية تاريخية كبرى، شبيهة بروما نفسها، من قرية موزان شمال شرقي سوريا، التي تضم رفاة مدينة أوركيش التاريخية، التي كانت عاصمة المملكة الحورية القديمة. 

فأبناء مدينة روما الحاليون، وبمختلف أجيالهم، يعيشون المدينة القديمة وكأنها شيء حاضر وحيوي في تفاصيل حياتهم الراهنة. كانت روما القديمة، ولا تزال، ذات وجود متدفق في روما الراهنة، وفي أكثر من مستوى: عمارتها القديمة جزء مشهدي لا يمكن غض الطرف عنه في كل تفاصيل المدينة الحالية، بما في ذلك داخل بيوت سكانها، وسيرة التوأمين اللذين أسسا المدينة كثيفة في الذاكرة الجمعية، ومرويات حُقب المدينة القديمة وحكاياتها الشهيرة ومراحل تحولها الرئيسية جزء من الآداب والمناهج التربوية التي تنتجها المدينة الحديثة. وإلى جانب ذلك، ثمة متاحف وتماثيل مرئية ومنتجات تقنية وأنواع كثيرة من الآداب والفنون التي يفرزها الحاضرون يوماً، مبنية كلها وذات علاقة وثيقة مع ما كانت عليه المدينة القديمة، حيث إن السكان الحاليون في باطن وعيم يتصورون أنفسهم كامتداد روحي وثقافي وتاريخي لما كانت عليه روما القديمة.  

يحدث كل ذلك، في وقت لا يعاني فيه سكان روما الحاليون مع أية مشكلة أو صِدام مع الحداثة، بكل منتجاتها وأدوات فعلها ونوعية التفكير وأشكل السلوك التي تنفرز عنها. بل على العكس تماماً، يبدو الحضور الكثيف للمدينة التاريخية وذاكرتها في حاضر السكان، وكأنه أهم مصادر الغنى والحيوية للسكان، ما لم نقل الثقة بالذات، التي تنتج ممرات للاعتراف بالآخر وفسحة لطراوة الوجدان والمخيلة، تلك الأشياء التي تمنح السكان الحاليين قوة وجدانية وعقلية للانخراط كل اشكال الحداثة.  

على الدفة الأخرى، فإن كاتب السطور لم يسبق له أن عرف شيئاً عن العاصمة التاريخية القديمة التي ولد، هو وأبوه وجده وكامل أفراد عائلته، على بُعد عدة مئات من الأمتار منها. لم يعرف حتى اسمها التاريخي ولا مؤسسها ولا الحاضرة والمضامين التي كانت عليه هذه المدينة التاريخية. ليس هو فحسب، بل كامل الفضاء الاجتماعي والثقافي والإنساني المحيط بذاك المكان، الذين كانت تلك الحاضرة على الدوام واحدة من أكبر مجاهيل الحياة وأكثرها غموضاً بالنسبة لهم. 

فما عرفته شخصياً عن هذه المدينة القديمة، وبعد سنوات كثيرة من العيش بالقرب منها والمرور اليومي بها، كان بفعل فضول استثنائي ومهني خاصٍ جداً، لم يكن متوفراً إلا للقليلين. تلك المدينة التي كانت حاضرة عمرانية وثقافية وتجارية طوال آلاف السنين، عاصمة للملكة الحورية لوقت طويل، ثم صارت جزءا من الفضاء السياسي والإنساني لممالك "أكاد" ومن بعدهم "ماري"، تحوي قصوراً ومعابداً وأسواقاً ونصوصاً وتماثيل ومنتجات تاريخية لا تُقدر بثمن، لها سيرة وتاريخ وشخصيات ومنتجات أدبية ودينية وثقافية هائلة، كانت يوماً منارة إنسانية لقرابة ربع العالم.   

كل ذلك كان مجهولاً كبيراً لكل البشر المحيطين بالمكان، ولا يزال. وحدهم أعضاء بعثات التنقيب الأجنبية كانوا يعرفون ما بداخل ذلك المكان/الحاضرة، هؤلاء الذين كانوا محاطين بسور فعلي وآخر أمني، يعملون بصمت داخل مكاتبهم، يستخرجون الآثار ويجرون الدراسات بلغاتهم الأجنبية، ولا يجدون وقتاً ومعنى لأن يشرحوا ويفسروا للسكان المحيطين ما يعثرون عليه ويكتشفونه داخل المدينة. حتى أن بعض السكان المحليين، الذين كانوا يعملون كعمال سخرة لدى أعضاء تلك البعثات، أنما كان ممنوعاً عليهم مسّ أي شيء تاريخي قد يجدونه أثناء عمليات النبش والتنقيب.  

لم تكن تلك القطيعة على المستوى المادي فحسب، فجهل السكان بالمكان ومحتوياته وسيرته، كان استعارة كبرى عن قطيعة هؤلاء مع التاريخ نفسه، وتالياً مع جزء من ذواتهم وخصائصهم، ككائنات تملك خاصية متمايزة عن باقي المخلوقات، على مستوى العلاقة مع الذاكرة والتاريخ الأبعد مما هو حاضر راهناً. وتالياً ككائنات خُلقت وراكمت مجموعة كبرى من المنتجات والذواكر والأفكار والقيم والآداب والتجارب، التي تشكل بمجموعها المصدر الأولي والدائم للثراء الإنساني.  

فما كان خاصاً بالبقعة التي نشأ فيها كاتب هذه السطور، كان يمتد لأن يكون ظاهرة عامة في كل مكان آخر. فكامل شمال شرق سوريا كان قائماً على بحر من الحواضر التاريخية القديمة، تحوي سهوبه كنوزاً من الآثار والمنتجات الإنسانية، لكنها جميعاً كانت عوالم مجهولة تماماً بالنسبة للسكان، غير حاضرة أو ذات معنى في الذاكرة الجمعية، لا يتم تداولها في المناهج التربوية وليس لها من قيمة في المنتجات الأدبية والثقافية والفنية والسياحية لأبناء المكان، ولا فاعلية لها في الضمير والمخيلة والعقل العام.  

يمتد ذلك الأمر ليشمل سوريا كلها، ومنها بنسب مختلفة لكل بلدان منطقتنا، الذين، ولغير صدفة، يعيشون صداماً ورفضاً للغالب الأعم من ظواهر ومنتجات الحداثة، المرابطين في خنادق المركزية والمحافظة والماضوية.  

من تلكم الثنائية، تبدو العلاقة الثنائية شديدة الوضوح، بين مجتمعات سائلة، تعتبر نفسها جزءا حيوياً من تاريخ قديم ومتقادم، منتج ومراكم لكل أنواع الثراء الإنساني، وأخرى تعتبر نفسها يتيمة، ولدت للتو كجيل أول ووحيد، ليس لها في التاريخ أي ثراء، خلا بعض حكايات الذكورة الرعناء، عن البطولة والحروب ومفاخرها، وتالياً لا تنتج إلا شيئاً واحداً: العصبيات الخالية من أية قيمة.